الأدب/ك

صفحة الأديبة الكويتية بثينة العيسى الخاصة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 


 


 

 

نافذة أولى و اعتراف

مقال : بثينة العيسى 

 

   يقول نيتشه: << الإنسان تنافرٌ حيٌ لا انسجام فيه >>.
وأقول: الكتابة - بصفتها ابنة الإنسان - هي ظهورٌ حيٌ لذلك التنافر.

أقول ذلك لي ولكُم، وأنا أتملّى في طبيعة الكتابة، أو في طبيعة علاقتي بالكتابة .. العلاقة التي تخلقت في أحراشِ الوحدة المحكمة والصمت المتواطئ، ثم انفجرت مدويةً في فضاء العالم ..

بعد إصدار ستّ كتب، ومرور ثمان سنوات على نشر أول كتبي.. ما زلتُ أحس بذلك التنافر الحي للكتابة بين قطبيها اللدودين: لحظة النص ولحظة النشر

الكتابة تتخلق في العتمة، في صلبِ الوحدة، في أكثر أشكال العزلة صرامةً وقدسية، في الأقبية المغلقة، في السراديب الموغلة في العمق، تحت غطاء السرير، في الدولاب ، على ضوء شمعة، أو حتى على إضاءة خافتة لشاشة الموبايل .. الكتابة كفعلٍ لا تمارسُ في الضوء إلا قسراً، وهي بذلك تعاكس طبيعتها، فهي المتوهجة لا تضيءُ إلا ذاتياً، في لبّ السواد البهيم للنفس البشرية، هكذا عشتها أنا، هكذا عرفتها أنا، لا تكون إلا من الروح وإليها، من الذات وعليها ..

النشر، على العكس، تواجدٌ قسريٌ في الضوء، ظهورٌ يعلن عن نفسه. النشر هو أن تقول الكتابة: ها أنا ذا، رغم أنها، لحظة تخلقت، كانت خافتة مثل شمعة، مندسّة برقة بين خفقات القلب..  بل كانت خفقة القلب ذاتها! لا يسمعها إلا صاحبها إن أحسن الإصغاء ..

النشرُ حالة إعلان، تجلٍ صريح، مشروع تمظهر..
النشر نقيضُ الكتابة.

وأنا - حتى هذه اللحظة - وبعد ثمان سنوات من إصدار أول أعمالي، لا أستطيع أن أوفق بين النقيضين، ولا أملكُ إلا أن أحار بينهما، أحدق في القطبين المتنافرين وأتساءل .. كيف يمكن أن يكون الأمر على هذا النحو؟ أن لا يصح الشيء إلا بنقيضه، أن لا يتحقق الشيء إلا بضده؟

النشر نقضٌ للكتابة وإيحاءاتها من عزلة وخفاء والتباس وقلق، والكتابة نفيٌ أصيلٌ للنشر، بكل إيحاءاته من ظهورٍ وصوتٍ وكشف ويقين ..

لحظة الكتابة - عندي - هي لحظة انتشاء، ولحظة النشر - عندي - هي لحظة رعب، كلما أفلت النصّ من يدي، إلى صحيفة أو موقع إلكتروني أو كتاب، شعرتُ بضعفٍ في قلبي، وبوهنٍ في ركبتيّ، شعرتُ بأن ساقيّ المذعورتين تعجزان عن حملي .. بأن الجلاءُ ثقيل ..

قد يقولُ قائل: وهل يصحّ مثل هذا الكلام كمفتتح لزاويةٍ جديدة، تمنحها لكِ "الصدى" للتواصل مع قارئها بسخاء؟ وهو سؤالٌ جدير جداً، ألا يفترضُ بي أن أبدو أكثر تماسكاً وثقة في الظهور والنشر والحضور الأسبوعي وهذه الفرصة الممنوحة للتواصل وفتح النوافذ وبناء الجسور؟

إنني أعي تماماً، طبيعة الذبذباتِ المرتبكةِ التي تبدرُ من سطوري، ولكنني لا أملك إلا أن أجيء صادقةً مع نفسي ومع قارئي بقدرِ ما أستطيع. وهو الصدق الذي أجده ضرورياً لخلق واستمرار أية علاقة .. لحظة النص فاتنة، ولحظة النشر مخيفة، ولكنني رغم ذلك أنشر لكي أتمّم رحيلي عبر التجربة، وأحتفلُ بكل نافذة، وكل جسر، وأبكي أمام كل قطيعة ..
نقولُ بالعامية (إللي أوله شرط آخره نور) .. وأنا أجيء بلا شروط، بل باعترافاتٍ، وبكتابةٍ تحاول أن تشبه نفسها بقدر ما يمكن للمرء ذلك، وأمدّ يدي، صوبَ وعي القارئ ، بفرحٍ مرتبك.. آملةً أن أصنع جسراً، أن أدشن في وجه الجدارِ نافذة، وأن أرمّم القطيعة. آملةً أن أبلغ النّور .

بثينة العيسى - الكويت