
قصة بقلم : د. هيفاء السنعوسي
ولادة
جلستُ لأكتب شيئا ...
نداءات هنا ...ونداءات هناك.
شخوص قريبة أراها بوضوح...
وشخوص بعيدة لا أستطيع تمييز ملامحها.
أشعر بالعطش الشديد.. وبالتعاطف الغريب مع واحد من هذه الشخوص.
أعرف ما أفعل الآن ...نعم أعرف..
إنني ...
أنسج خيوط قصة جديدة لم أختر لها اسما بعد.
ربما لأنني لم أنته منها...
أو
ربما لأنني لم أبدأ بعد.
تتساقط بعض الأفكار من عقلي...الواحدة تلو الأخرى...
اختناق
أحاول التقاطها مرة أخرى ...تنزلق ... فلا أستطيع أن أمسك بها...لا أستطيع.
أشعر بتوتر شديد...
يكاد يخنقني...
أخيرا...
وُلِدَت نجمةٌ في مكان ما في عقلي.
جاءت لتدفن عتمة أرادت أن تنبت في بيتي.
ولكنها ...
تبدو لي نجمة تائهة ...لا تعرفها طريقها...أو ربما نجمة خرساء
لا
أستطيع التعبير عمّا تريد.
صراخ صغيري يزعجني ...
بكاؤه يخفي أشياء كثيرة...
هل
يمكن أن يتوقف صراخه ؟
....وجدتني أقول:
(
هدوء...أحتاج إلى هدوء...
لا
أستطيع الكتابة...
لا
أستطيع الكتابة... )
خيوط القصة تتبعثر...
محاولة إجهاض...
كوب شاي
أحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه...
قلبي حزين...طارت ... ولدت فكرة وطارت.
إلى
سماء لا يمكن التحليق فيها..
أصرخ لأقتل جزءا من توتري:
(
أمينة ...كوب شاي بدون سكر...بسرعة من فضلك )
لم
أتعرف بعد على الصورة المدفونة في أعماقي...
مدينة صاخبة بالحياة ...الألوان ...الأصوات...الحركة الكثيفة...
ضوء
...ظلمة ...ضوء ظلمة...
أستيقظ من عالمي على صوت زوجتي أمينة :
(
الشاي يا حبيبيي )
تغلق حجرة مكتبي ، وتغادر بعد أن ودعتني بابتسامة أعرف تفاصيلها جيدا.
هل
أستطيع أن أزرع فكرتي التي ضاعت ؟
هل
أستطيع أن أجمع خيوطها من جديد ؟
أبحث عن وجهها الذي اختفى...
أحاول أن أتلمس أجنحة حلقت بها...
رصاصة الموت
لا
أريد أن أرثيها ...
لا...لم تمت .
...لم تمت...
هل
...؟
سأغفو على الكرسي...سأسند رأسي للخلف ...وأغمض عيني..
لعلي أشاهدها طيفا فأصطادها مرة أخرى...
هل
أنا من يصطادها أم أنها تصطادني...؟
لا
أعرف.
آه
...لقد تذكرت الآن.
أنه
حسد ...
حسد
سليمان... زميلي في العمل . لقد أمطر لوحتي عن بعد ...أمطرها برصاصات الموت .
لطالما سألني :
(
كيف أصبحت كاتبا مشهورا ؟ هل يمكن أن أكون كاتبا مشهورا مثلك؟ )
كنت
أقول :
(
الكتابة موهبة ...شيء تولد معه توأما ...لا يمكنك أن تلده )
يرد
عليّ ساخرا :
(
أتظنّ نفسك فيلسوفا ...؟ أتوهمني بأنك عبقري ؟ ونحن أغبياء ؟ هل تصنع
المستحيل ؟ )
أركز قليلا...
أتخيل...أغيب في فضاء مظلم...
لم
أعد أرى الألوان ...لم أعد أسمع الأصوات ...
أين
اللوحة المرسومة في ذاكرتي ؟
الغيث
أغفو ...
أشهد لحظة غريبة بين الواقع والخيال...
الغيث قادم...قادم ...قادم.
أجد
نفسي في صحراء لم تعرف طعم الأمطار...
ولكنني عازم على بناء مدينتي فيها.
سأضع بذوري...وسأسقيها من دموعي...
سأسمعها لحن حزني...ولحن سعادتي...
سأبلل الرمال بالماء...
سأبتهل إلى الله كي تضيء النجوم عتمة الصحراء... وكي يأتي الغيث.
ألمح أجنحة ...ألمح قمرا.
أسمع أصواتاً ...أرى ألواناً...
ها
هو ذا بطلي العائد من الفضاء البعيد...
يمتطى فرسا...
أسمع صوته يعلو...
أرى
الحقول الخضراء...
أين
الصحراء ؟
المطر غزير... لقد وجد طريقه إلى مدينتي.
أفتح عيني
أكتب...
أكتب...
أضع
القلم ...
يتضخم العنوان :
(
عالم بلا عيون )
أسمع صراخ صغيري مرة أخرى ...
أبتسم هذه المرة :
( أمينة...أمينة ...تعالى وأحضري معك الشقي خالد ).