الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية  

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

إنانا

www.inanasite.com

مواويل الحياة

قصة

مراد الحجري*

 
(1)
حدّثني أبي - بعد إن انتهى من شرب قارورة الجعّة الثّانية بعد العشرين- قال :
-
الحياة كقارورة الجعّة هذه كلّما وصلت إلى نهايتها ازدادت حلاوتها ...
ثمّ فتح قارورة جديدة وأشعل سيجارة وحتّى لا يواصل الحديث معي وأفسد عليه خلوته ونشوته أمرني بالذّهاب لإعطاء طعام العشاء للكلب وإدخال فرسنا العجوز إلى الإسطبل خوفا من أن يطمع فيها اللّصوص بعد أن طمعوا في "جحشنا " الصّغير فسرقوه ذات ليلة سبت وذبحوه ليستوي شواء طيّبا شربوا به الخمرة فأكلوا اللّحم وتركوا لنا العظام ...
(2)
حدّثتني أمّي – بعد أن انتهت من صلاة العشاء وصلاتي الشّفع والوتر – قالت:
-
الحياة صلاة وعبادة .. قضاء وقدر ...خير وشرّ ... محنة وابتلاء... قول صالح وعمل طاهر ...
ثمّ أهدتني كتاب "الحصن الحصين : كتاب من ربّ العالمين..." وطلبت منّي أن أجعله كتاب الوسادة لا يفارقني أبدا...
(3)
طلبت من صديقتي - الّتي كثيرا ما تتحوّل في أوقات الفراغ وفي عطلة نهاية الأسبوع إلى عشيقتي - أن تخبرني ما معنى الحياة؟ فقالت:
-
أنت الحياة ...." وبعيد عنك حياتي عذاب "...
ثمّ أهدتني هديّة عيد " سان فلنتان " وتمثّلت في قبلة ساخنة وقارورة عطر فاخرة وأشياء أخرى تفيدنا في خلواتنا وتحمينا من شهواتنا...
(4)
جلست ذات صباح في مقهى قريتنا المكتظّ بقرب شابّ أبكم وأصمّ ... لكنّه كان ينطق بعض الحروف بصعوبة ...سألته مستعملا الإشارات عن معنى الحياة فقال :
-
الـ ... الـ ... الـ ... ح ... ح ... ح ... يا ... يا ... يا ... ة ... ك ... ك ... لـ ... لـ ... ب ... ب ... ب ... .
فهمت ما يقصد ... ونهضت من مكاني بعد أن ملأ وجهي وكأس قهوتي برذاذ بصاقه...
(5)
التقيت مجنون قريتنا ... وكان قبل جنونه فيلسوفها الحكيم الرّصين... وكان كعادته أغبر الوجه والهيئة أشعث الشّعر واللّحية... فسألته ما معنى الحياة؟:
-
الحياة فلسفة ... الحياة فلسفة الوعي الزّائف ...
لم أفهم ما قاله ولكنّي تظاهرت بالفهم حتّى لا يقول عنّي بأنّني عاقل جاهل وقال أيضا:
-
الحياة هي الوعي المحض بالقلق التّائه في ضروب التّجربة الإدراكيّة ...الحياة هي الخير النّائم في الوعي الخاصّ والشّرّ المستيقظ في اللاّوعي العام ...
لاحظ من خلال نظرة عابرة لتقاطيع وجهي هالات الدّهشة والحيرة وعلامات الجهل والغباء فأردف قائلا:
-
الحياة – يا أيّها الحمار الّذي يرتدي ملابس أنيقة – معقّدة لا يفهمها إلاّ المجانين... المجانين فقط...
صمت قليلا وطلب منّي سيجارة ... فأعطيته إيّاها وأشعلتها له وبدأ يدخّن بشراهة ... وعندما انتهى من التّدخين انتفض من مكانه قلقا وفزعا وقال :
-
سؤالك خيانة للحقيقة ... فأنت تسأل عن حياة بنت حمّودة الزّكار ..
وأضاف وهو يصيح :
-
طز فيك وفيها ...غراب أعور طاح على فولة مسوّسة ...
ثمّ سبّني وسبّ حمّودة الزّكار وختم بشتم الحياة شتما مرّا وفجّا مثلما شتمها أوّل مرّة يوم هرب منه عقله...
(6)
أخبرني حفّار قبور قريتنا ذات جنازة عن الحياة فقال :
-
الحياة مقبرة أنيقة ... وما الإنسان فيها إلاّ جثّة عفنة ولكنّها تتعطّر من حين إلى آخر...الحياة كينونة وصيرورة وديمومة... فموت قادم وفناء صامت وعدم خالد... فما أحقر الحياة أمام الموت وما أقسى الموت حين يستبدّ بالحياة...
أنهينا الجنازة ثمّ توجّهنا إلى الحانة وشربنا خمرا كثيرا على من مات ومن سيموت ...
(7)
جمعتني الصّدفة ذات مساء قديم بشويعر قريتنا ... فسألته عن معنى الحياة ... نظر إلى السّماء وهو يصطنع التّفكير ثمّ قال :
الــحــيـاة آيـات تــتـــلــى
بــيـن شــهـقـة الــبــدايــة
وغـــفــــوة الـــنّـــهــايــة
الـحـيـاة تــفّــاح الخطيئـة
وحــكــمــة الـــغـــوايـــة
الــحـيـاة غــيــمـة حــلــم
تــفــرّ مــن لـهاث الزّمن
الـحـيـاة قـصـيـدة عـشـق
تــخــتــرق خلايـا الرّوح
الــحـــيـــاة أحـمـر شـفـاه
يذوب على شفتي حبيبـتي
بقيت صامتا فسألني :
-
أليس شعري أجمل من شعر نزار قبّاني و أفضل من شعر محمود درويش؟
ضحكت كما لم أضحك قطّ وشتمته شتائم مقنّعة ثمّ ذهبت إلى حيث لا أدري...
(8)
عشت عقودا كثيرة وأنا أحاول أن أغسل لهفتي وأشبع حيرتي وأشفي هذياني وأثري معرفتي حول المعنى الحقيقي للحياة ... وعندما بدأت أتحسّس طريق الوصول إلى المعنى، وجدت مركبة العمر الصّدئة قد وصلت نفق النّهاية... وبدأ نبع الحياة ينضب بسرعة عجيبة وشرعت مخالب المرض المبرّح تنقضّ بشراسة على عقلي وقلبي وروحي وتنهش بشراهة جسدي ولحمي وأحشائي ... وذات يوم كنت ممدّدا على سرير حديديّ أبيض عتيق في إحدى المستشفيات وأنا أتأرجح بين الوعي والغيبوبة... لمحت ملك الموت يرفرف بجناحيه فوق رأسي وينتظر قرار الأطّباء بنزع الأسلاك الشّائكة المغروسة في أنحاء مختلفة من جسدي المنهك ليكمل مهمّته ويمضي في حال سبيله ... في تلك اللّحظة العجيبة الرّهيبة المفعمة بالكآبة والمرارة والمترعة بالمعرفة والحكمة ... أدركت أنّه لا معنى للحياة، وأنّ أقسى الشّقاء أن نفكّر في معناها

===========

*مراد الحجري - تونس

أستاذ اللغة العربية بمعهد بوعرقوب -تونس/نابل

تعقيب

الأخ المبدع مراد

قدمت لنا هنا بحثا فلسفيا عن جوهر الحياة , سلخ الفلاسفة أعمارهم في معالجة معناه عبر التاريخ ، بأسلوب قصصي فريد تنقلت فيه ، من رأي سكير إلى رأي مؤمن ، إلى رأي مجنون ، ثم إلى رأي شاعر ، لتخلص في النهاية إلى رأيك الشخصي :" أدركت أنّه لا معنى للحياة، وأنّ أقسى الشّقاء أن نفكّر في معناها"

نص رائع بكل المقاييس مبنى و معنى و بلغة بليغة من جنس السهل الممتنع

أهنئك و دمت متألقا

نزار