مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

مكتب الخدم   

قصة قصيرة

عدنان زغموت

دنيا الوطن
 

             تبهرني صنيعة الله من إنسان وحيوان وجماد وزمان وتأسر دقتها جوارحي وتلابيب نفسي0 ومن تفاصيل الزمان فصول العام الأربعة التي تفصلها حواجز في منتهى الدقة والروعة على نحو لا يقتحم فصل ساحة الآخر ليفسد مذاقه0 فالشتاء ببرودته ومطره وثلجه ورعده وبرقه يمثل عطاء يؤسس لعطاء باقي الفصول الثلاثة الاخرى0 وكما للسنة فصول فلعمر الإنسان فصول مثلها إلا أن القرن العشرين شهد ثورة لاختصار فصول العمر بفصل الربيع,فالإنسان لا يريد نفسه خريفا على الإطلاق رغم جماليته التي تتسم بالحكمة والوقار0ربما يعتقد البعض أن ما أقوله نوعا من الهذر وصف الكلام لكن ما قادني إلى ذلك قصاصة ورق سقطت بين يدي صدفة وحضنت كلاما بدا للوهلة الأولى مفهوما وأضحكني وكأن ما قرأته مزاحا بمزاح0 أحد رجال خريفنا تفتق ذهنه عن فكرة استقدام خادمة لترافقه مشوار ما تبقى له من أيام على وجه هذه البسيطة0 حتى الآن يبدو الأمر جد طبيعي(وعداه العيب) لكن من غير الطبيعي تلك المواصفات والشروط التي رصها بدقة وإحكام لتلك الخادمة (اللي ما حصلتش)0 صاحب السبعين عاما انطلق إلى احد مكاتب استقدام الخدم وتعلو وجهه اشراقة شباب وطار خياله الجامح بعيدا إلى زمن الهوى ,داعيا الله أن يكلل مقصده بالنجاح ويتحقق حلمه قبل فوات الاوان0 جلس في المكتب وعكازه الذي يرافقه في حله وترحاله يسنده خوفا عليه من السقوط الذي يمكن ان يقضي على بقايا هيكله0 عجوزنا اشترط في طلبه أن تكون الخادمة هندية مسلمة وان تكون بيضاء ممشوقة القوام وان تكون بصحة جيدة وممتلئة الجسد وان تجيد التحدث باللغة العربية وتثبت أنها عاقر ويتراوح عمرها بين العشرين والثلاثين0 وذَيّلَ كل هذه الشروط التعجيزية بعرض سخي للمحظوظة التي لا تزال في مجاهل بومباي ,أنها مائة دولار بالتمام والكمال مخصوم منها الضرائب وفوائد صندوق النقد الدولي,يا سلام سلم0حاول صاحب المكتب إقناع الخريف أن مكتبه لا يمكنه استقدام عاملة منزلية بهذه الشروط,إلا أن خريفنا تذمر وخرج غاضبا وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة0 أقول غير مفهوم منعا للإحراج فهي نوع من السباب الثقيل الذي تحتبسه الشفاه لضمان عدم المسائلة0 مسكين هذا الرجل فقد قضى مكتب الخدم على حلمه الأخير في هذه الدنيا الفانية0 فقضية صاحبنا واضحة كاشراقة الصباح,فما له ومال جسم الخادمة المكتنز وعزوبيتها وعقوريتها؟ هذا الرجل باختصار يمثل جيلا حاول الانقضاض على جيل غير جيله,حاول بخريفه ان يطعن ربيع إنسانة مستغلا بحثها عن رغيف,أراد أن يجدد شبابه كم يقال ليغتال شباب غيره,أراد أثاثا جديدا لمنزله المتهالك0 وبالاطلاع على تقارير المشافي والمراكز الصحية ثبت باليقين ان عملية ترميمه ميئوس منها,فضلا عن الأدراج التي امتلأت بحبوب ارتفاع ضغط الدم والسكري واحتباس البول وانسداد شرايين الفكر0 أنا مقهور من ذاك الرجل وعليه لأنه فقد حكمة كنّا وآباؤنا وأمهاتنا نتحلق حولها عندما كان الجد يروي لنا قصصا تشعرنا بالغبطة والمرح وتبني لنا لبنات صحيحة لمستقبلنا0 فقد قدوته واصطف بطابور المراهقين,هو اختار دون أن يحتار لكنه أحار0 ومن زاوية أخرى التمس لعجوزنا بعض العذر فقنوات أغانينا المحتشمة أثارت فضوله لكنه عاجز عم مجاراة رقص الحسناوات بسبب انقطاع كامل تياره الكهربائي0 يمكنه فعل ذلك في الأحلام أو عندما يتعرض لنوبة عصبية مفاجئة تجعله يرقص بالإكراه يتم بعدها نقله إلى المشفى على عجل بعد وصلة مرضية من الطرب أوقعته في يم عميق الغور من الألم 0 وضعت يدي على خدي وسألت بمرارة المقهور: هل نحن منتهون عن اللعب على وتر الشباب الخالد؟