قصة بقلم :
سوزان خواتمي
عن موقع فوانيس
http://www.alfawanis.com
ضمها
إلى
صدره ، فسرى النمل في جسدها ، وتراجعت مبتعدة .
إنها تشبه كل الزوجات المتذمرات ، بغياب الأولاد عنها تشغل نفسها بالشكوى .
- " حرارتي اليوم مرتفعة .. أبرد كثيراً .. اجلب لي معك علبة فيتامينات
".
ومثل كل النساء أيضاً تتحفظ في تحديد عمرها ، كأنه سر من أسرار أمن الدولة ،
لكنه يعرف عمرها كما لو كان القابلة التي سحبتها من بطن أمها .
- " إنك يا صغيرتي .. تجاوزت الخمسين بسبعة شهور وأربعة أيام وكم ساعة ".
حدد لها عمرها ، رغم سوء العاقبة
- " ما أظرفك ! لك لسان كحد السكين ... وأنت تشخر "
تجيبه
وهي تشمر أنفها
- " منذ متى ؟ "
- " منذ .. منذ .. منذ أن دخل ابنك الإعدادية "
مازال لحجرات منزلهما ترتيبها الهندسي المعتاد ، لكن خللاً غير مرئي ظهر في
علاقتهما كزوجين عتيدين .
المناكفة تطحنهما ، قاوماها بأقل الأضرار الممكنة : هو بحبوب زرقاء لها مفعول
منشط ، وهي بقراءة كل الكتب الرومانسية المحفزة في مكتبتها حيث تعمل .
حين قاطع التثاؤب مسار قبلاتهما ، انسحبت هي بخجل إلى أقصى اليمين في الفراش
العريض المزدوج المساحة ، واحتل هو غاضباً القطب الآخر ..
وفيما كان الزوجان يتشاركان الأحلام والكوابيس بحكم الوسادة المشتركة ، كانا
يتألمان معاً .
**
سحابة رمادية كانت تعبر سماء حياتهما ، حين ظهر لها ذات يوم خريفي ممطر: شاب
نحيل برأس يقطينة ، ولحية نابتة ، يشبه غيره من الشباب ببلوز فضفاض وجينز ضيق ،
كانت ملابسه المبللة تنقط
فوق بلاط مكتبتها ، مبللاً كقط أجرب ، تسلل بين الرفوف باحثاً عن كتب طبية
تلزمه ، قدمت له شاياً ساخناً ، فجلس يتدفأ بجوارها .
لم يكن وسيماً ، على العكس
غامت تفاصيل وجهه ، فنسته حالما التفت مبتعداً .
عاود ظهوره بين الحين والحين ، ثم في أوقات متقاربة لأجل هذا الكتاب أو لآخر
تتكفل بالبحث عنه .
يشكرها بصوت أدغم يخرج من أنفه . كان يضغط على أعصابها بخفة مستمرة ، حتى صار
يعني لها نبضاً عذباً في قلب هامد .
ترتاح
لمجيئه ، غالباً ما تكون وحدها ، مكتبتها ليست مشروعاً تجارياً رابحاً ، فما
عاد الناس يدخلون إلا لشراء القرطاسية .
يسليها وجوده ، وكي لا تستحلفه البقاء ، كانت تخلق حديثاً يسعيان معاً ليمتد
بلا نهاية ، حتى جنح هو لاقتراض رواياتها العاطفية ، وبدأت هي تقلب معاجم
التشريح الأجنبية .
لم تكن لعلاقتها به مسمى يصفها .. كانت ندى مس رؤوس مشاعرها .
لحية بلا ملامح رافقت أحلامها الليلية ، كشيء عالق في الذهن كلما تجاهلتها
ازدادت حضوراً ، أصابتها بطفح جلدي فوق خديها .
زيت الزيتون ، مزيج من ماء الورد والعسل ، ومستحضراتها التجميلية أيضاً لم
تجدها نفعاً .
قال لها زوجها وهو يستعرض مهاراته الطبية :
- " سأجلب لك معي مرهماً سريع الفاعلية ، لكن أنبهك فيه نسبة كورتيزون عالية ..
اطمئني لاشيء خطير .. هي أزمة منتصف العمر " .
ذاك المتعجرف نسي أنه مجرد صيدلي بائع للأدوية ، وانقلب عالماً بعوارض سن اليأس
.
- " لماذا لم تمر بنفس الأزمة وأنت تكبرني بعشر سنوات ؟ "
- " الرجال لا يكبرون يا عزيزتي ، إنهم يموتون دفعة واحدة .. ظاهرة طبية
معروفة "
كل ما حولها ساكن كمستنقع بليد . اجتاحتها رغبة عارمة بالتغيير ، دارت طواحين
نشاطها : الستائر المخرمة كشبكة صيد ، تلك المزهرية القديمة إحدى هدايا
حماتها الكالحة كأنها شوكة في الحلق ، وعثّ يرتع داخل الورود الذابلة في
سجادتها الصينية .
تظهر أمامه بخصلات حمراء زرعتها في بستان شعرها المصبوغ ، وزينة لها ألوان لوحة
تشكيلية ،
تحشر شحومها الزائدة داخل فستان نوم ضيق .
- " جنت زوجتي يا عالم .. بعد تعب النهار تهجم عليّ كالساحرة ..
لكنك مازلت جميلة " يتدارك سماجته ، ماداً إليها ذراعيه .
جسد يهرم وقلب عربيد .. حشوة الفراش القاسية تحطم ضلوعها .. الشراشف النظيفة
جداً كفن يلفها .. تسقط في قاع النوم وهي تسمع ألحان
هموده