من ليمون إلى قمر ، الورد وصل
قصة قصيرة
بقلم : حاتم
قاسم
hatem_k65@yahoo.com
القصة السورية
استفاق
من نومه باكراً على غير عادته 00 أخرج بعض أوراقه المخبأة تحت وسادته بدأ
يتمحصها واحدة تلو الأخرى و استقرت فرائسه على واحدة أمعن فيها النظر جلياً !!!
خبأها في جيبه و أعاد أوراقه الباقية إلى محفظته 000 كانت خطواته تشده إلى
أشجار الكينا المجاورة ، هناك أسند ظهره إليها و أخرج الورقة ثانية و طفق يحملق
في أساريرها
- لا أدري لعلها
رسالة من أمه التي طالما بعثت له تطمئن عليه000 و لربما
كانت من خطيبته
التي هي الأخرى أرقها الشوق بلقائه 0كانت عيناه تتنقلان بين السطور و تحملقان
في الأفق البعيد و زقزقة العصافير لم تغادر حضورها اليومي 0
- اتجهت إليه
بينما كانت عيناه قد فاضت بالدموع 000 و بسرعة البرق أعاد الرسالة إلى جيبه
- قلت بذهول : أهي
من أمك ؟؟
- و بصوت متهدج
تعلوه بحة قال : لا
-ثم ابتسمت و قلت
له مداعباً : يا عم 000 ( نيالك 00 يضرب الحب شو بيزل يا محمود )
نهض كالنسر و مسح
دموعه ثم علت وجنتيه ابتسامة خفيفة
- اقترب مني ووضع
يده على كتفي متنهداً ثم قال : ( البحر حد عكا )
- أخرج من جيبه
سلسالاً ذهبياً كتب عليه حرفان : ( م ) + ( ي ) ثم قال لي
-هذه أمانة عندك
و باستغراب يعلوه
استفهام جبت : وماذا أفعل به ؟؟
- اندفع بخطواته
الواسعة و قامته الممشوقة باتجاه الغرفة تبعته إلى هناك و هو يفتح محفظته و
يخرج منديلاً مزركشاً كانت رائحة العطر تفوح من جنباته
- أخذ السلسال من
يدي ووضعه داخل المنديل و قال : هذه الأمانة 000
رغم براعة فرائسي
إلا أنني لم أفهم شيئاً 0كانت تدور في مخيلتي أسئلة كثيرة تبحث عن جواب 00000
انهال عليَّ
يقبلني قائلاً :
- لقد حان وقت
الوداع
- إلى أين يا
محمود ؟؟!!!
- إلى الالتحاق
بقطعتي الجديدة
كان يوماً غير
عادي 000 اعتاد أن يحتسي فنجان قهوته الصباحي على سريره بينما يتعالى دخان
سجائره في بهو الغرفة 0
- قلت في غصة ٍ :
لا بد أنك تمزح 00 00 و الأمانة ماذا أفعل بها ؟؟!!
و كتدفق السيل من
منحدر اندفع إلى صدري و ضمني إلى صدره و بثقة الصديق المحب لأخيه قال بابتسامة
تعلو وجنتيه : قد تطول إجازتي هذه المرة 000 أما السلسال فقد اشتريتهما البارحة
000 فالمنديل لأمي 00 و السلسال لخطيبتي 0
ربت على كتفي
مودعاً بينما عيناه فاضتا بالدموع و هو يودعني قائلاً :
- أعرف أن لحظة
الوداع صعبة ٌ 000 تعزُ عليَّ كما تعزُ عليك و لكنه القدر 000
حزم أمتعته ثم قال
: أستودعك 0000 برعاية الله0
المشهد لا يفارق
مخيلتي و أنا أتتبع خطواته الواعدة على درب ٍ طويل مليء بالمشقة فالطريق الوعرة
و الحواجز المنصوبة هنا و هناك تترأى أمام ناظريه و هو يحملق في الأفق البعيد
000
عدت أدراجي إلى
الغرفة يخالطني إحساس غريب فصورته العالقة على أوردة الذاكرة مازالت تنبض بدفء
حركاته و سرعان ما استيقظت من شعوري على رنين جهاز اللاسلكي و هو يخاطبني :
نداء00000
نداء00000نداء00000
-من ليمون إلى
القمر000 هل تسمعني ؟؟؟
و بسرعة البرق
ركضت و أمسكت بالسماعة :
- نعم أسمعك
-الورد وصل 000
الورد وصل
-من قمر إلى
ليمون وصلت رسالتكم
وضعت جهاز
اللاسلكي على ظهري و اتجهت إلى أشـــجار الكينا المجــــــاورة كان صــــوت
العم ( أبو ثائر) يبدد وحشة الليل بغنائه الجميل فأغاني الدلعونا و الميجنا و
يا ظريف الطول تترامى إلى مسمعي كل يوم فأنتشي طرباً و لكنها اليوم لها طعم آخر
0 لعل أشعة القمر تشاركني روعة المشهد لكنها هي الأخرى تبدو حزينة على
فراق الأحبة
000سادت برهة من الصمت 000 انقطع فيها الغناء و إذا بالعم ( أبو ثائر ) يربت
على كتفي :
-
الغربة مرة و الأمر منها الوداع ، هانت 0000 ( كلها أسبوع و يأتي دورك في
الإجازة )
كنت أدرك مغزى
كلماته التي تعصف برأسي مثل حجر الطاحون فكل واحد منا يودع الآخر 000 تماما
كغربة العربات التي يجرها قطار واحد 000 تترامى على محطات متعددة و سكك مختلفة
فكل واحد منا يسلك طريقا واحدة 0 كانت بسمة العم أبو ثائر تشد عافيتي و أغاني
الدلعونا تعطر ليليَ الطويل
00 و مضت الأيام
تعركنا برحاها و قبل يوم واحد من موعد إجازتي كان صوت
اللاسلكي يزأر
-نداء00000
نداء00000 نداء00000
-من ليمون إلى قمر
، علم بلادي مرفوع
كانت أصابعي تتوجس
الحيطة و الحذر و هي تخط حروفها المرتعشة على الصفحة البيضاء و ما إن انتهت
الرسالة حتى فاضت عيناي بالدموع 000 و انطلقت بسرعة البرق خارج الغرفة 000
كان الصوت يجاوبه
الصدى :
-
ياعم( أبو ثائر )000000 ياعم( أبو ثائر )
000000
و يأتيني الجواب
سريعاً على عجل من بعيد :
-
مابك 000 ما بك 00000 ما بك ؟؟؟؟؟؟؟هل حدث شيء ؟؟؟؟؟
أمسكني العم أبو
ثائر و ضمني إلى صدره 00 الكلمات أسرع من دقات القلب و هي تخبره نبأ استشهاد
محمود و لم أجد نفسي إلا بين يديه و هو يهزني من كتفي قائلاً :
-
ماذا تقول ؟؟!! ماذا تقول ؟؟!! 000
الله يرحمك يا محمود
*****
انطلقت جنازة
الشهيد و أكاليل من كل حدب و صوب و الأمانة المثقلة على كاهلي ، تقدمت من أمه
العجوز 000 انحنيت و قبلت رأسها و بنبرة تغطيها الدموع كنت أواسيها :
- محمود شهيد000
اليوم عرس الشهادة
- مسحت دموعها 000
سادت برهة من الصمت000 عيونها ترقبني 000
أخرجت المنديل 000
وضعته أمامها 000 و باستغراب قالت :
- ما هذا يا بني
؟؟ !!
- سلسال ذهبي تركه
محمود أمانة لخطيبته و أما المنديل فهو لك يا خالتي .
علت زغردة من
شفتيها المتعبتين
-
المهر غال ٍ يا محمود 00 اليوم عرس الشهادة
انطلقت زغاريد
النسوة بينما كان نعش الشهيد يوارى في مثواه الأخير