مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

  أعرفها من وراء الغيم

قصة قصيرة بقلم: بسام الطعان
bassamtaan@yahoo.com

القصة السورية

        سلام عليها أينما كانت, وإلى النرجس الطلع من خديها, وستمسي أهلا إن جاءت, حينئذ سأزف إليها عريســـــا يفرغ ذاته في ذاتها, يلقن التاريخ جبا, ويجعل مهره!  لون الزمرد, وزرقة البحر وموجه, والشمس وقت الغروب, وتلا من الورود.
بالتأكيد ستكون مصاغة من لؤلؤ ولوز وفلفل أحمــر, أو من عقيق وجوز وعسل اصفر, وهي ربما الآن في بلاد قريــــبة, أو بعيدة, فالحب لا يعرف الجنسية, له لغة واحدة وليس له جواز ســـــفر, وربما هي قريبة مني, أو لم تولد بعد, من يدري؟
بعد ثماني عشرة شعلة, بلغت سن الرشــــــــد, ففرح السنونو في دمي آن حصلت على وسام العشق, وسرعان ما رســـمت لها لوحة تحمل المثير من الملامح النورانية التي احبها, وبعدها, دخلــت في نعيم دائم, إذاً, عاشق أنا, اجلس وانهض أسير مع شــــــــوقي الذي يعلن عن نفسه باقتدار, ابحث بين أوراق العمر عن مشهد اللقاء الأول, لكنه لا يأتي من تلقاء نفســــــه, ويظل حبي له! ا ينمو كزرع لا يهجره المطر.
المسافات تبدو شائكة, والأيام تتســـاقط كأوراق الخريف, والوجه الحبيب يســـــــكن العمر, وأنا ارتعش من وجدي, أردد من وراء الليل آهاتي, وفي الصـــباح, ابحث عند الحقيقة وعند الخيال, عن التي عبأتني وداً ومشاعراً, ووجهـــها صار طريقي ورفيقي , وقلبي يراها مرة على شكل وطن, ومرة بطة برية تفوح بعبق النرجس, تطير فوق أشـــــرعتي وفي خاطري, ومرة قمراً يسبح في ســماء صافية, ومرة يراها نهراً من الشجن, ومرة ظلا دافئا ادفأ من خيوط الشمس.
إنها حقيقتي وليست خيالاتي, وهي ابتســــــامتي وفرحتي وغاية غاياتي, وحتى لو كانت دمعتي وأناتي, فسأظل لها ظلاً, وســــــــــــأزرع فيها حبي وعاطفتي وحتى لـّذاتي.

هي لم ترني ولا تعرفني, وأنا لم أرها ولكنـــــي أعرفها, أعرف تاريخها وجغرافيتها, جمالها واكتمالها وخصالها, اكثر ما يعجبني فيها شــــــــــفتاها الرقيقتان, تلم الشفتان اللتان تباغتاني دائما فأراهما من بين جميع أعضائها, أعرف صوتها الرخيم, صدرها العالي, حضنها الواســـــــــــــــع, خصرها المرمري, أناملها الناعمة الطويلة, جسدها المثير ببياضـه, بليونته, وبدفئه, اعرف.. واعرف.. واعرف..
كلما ينتهي المساء, أفتح أبواب الهوى, أجلــس في شرفتي وأريد رؤيتها, آه لو تمت الرؤية, لفاجأت العالم بحبي وعطــفي, ولكن كيف تأتــــي الرؤية وأنا افترش أمانيّ والتهب بنيران وسط الصقيع؟
وآه منها, ويا لقامتها التي هرول عشــــــــــقي إليها, وأقولها بصدق, إنها تستحق جائزة عالمية للجمال, في كل لحظة يستيقظ الحلم في دمي, فاشـرب صبابتي, أمدد تباشير الســـــــــــــــــكون, وبخيالاتي المجنحة, أراها يانعة كالشموس, ناضجة كالتفاح, وشاهقة كالجبال, أراها في زرقة الســــــــــماء الصافية, وخلف الأفق البعيد, بين النجوم وحبات المطر, مع بيارق الصحو وعند انطفاء الوسن, وأراها دائما تكركر من خلف أســـتار الغيم, فأترنم بها وأرسل شوقي لها سواقي وجد.
ذات صباح صيفي, كنت جالساً في الشـــرفة, ارتشف قهوتي وأستمع إلى أغنية عزيزة على قلبي:"يا جبل البعيد, خلفك حبايبنا, بتمـــــــوج! متل العيد وهمك متعبنا". وفجأة انتفضت وقلت بصوت أشبه إلى الهمس:
" إنها هي.. حلم الخلاص المنتظر".
رأيت قامة فارهة ووجهاً ـ جماله آسر أو قمرا يهزم الشمـــــس لا أدري ـ يغمر الشارع بالشذا, فسكنتني رعشة وأردت الصياح فلم أجد صوتاً, إلا أن نظراتي حجت إليها وهي وئيدة الخطا فوق الرصـــــيف كأنما خارجة لتوها من عين الشمس.
قبل أن تتحول إلى سراب, انتبهت إلى نفســــــي, فألقيت منامتي وهبطت السلم بسرعة, وبعد أن حددت هدفي راحــــــــــــت خطواتي تتراكض بخفة طفولية, دخلت شارع! ا فرعيا لأختصر المسـافة بيني وبينها, وما إن لمحتني سائراً مثل موج ثائر نحوها حتى انتابها شيء من الخوف, أحســــــــت بأن خطــــــــرا ما يتربص بها, فاختبأت بين المارة:" لا تخافي يا عمري, فأنت المسرة وأنا الأمان".

تقدمت بحذر خوف اصـــــطدامي بمن يمرون, طوقتها ولم أدع لها مجالاً للابتعاد , ألقيت الســــلام وبقيت انظر بعينين أودعت فيهما كل الصبر وكل النجوى, فألبستني دهشــــتها وعدم اهتمامها. صحيح أن وجهها كان جميلاً, يتألق بكثير من العذوبة, ويسرق بأريحية كل الكلمات, إلا انه لم يكن الوجه المرسوم في وجداني.
إلى أين تمضي بيّ يا عمر؟ إلى الوجه المســــــــــافر في بيارات الغياب والسراب, أم إلى آخر فص! ول الخيبة حتى تنفرط الأمنيات؟
أعلم أن الموت خاتمة الحياة, والوصل خاتمة الحب, وأعلم أنها ليســـــت مســــــتحيلة مثل أمنية, كما أعلم علم اليقين أنها جميلة مثل أغنية فيروزية, وإذا ما جمعني القدر بها فسأحتويها بهديلي على مر السنين
.
 

*بسام الطعان
القحطانية ـ القامشلي ـ ص ب 93 سوريا
bassamtaan@yahoo.com