

رواية قصيرة
الجزء -1-

عزام أبو الحمــام*
سعيفان
ابن عمي رجل كبير السن نسبيا هذه الأيام ، فقد صار جداً منذ سنوات وله
أحفاد كثر، وكان الله قد رزقه بثمانية أبناء ذكور وفتاة واحدة، وحمدان قليل
الحظ كليا رغم حسن نواياه ونقاء سريرته، لا بل هو متعوس ومتعثر دائم ،لكنه
مع ذلك حسن المعشر رغم مصائبه الكثيرة ، شهم الطباع ، كريم رغم قلة ما في
اليد أغلب الأيام ،فطين ولماح وقارئ رغم أنه لم يتعلم في المدارس إلا يوم
واحد، لكنه نزق بعض الشيء وتتملكه العصبية في الكثير من الأحيان رغم أنه
مواظب على الصلاة ويحفظ بعضا من سور وآيات القرآن، إنه على وشك أن يصبح
ختيارا بمعنى الكلمة رغم صلابة عوده ودقة جسده، ذقنه يكتسي بالشعر الأبيض
عندما يتخلف عن حلاقته لبضعة أيام، وهو يلبس الكوفية البيضاء والعقال
الأسود وغالبا ما يرمي على كتفه عباءة أو شالة شقراء اللون دلالة البطالة
وتدربا على الوجاهة الاجتماعية رغم أنه يتناوب اللباس العربي والإفرنجي
وحسب المواقف والمناسبات، أظنه من مواليد سنة النكبة الأولى ، أي عام أل48،
من المؤكد أنه من مواليد ذلك العام وربما أن قدومه للدنيا كان سببا لتلك
النكبة مثلما كانت تردد والدته الحاجة أميرة،،،
مسيرة حياة سعيفان غنية جدا بالحوادث والمواقف والعبر والطرائف، فقد تنقل
وعاش في عدة بلدان من بلدان بلاد الشام والخليج العربي بعد أن عاش سنوات
شبابه الأولى في فلسطين حتى احتلال الضفة الغربية عام ألف وتسعماية وسبع
وستين، كان قد قضى في الضفة الغربية تسعة عشر عاما عمل فيها عشرات الأعمال
التي كان أهمها رعاية الأغنام التي أتاحت له معرفة الكثير من قرى ووهاد
وجبال الضفة الغربية من جنين شمالا إلى أريحا جنوبا.
وعندما بلغ التاسعة عشرة سنة من عمره تقريبا تقدم للتسجيل ليكون جنديا
نظاميا في الجيش العربي، كان ذلك قبيل اشتعال حرب حزيران بشهرين، وفي
الثالث من حزيران/ يونيو من عام النكسة، أي قبل حرب عام أل 67 بيوم واحد
فقط كان قد أنهى فترة تدريبه التي تركزت على تمكنه من قيادة مركبات النقل
العسكرية الخفيفة ، وجرى تحويله إلى معسكر للجيش في جنوب بيت لحم دون أن
يعطى إجازة يستريح فيها لأن نُذر الحرب صارت بادية لكل صاحب عين وأذن ، في
اليوم التالي عندما كان يقف بالطابور ويستلم عهدته من ملابس وبسطار وبندقية
كان الهجوم الإسرائيلي قد بدأ بالطيران الذي راح يقصف معسكرات الجيش ومرابض
المدفعية وكان سعيفان حينها يقف في الطابور ويستلم عهدته في معسكر "عش
الغراب" شرقي مدينة بيت لحم ، وقد دكته الطائرات الإسرائيلية ببضع قذائف
راح ضحيتها عدد من الجنود البواسل وسَلمَ سعيفان والأغلبية فانتشروا على
غير هدى في الجبال الشرقية مع أن الحرب لم تكن مفاجأة لهم،،، فمنهم من اتخذ
طريقه بين الجبال وبحث عن قريته أو أهله ومنهم من هام على هواه ، أما
سعيفان فقد اتخذ الطريق إلى الشرق بصحبة بعض زملاءه الجنود وبعد أن فقدوا
أوصالهم بالقيادة فقد قرروا قطع النهر شرقا بعد أن أخفوا بنادقهم ودفنوها
في موقع قرب مقام النبي موسى شمال بلدة أريحا، وكان سعيفان يعرف تلك
المناطق كمعرفة كف يده بفضل رعاية الغنم والتسكع الحر، وفي أريحا تدبروا
أمرهم ولبسوا ملابس مدنية قبل أن يصلوا لحواجز الجيش الإسرائيلي ويقطعوا
النهر مثلهم مثل عشرات آلاف اللاجئين آنذاك، وهكذا أصبح سعيفان مواطنا في
شرقي الأردن بعد الحرب مباشرة ولم ينتهز الفرصة التي سنحت بالعودة بعد
الأسابيع الأولى للحرب ظناً منه أن الإسرائيليين استولوا على بعض سجلات
الجيش وأنهم لا بد أن يعاملوه معاملة أسرى الحرب إن وقع بين أيديهم والله
الأعلم ماذا سيكون مصيره بعد أن انتشرت بعض الأنباء عن مجازر قام بها
الإسرائيليون ضد أسرى الحرب من الجيش المصري في سيناء.
قلنا أن بمقدور سعيفان القراءة بصعوبة نوعا ما لأنه تعلم القراءة على كِبر،
ولذلك قصة سنسردها لاحقا، ولكنه كان يكتب بصعوبة لأنه لم يتعلم بالمدارس،
إذ إنه في اليوم الأول لدخوله المدرسة في العام 1958، كان سوء الحظ يسوق
لتلك القرية النائية مركبة نقل من نوع دودج تحمل سياحا غربيين وقد ساقهم
سوء الطالع إلى الشارع الذي يقف فيه سعيفان الذي خرج من ملعب المدرسة في
تلك اللحظة ليشرب ماءً حسب زعمه فوجد شلة من الأولاد غير المسجلين بالمدرسة
يلعبون ويتلهون ويتسكعون فاندمج معهم في اللحظة نفسها التي وصلت فيها سيارة
الدودج للموقع، وما أن شاهدهم الصبية حتى صاح أحدهم، يهود إنجليز،،، يهود
إنجليز،،، وإذ ذاك بدأ بقية الصبية برجمهم بوابل من الحجارة، وبطبيعة الحال
فإن الصبية كلهم في ذلك الوقت يجيدون التصويب بالحجارة مثلما يجيد صبية هذه
الأيام التصويب بألعاب الكمبيوتر، وعليه فقد نالت الحجارة من السياح
الغربيين وهددت حياته بالخطر وكانت النتيجة أن كسر زجاج المركبة وأصيبت
رؤوسهم وسال منها الدم وكسرت بعض كاميراتهم وسلمت كاميرا واحدة فقط كي
تحتفظ بصور ابن عمي سعيفان وحده دون غيره من الصبية وهو يرشق الحجارة بكل
بسالة نحو السيارة والسياح،،، ولما كان السياح وسائق المركبة قد رفعوا شكوى
للشرطة في مدينة الخليل المجاورة، فقد ساعدت الكاميرا في التعرف على سعيفان
بمعونة المخاتير فجرى جلبه إلى مخفر المدينة تحت السياط والركل والضرب كي
يعترف على أقرانه لكنه لم يفعل ، فجرى توقيفه وحبسه إلى أن تداعى أعمامه
وأخواله فجمعوا له ثمن الغرامات المفروضة عليه ودفعوها للسياح ولسائق
المركبة وللمحكمة التي حكمت عليه بالغرامات الباهضة نسبة إلى قدرة أمه
الأرملة وفقر معظم الناس في تلك الأيام وخصوصا أن مواسم الحصاد لم تبدأ
بعد، فموسم حصاد الحبوب على الأبواب، وموسم الفواكه والعنب ما يزال بعيد
المنال وموسم خضروات الصيف البعلية لا شأن لهم به، وكان لا بد لأمه الأرملة
أن تأخذ قرارها الطبيعي ، الحرمان من المدرسة لأنه " في أول غزواته كسر
عصاته"، وسيعوضها الله بولديها الآخرين الأصغر سناً بعد بضعة سنوات، وهكذا
سيصبح سعيفان فتى يتنقل بين التسكع ورعي زمرة صغيرة من الأغنام معظمها
للأقارب والجيران والخلان، ويكفيه بعد ذلك إن حصل على بعض الطعام دون أن
يُعفى في آخر اليوم من فرك الأذنين على ذنب اقترفه هنا أو قولٌ نقله لهم
رفيق فتان.
كبر صاحبنا وشب على الطوق وعمل أعمالا كثيرة لم يوفقه الله في أي منها إلى
أن قُبل عسكريا في الجيش العربي، فكان ذلك فال شؤم على الجيش حيث راح
المحللون يتفننون في التحليلات العسكرية والسياسية دون أن يعرفوا عن سعيفان
وسوء الطالع الذي يرافقه في كل شيء مما أفقد تحليلاتهم أية مصداقية بالنسبة
لأولئك الذين يعرفون سعيفان ومصادقته لسوء الطالع، بل إن بعض أقاربه
يعتقدون أن سوء الطالع نفسه تجسد في شكل شاب أسمه حمدان، ولا بد أن هذا
الكائن سيظل في نمو دائم بما سيجلب كوارث أكبر على المنطقة وعلى أي مكان
يقيم فيه سعيفان أو يهتم به أو يبدي نحوه العطف والحب.
وعقب نزوحه مع اللاجئين والنازحين نحو الشرق إلى عمان جراء الحرب والعدوان
كما أسلفنا، فقد كان حريصا على طمأنة والدته التي أضناها غياب ابنها الأكبر
الذي تعول عليه ليكون عمود البيت ورأسه وذراعه وعقله المفكر، ولذلك فقد
سارع لتسجيل صوته من خلال البرنامج الإذاعي (وسلامي لكم يا أهل الأرض
المحتلة) الذي كان يذاع من إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية من عمان،
وسمعته الحاجة أميرة بأذنيها لأنها كانت دائمة التسمع إلى الإذاعات وخصوصا
إذاعة عمَان كي تترصد صوت ابنها ، ثم إذاعة ألبي بي سي التي كان الناس
يسمونها إذاعة لندن، لأنها كانت تقدم وجبات أخبار لا تجرؤ الإذاعات العربية
على تقديمها لأنها إذاعات حكومية وتتعمد التضليل والتزييف والتكتم، ولما
سمعت الحاجة أميرة صوت ابنها الحبيب سعيفان وتأكدت بطبلة أذنيها من صوته
الرفيع الحازم، فقد أزمعت على أمر وحزمت أمرها كي تشرق في بكرة الغد إلى
عمان لتطمئن بنفسها، وهكذا فقد سابقت غدفة الفجر وحملت صرة من الملابس وضعت
فيها بعض ملابسه وبعض الزبيب والقطين واللوبيا وقشور البندورة المجففة
وراحت تسير ساعة ونصف بمفردها إلى أن وصلت المدينة ساعة بزوغ الشمس ، وكم
كانت تتشوق لركوب الباص الذي سيقلها إلى أريحا ومن ثم إلى الجسر الذي ستمر
فوقه إلى عمان، صعدت الحاجة أميرة بقدمها اليسرى درجة الباص الكبير وأرادت
أن تنهض بجسمها مع الصرة في يدها اليمنى إلا أنها تعثرت فالتوت قدمها
فعلقتْ بين درجات سلم الباص وصار جسدها على الأرض بينما قدمها معلقة في
الباص إلى أن هب إليها السائق وبعض المسافرين وخلصوها من هذه العلقة وتبين
لهم أنها أصيبت إصابة بالغة وأنها لا تقوى على الوقوف فجرى نقلها على الفور
إلى مستشفى الأميرة عالية الحكومي القريب من مواقف الباصات، وما هي إلا
أيام معدودة حتى قرر الأطباء بتر قدمها اليسرى خوفا من مرض الغرغرينة ، ويا
سبحان الله، فقد عادت الحاجة أميرة إلى منزلها محمولة على الأيدي بعد أن
قطعت مسافة كبيرة على قدميها حتى دون أن تتناول أي طعام أو شراب في بلعومها
آنذاك، وصارت الآن طريحة الفراش تلوك حسرتها ومرارة فشلها وفقدانها لقدمها
التي لا بد أن تعيد رسم مصير أفراد العائلة كلهم من الآن فصاعدا.
بعد بضعة شهور تناسى الناس الحادثة وتأقلموا لوضع المرأة الجديد وهي تنتقل
بين المنازل أو إلى كرومها القريبة وهي تتكئ على عكاز خشبي صنع لها من شجرة
بلوط قريبة، ورويدا رويدا صار أسم الحجة أميرة أسما من ثلاثة مقاطع، الحاجة
أميرة العرجاء حتى بدون لفظ الهمزة، وكثيرا ما لا يتقيد البعض بالمقطع
الثلاثي هذا ليقتصروا على مقطعين فقط ، بعضهم حرص على الاسم الأول من
مقطعين ، وبعضهم جعله أميرة العرجا مجردا من لقب الحاجة لأنهم يعرفون أن
لقب الحاجة هذا لم يكن رسميا ولا أصيلا لأنها لم يسبق وأن قامت بالحج إلى
الديار الحجازية، بل إن البعض رغب في مناداتها بالحاجة احتراما لسنها الذي
ناهز الخمسين عاما آنذاك، أما البعض الذي كان يحاول تحري الدقة وعدم الوقوع
في الحرام والإحراج فقد كان يدعوها باسم ولدها البكر أم سعيفان، وهي نفسها
غالبا ما كانت تستخدم هذا الاسم وتفضله على غيره. والأهم أن أم سعيفان أيست
من السفر إلى عمان بعد ذلك ليس بسبب فقدانها لقدمها، بل بسبب أن البعض من
المتنورين اكتشف أنها لا تملك بطاقة هوية (أحوال مدنية) بعد أن جاءوا
للاطمئنان على سلامتها ومعرفتهم بحيثيات سفرها المشئوم هذا الذي لم يكن له
داع من أصله ما دامت لا تملك بطاقة الهوية تلك التي يجب أن تصدر من عند
الإسرائيليين بعد مراجعة دوائرهم التي أنشأوها لأغراض الحكم والإدارة للشعب
المحتل.
أما سعيفان الذي كان هائما على وجهه في عمان، فقد علم بحادث إصابة والدته
بعد بضعة شهور لأن حركة المسافرين كانت محدودة بين الضفتين في بداية
الاحتلال، إلى أن علم ذات يوم بمقدم أحد مواطني بلدته إلى عمان فبحث عنه
ووجده وأعلمه بالخبر فتأسف سعيفان وهو يقول ساخطاً، لعن الله الاحتلال !!،
لعن الله الاستعمار ولعن الله الزعماء !!، وكم رغب بأن يرسل لوالدته ببعض
النقود لكنه أسف في نفسه لأنه لم يكن يملك حتى ذلك الحين أكثر من عشاء يومه
وثمن علبة سجائره لأنه لم يوفق بعد في العمل لأن فرص العمل أقل بكثير من أن
تستوعب هذه الطلبات المتزايدة من النازحين واللاجئين خلاف المواطنين
الأصليين، ولكنه لم يفاجأ ولم يرفض حينما مد الزائر يده إلى جيبه وقال له
وهو يسلمه عشرين دينارا أردينا قطعة واحدة أن الحجة تسلم عليك وترسل لك هذا
المبلغ لتساعدك في غُربتك.
ثم إن سعيفان لم يعد للجيش ظنا منه أنه لم يدخل في السجلات وأن الفوضى التي
دبت عقب الحرب لن تجعلهم يفطنون له، وهو يعتقد أن الدفاتر التي سجلوا فيها
أسمه بقيت في المعسكر الذي ضُربَ ، وعليه فأغلب الظن أنها احترقت ولا أثر
لاسمه ولذلك فهو مطمئن أن لا مسؤولية تقع على كاهله، لذلك فهو لم يراجع
الجهات المسئولة في المواعيد حسب ما تكرر من إعلان في وسائل الإعلام، وبناء
على تلك التقديرات التي لم تكن لتشغل باله كثيرا بسبب حالة الفوضى العارمة
في المجتمع والدولة، فقد عمل سعيفان في الكثير من الأعمال كان أولها وربما
أهمها أنه تعرف على أقارب له من المواطنين القدامى في مدينة عمان، وهؤلاء
يملكون محلات كبيرة لصناعة الحلويات، وأنهم رحبوا به كثيرا لأجل مساعدته،
فطلبوا منه أن يعمل على جلي الآنية وتنظيف البلاط وما شابه من أعمال
وخدمات، لكنه نفر من ذلك بل غضب غضبا شديداً مدعيا أنه شرفه العسكري لا
يسمح له بمزاولة أعمال وضيعة وزاعما أن أهله وعشيرته لو علموا بأنه سيعمل
مثل هذه الأعمال التي تقوم بها النساء والخدم لتبرءوا منه في الصحف كما
قال، وعندما قيل له فماذا ستعمل إن كنت لا تعرف شيئا عن طبخ الحلويات ولا
تريد أن تقوم بأعمال النظافة؟!، قال، لماذا لا أعمل على الحسابات المالية،
فأجابوه كيف ذلك وأنت لا تعرف القراءة والكتابة والحساب؟!! فقال، ولماذا
القراءة والحساب والأمر ينحصر في أن أقوم بقبض أموال المبيعات ودفع النفقات
والأجور!!؟؟، فلماذا القراءة والكتابة؟!!، وبصعوبة بالغة أفهموه أن
الحسابات تحتاج إلى قيود وحسابات رسمية وغير ذلك، ومن هنا وُلد إصراره على
تعلم القراءة والكتابة بأي شكل وبأي ثمن بعد هدره لتلك الفرصة في أول وآخر
يوم دخل فيه المدرسة قبل عشرة أعوام تقريبا.
وقيل أنه بعد أن غادر محل الحلويات شامخا برأسه غير آسف، وجد فرصة عمل في
الأسبوع التالي مع أحد أكبر التجار كحارس لمخزن للبضائع، وفي اليوم الأول
لعمله وبينما كان سعيفان يجلس أمام المخزن على كرسي يدخن سيجارته ويشرب من
كأس كبيرة شايا دامغ اللون، وكان ذلك في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر حيث موسم
الشتاء والعواصف، جاء صاحب المخزن في ذلك الصباح ليطمئن على مخزنه وعلى
موظفه الجديد، ولفرط شهامته فقد فز سعيفان بالطبع وراح يرحب بالرجل ويصر
على تقريب السيارة من جدار المخزن كي يحميها من الأمطار التي ينبأ بها هزيم
الرعود المتواصل هذا الصباح الكريم الجميل، وهكذا صعد سعيفان في السيارة
وبحرفية عالية قاد السيارة بتمهل وبحذر بجانب المدخل تماما بما يحميها من
الأمطار القادمة، ثم راح يصب الشاي الدامغ اللون لمعلمه ثم راح يمطره بوابل
من الأسئلة كأنه ضيف جاء منزله، وراح يكرر عبارات الترحاب ويسأل عن صحته
وصحة أطفاله وزوجته وكل أهله فيما صاحب العمل يهز رأسه ولا يعرف لماذا
يغمره شعور بالانقباض، وأثناء ذلك، سبحان الله، يقع ما لم يكن في الحسبان،
فقد ضربت صاعقة كهرباء رعدية نافذة المخزن فاشتعلت النيران به بكل قوة مع
حدوث انفجار ضخم ذكره بقنابل الإسرائيليين في معسكر "عش الغراب" في اليوم
الأول من حرب حزيران، ودون أن يعلم ما الذي جرى تماما، فقد وجد نفسه وصاحب
المحل يهربان بعيدا فيما كانت النار تلتهم المخزن بما فيه وتصل ألسنة اللهب
إلى السيارة فتأتي عليها في بضعة دقائق أيضا رغم سقوط الأمطار في حينه إلا
أنها كانت محمية بجدار المخزن الذي صار ينفث اللهب نفثا لأن الأقمشة في
النار أكثر اشتعالا من البارود نفسه.
المهم في الأمر أن سعيفان لم يصب بأذى لأنه كان ما يزال شابا ممشوق الجسم
رشيق الخطوات ماهر في الهرب كمهارته في شرب الشاي وتدخين السجائر، أما
الرجل المنكوب صاحب المخزن الذي يحتوي أقمشة بعشرات آلاف الدنانير فقد أصيب
بنوبة قلبية حادة وجرى نقله إلى مستشفى الطلياني في وسط عمان ولم يعد
سعيفان يعلم عنه شيئا لأنه لم يبق له أي مبرر للعودة إلى مخزن محترق على
آخره مثلما كان يقول للناس ورجل ينجلط بسبب مخزن أقمشة ولا ينجلط لضياع
بلاد بما فيها من كنوز وبشر وحجر وحصاد لم يحصد، حسب قول سعيفان عندما يلح
بعضهم بالسؤال عن مصير مُشغله المنكوب.
مغامرات سعيفان
بعد حرب حزيران
الجزء
(2)
عزام أبو الحمــام*
وكان سعيفان يقضي سحابة نهاره قرب عريش للبطيخ لبعض أبناء قريته أقاموها
وسط مدينة عمان مقابل الآثار الرومانية المسماة سبيل الحوريات، وكان
يساعدهم في البيع وفي تنزيل البضاعة حين وصولها وكان لا يتواني عن مساعدة
بعض المحتاجين ، وكانوا يأتمنونه على المال في حال غيابهم أو ذهابهم
للصلاة، ومن ذلك كان سعيفان يعتاش ويتدبر أمره ، ولكنه كان يحرص أن يمضي
الهزيع الأول من الليل في مقهى قريب يدعى "مقهى خبيني" يقع أسفل الشارع
وللدخول فيه يتحتم نزول سبع درجات من فوق الرصيف لتجد نفسك في ما يشبه عتمة
مغارة علاء الدين، كان يشرب كأسا كبيرا من الشاي فيما يدخن أثناء ذلك حوالي
ثلاث سجائر من ماركة "كمال" الرخيصة الثمن، ثم ما يبرح أن يتسلل بعد آذان
العشاء ويصعد مرتقيات جبل القلعة الذي يعتلي وسط المدينة وهو يبدو كجدار
ضخم آيل للسقوط في كل لحظة لأنه يتألف من تربة رخوة تجمعت في حواف القلعة
الأثرية، وجاء بعض اللاجئين الذين قدموا للمدينة عام 1948 فبنوا هناك حجرات
من الطوب والزينكو واتخذوها مساكن لهم، ثم ما لبثوا أن تركوها لأنهم حصلوا
على وحدات سكنية أفضل في مواقع المخيمات التي مولتها وكالة غوث وتشغيل
اللاجئين، ونتيجة لموجة النازحين الجدد فقد تنبه أصحاب تلك السقائف وراحوا
يصلحون وضعها ليأجروها لبعض النازحين بخمسة دنانير في الشهر أو أقل أو أكثر
أحيانا، وهناك كان سعيفان قد استأجر سقيفته بثلاثة دنانير فقط ، وهي عبارة
عن حجرة كبيرة من الطوب مسقوفة بألواح الزينكو المعدنية ولها باب مصنع
يدويا من الخشب المعطوب ويمكن إغلاقه بقفل نحاسي وجنزير كبير كجنازير
المعتقلات، وكان على بعد أمتار منها ما يقوم مقام دورة المياه وهي عبارة عن
ما يشبه الحمْام ، وكان سعيفان يسميه بيت الخلاء فيما يسميه الآخرون بيت
الخارج، وكان سعيفان يفرغ حمولته في بيت الخارج قبل أن يلج السقيفة فيرمي
بجسده الرفيع على سرير حديدي متهالك بعد أن يشرب ما شاء من الجرة الفخارية
التي جعلها قرب رأس السرير، وكان يحاول أن يتأخر قدر الإمكان في المقهى كي
يقلل ما أمكن من شعور العزلة الذي يعيشه في الحجرة بمفرده، وأحيانا ما كان
يعرج على بيت بعض أقارب له في جبل الجوفة كانوا قد نزحوا مع النازحين فيمضي
عندهم ساعتين وثلاثاً قبل أن ينطلق إلى غرفته في جبل القلعة وقد نالت منه
مكابدة النهار وسهر الليل فيتجه نحو سريره ويتدثر باللحاف الكبير القذر بعد
أن يضع تحته بطانية صوفية جديدة ذات لون زيتوني كان قد استلمها من وكالة
غوث اللاجئين.
دخل شهر رمضان من عام النكسة في أوائل شهر آب/ أغسطس وكان الصيام صعبا جدا
لأن حرارة الصيف كانت لا تحتمل قي هذا الشهر وخصوصا في جوف المدينة، لكن
سعيفان كان يستعين على ذلك بالاحتماء في فيء العريشة وكان كثيرا ما ينام
على القش في طرف الخيمة، وقد ألزم سعيفان نفسه بعدم الذهاب إلى مقهى خبيني
لأن المقهى لا يلتزم بحرمة الشهر الفضيل وقد غدا مجمعا لكل المنتهكين لحرمة
الصيام وبعض أصحاب السوابق والفارين من وجه العدالة، وأمضى سعيفان الشهر
دون أن يفطر يوما واحدا ، وظل يتفتل ويتسكع ما بين عريشة البطيخ وسوق السكر
الذي لا يبعد سوى عشرات الأمتار ماراً من جانب المقهى دون أن يفكر حتى مجرد
النظر في مدخله المعتم.
وفي اليوم الأخير من شهر رمضان، صادف أن جاء أحد الصبية ذات مساء وطلب من
سعيفان أن يساعده في حمل عدد من حبات البطيخ لصاحب المقهى الحاج زكي، فوافق
سعيفان بحماسة كعادته في خدمة الآخرين، دخل سعيفان والصبي المقهى يحمل كل
منهما حبتي بطيخ كبيرتين وسلماهما للحاج زكي وانعطف سعيفان صاعدا درج
المقهى وإذا بمجموعة من رجال الشرطة تطوق المقهى وتباشر اعتقال نزلاءه
بتهمة انتهاك حرمة شهر الصيام، وهكذا فقد وقع سعيفان في أيدي الشرطة إذ نقل
مع سبعة آخرين إلى مركز الاحتجاز، ولم تنفعه كل توسلاته ولا أيمانه الغليظة
التي كان يقسم فيها أنه صائم وأنه جاء فقط لتوصيل البطيخ، لكن بعض أفراد
الشرطة كانوا يضربونهُ ويزجرونه ويوبخونه على هذا السلوك، بل إن أحدهم قال
له محذرا:
- يكفي أنك اعتديت على حرمة رمضان، فلا تعتدي على حرمة اليمين يا فاسق.
- هل أنا الفاسق..؟؟ سعيفان فاسق ؟؟ سعيفان فاسق لأنه يقوم بعمله، والله
سيكون لي معكم شأن عندما أخرج أو عندما سيعرف أقاربي عن عملتكم هذه.
ولحسن حظ سعيفان، فقد أعلنت المساجد عن أن الغد هو أول يوم من أيام عيد
الفطر، وتبين أن أصدقاء كثر للحاج زكي قد تدخلوا للإفراج عنه لدى سلطات
عليا، لكنه رفض الخروج حتى يفرج عن كل الموقوفين، وقد نجحت الوساطات مع
الشرطة وجرى الإفراج عن الموقوفين لكن في ساعة متأخرة من الليل جراء
الإجراءات البيروقراطية.
كانت لحادثة التوقيف والتوبيخ التي تعرض لها سعيفان أثرا عميقا في نفسه،
وكان يشعر بالحرج والمهانة عند مواجهة معارفه لأنهم سيعتبرونه فاسقاً ولم
يلتزم بحرمة الصيام. ولذلك فقد قرر أمرا سينفذه بعد مضي اليوم الأول من عيد
الفطر. وبالفعل فقد مضى يوم العيد عاديا وقضى سعيفان سحابة يوم العيد في
أطراف عريشة البطيخ بعد أن زار عدد قليل من منازل بعض الأقارب.
وفي اليوم الثاني للعيد، توجه سعيفان إلى سيارات الغور وركب باص الشونة
الجنوبية ووصلها عصرا، وهناك توجه إلى بيت أحد معارفه وسهرا معا ومنه عرف
سعيفان خارطة المنطقة. وأظهر سعيفان رغبة حقيقة في العمل في منطقة الغور
ليعمل في الزراعة، لأنها الأقرب إلى خبرته وفطرته، وهناك لن يتسنى لأحد
النيل من كرامته لأن معظم أهله عاشوا من وراء العمل الزراعي، وستكون فرصة
لتلافي أي خسائر وكوارث مثلما يجري في أعمال المدن، وفوق ذلك فهو لن يكون
مطالبا بالقراءة والكتابة التي لا يعرف منها شيئا حتى هذا الوقت.
ومع بزوغ الشمس ، ومن الشونة كان عليه أن يتدبر أمره مع أي مركبة زراعية
تتجه شمالا عبر خط الغور الرئيسي، وبالفعل فقد يسر الله له جراراً زراعيا
فركب إلى جانب السائق غير أبه بلفح الهواء الصباحي البارد ، ووصل سعيفان
المنطقة وسار حسب العنوان وظل يسأل عن مزرعة أبا سليمان إلى أن دخل المزرعة
فتلقاه صاحبها بالترحاب وهو يقول في نفسه هذا شاب فلاح ابن فلاح لا بد أن
يكون فاعلا في رعاية المزرعة وفي قطف الثمار ، تقدم سعيفان وسلم على الرجل
وشربا معا الشاي وحصلت المبايعة دون بحث في التفاصيل أو في الأجرة وأبدى
سعيفان أمام صاحب المزرعة مرونة وفطنة كبيرة وهو يبدي ملاحظات مهمة لتحسين
المزرعة ، وكان سعيفان في ذلك يقلد ما كان يسمعه من رجال قريته دون أن
يخبره بنفسه، وكان آخر ما قاله سعيفان وهو يحاول حمل السلم إن حراثة الأرض
هي الخدمة الحقيقية للأرض يا عمي أبا سليمان،،
ثم أنه انطلق يحمل السلم ليصعد به فوق شجرة للبرتقال ولما أصبح في رأس
السلم وقبل أن يمد يده ليقطف أول برتقالة مال فيه السلم وفقد توازنه إلى أن
سقط وما عليه فوق رأس صاحب المزرعة الذي أصيب إصابات مباشرة جعلت العمال
الآخرين يحملونه على الفور إلى أقرب مركز صحي في مخيم الكرامة القريب، فيما
بقي سعيفان مع عامل آخر يضرب كفا فوف كف ويتأسف لهذا الحادث العارض ويجهر
لله بالدعاء لسلامة الرجل. ولكنه كان في نفسه يقول أن أحدهم أصابه بعين
الحسد لما شاهده يرتقي السلم الطويل بهمة عالية، فأصابته وحبست رزقه في هذه
المزرعة.
ولما فكر سعيفان في أمر الحادث وتدبر، فقد آثر الهرب قبل أن يعود القوم
فيجد ما لا تحمد عقباه وما لا تحتمله قدماه ويداه، ومن وقته قرر الرحيل
وارتضى لنفسه بحبة برتقال التقطها من على الأرض نافلة تحاشيا للحرام، وتسلل
خلسة من المزرعة وسار شمالا ليجرب حظه في مزرعة أخرى بعيدة ، وكان إذ ذاك
قد أمضى بضع ساعات بين الهرولة والعدو والاستراحات.
وظل كذلك إلى أن وصل مزرعة فيها قوم يعملون فقرر عرض نفسه عليهم بعد أن
راقت له المنطقة.
كانت الشمس قد قاربت وسط السماء بقليل عندما أزمع سعيفان الولوج إلى هذه
المزرعة التي راقت له، فدخل بوابتها الرئيسية وهو يتمتم سور المعوذات من
سور القرآن الكريم درءاً لحسد الحاسدين وشؤم المشئومين، وبالفعل فقد تيسر
الأمر ودخل سعيفان المزرعة مناديا بصوت عال:
- دستور دستور،دستور يا ناس.
استقبله بعض العمال وقادوه إلى صاحب المزرعة، وهناك عرض نفسه وأعرب عن
رغبته بالعمل معلنا أنه لا يسأل عن الأجرة إلا بعد أن يشاهد الرجل عمله
وأنه لا يمانع أن يتأخر في دفع الأجار إلى ما بعد بيع الحمضيات ، فراق
كلامه لصاحب المزرعة ولم يخيب ظنه فطلب منه مباشرة العمل، إلا أن سعيفان
جلس طالبا شرب كأس من الشاي أولا وتدخين سيجارتين لأنه خلال العمل لن يدخن
إلا قليلا، فكان له ما أراد وأكثر إذا أحضِرَ له فطورا من الجبنة البيضاء
والخبز مع الشاي فلم يبقِ منها سعيفان شيئا لأنه لم يكن قد تناول منذ
الصباح غير حبة برتقال ذابلة من مزرعة أبي سليمان، وبعد إجهازه على إبريق
الشاي والجبنة والخبز قام سعيفان على قدميه وتوجه إلى ساق الشجرة وأمتطاه
تلافيا لاستخدام السلم الذي يذكره بالحادثة الرهيبة قبل ساعات، ثم طفق
يلتقط حبات البرتقال بكل همة ونشاط بينما كان يتمتم في سره سورة قل أعوذ
برب الفلق دون أن يعرف معناها تماما، وبدأت الأمور طبيعية وسار ذلك اليوم
بكل هدوء حتى نهاية النهار حيث طلب صاحب المزرعة من سعيفان المبيت في
المزرعة مع العامل الآخر من أبناء المنطقة ليساعده على الحراسة ، وبالطبع
فمن المستحيل العودة إلى عمان من تلك المنطقة في ساعات المساء، وكان هذا ما
تمناه سعيفان، وهكذا كان.
في صباح اليوم التالي باشر سعيفان العمل قبل مجيء صاحب المزرعة، وراح يقطف
الثمار ويعبئ الصناديق الخشبية واحدا بعد الآخر بكل همة ونشاط، وفي ساعات
الظهر جاء بعض سكان المنطقة وأعلموهم أن الحاج عودة لن يأتي للمزرعة لمدة
ثلاثة أيام وعليهم تدبر الأمر لأن والده المسن قد انتقل إلى رحمة الله
تعالى ظهر يوم أمس أي في الساعة التي كان فيها سعيفان يبدأ العمل، وكان
صاحب المزرعة لا يعلم بالخبر إلى أن عاد مساء إلى منزله في مدينة السلط
التي تقع على بعد خمسين كيلومترا من المزرعة.
عاد الحاج عودة في صباح اليوم الرابع لغيابه وتقدم سعيفان مع العمال
الآخرين وقبلوا وجنتيه معزينه بوفاة والده، وهنا أظهر سعيفان فطنة وشهامة
لم يعهدها الحاج عودة من العمال الآخرين إذ راح يطلب من الحاج عودة تمكينه
من القيام بواجب تحضير غداء المتوفى حسب العادات المتبعة، وكان الحاج عودة
يصده بعواهن الكلام دون أن يلتفت في وجهه، إلا أن سعيفان كان يصعد من لهجته
وطلبه بكل جدية دون أن يؤثر ذلك كثيرا في الرجل، وراح سعيفان يبرر ويسوغ
دعوته تلك بأنه لا يعرف البيت باعتباره عاملا حديثا وأنه يعرف أن مثل هذه
الدعوة لا تقال إلا فوق فراش البيت وليس في المزرعة، إلا أننا في وضع مختلف
الآن، وهنا بدأ الحاج عودة يصده بلطف أكثر بعد أن سمع منه هذا التسويغ الذي
ينم عن طيب أصل وخبرة في الحياة، فتشجع سعيفان أكثر وراح يحلف بالطلاق أنه
سيقوم بتجهيز الغداء هذا اليوم له ولأهله في المزرعة وأنه سيتوجه حالا إلى
السوق لشراء ذبيحة لذلك الغرض، وكان سعيفان بذلك لا يناور بل إنه نسي نفسه
ونسي أنه لا يملك ثمن خبز فقط لأي دعوة من هذا النوع، فما بالك بالذبيحة
ومستلزماتها من الأرز وخلافه. وأخيرا تمكن الحاج عودة من التملص بلباقة من
الأمر بعد أن وعد سعيفان خيرا في المستقبل.
انتهى يوم عمل آخر في المزرعة وصار لزاما على الحاج عودة التصرف بالمحصول
فجلب شاحنة كبيرة وقام سعيفان والعمال الآخرون بتحميلها بعشرات الصناديق من
الحمضيات كي تباع في عمان.
في اليوم التالي عاد الحاج عودة يضرب كفا فوق كف وهو يقول لقد ضُرِبْنا
وخرب بَيتُنا، سوق الخضار والفواكه يَمرُ في حالة كساد لم يسبق لها مثيل،
وصار سعيفان هو الآخر يضرب كفا فوق كف وهو يقول:
- الاحتلال هو السبب، لعن الله الاستعمار ولعن الله الاحتلال والزعماء
الخونة، لقد ضرب موسم الحمضيات بسبب هذه النكسة يا حاج، أليس كذلك يا عم .
نعم صحيح فإن التصدير توقف والناس لا تملك أثمان الخبز فكيف لها بالحمضيات
لا حول ولا قوة إلا بالله، إنها المرة الأولى التي توجب علي الدفع من جيبي
الخاص للشاحنة لأن ثمن الحمضيات لم يفي حتى لذلك، ما الذي حدث في الدنيا يا
ناس ، ما الذي يجري يا عالم .
مغامرات سعيفان بعد حرب حزيران
ج 3
عزام أبو الحمــام
أمضى سعيفان في مزرعة الحاج عودة حتى الآن خمسة شهور تقريبا حيث انتهى موسم
قطف الثمار ، لكن سعيفان توافق مع الحاج عودة على العمل المستمر في المزرعة
لرعايتها وتقليم أشجارها وحراثتها ، ولحسن حظ سعيفان فقد كان جزء من
المزرعة خاليا من الأشجار وكان بوسعه استغلاله وزراعته بالمحاصيل الشتوية
وريها من مياه "قناة الغور الشرقية" التي لا تبعد كثيرا عن المزرعة.
وجد سعيفان في عمل المزرعة متنفسا أعاد له الروح ، وبدت صحته أحسن حالا من
ذي قبل ، وبدأ يفكر كأنه سيستقر وقتا طويلا هناك، فأقتني لنفسه كلبا فتياً
أصفر اللون أطلق عليه أسم "فرهود" كان قد جلبه له الحاج عودة ، وراح يدربه
يوما بعد يوم ويخصه بوجبة من الشحوم وسقط اللحوم التي كان يشتريها بعشرة
قروش من محل الجزارة في شارع مخيم الكرامة، فنجح بذلك في كسب ود الكلب خلال
أسبوع واحد فقط.
أثناء ذلك نجح سعيفان بإطلاق شاربه الذي يبدو كستنائي اللون ضاربا إلى
الشقرة، وصار معتادا أن يبرم طرفي شاربيه بسبابته وإبهامه ويدببهما ثم
يدفعهما للأعلى بإبهامه فقط ليبدوا كرأس منجل ضعيف الاستدارة.
بدأت بعض أمنياته التي ذوت منذ حوالي العام بالانتعاش، فقد أصبح رجلا عاملا
منتجا، وها هو الحاج عودة يدخر له أكثر من مائة دينار لقاء عمله لمدة خمسة
شهور حتى الآن. ثم إن آماله بتحرير البلاد المحتلة بدأت ترفع رأسها كبراعم
تشق تربة قاسية، فمن خلال تواجده في المزرعة تمكن من مواكبة بعض أنشطة رجال
المقاومة الفلسطينية التي راحت تنشط من تلك المنطقة فلا يمر أسبوع تقريبا
إلا وتشهد المنطقة تسلل مجموعة فدائية إلى الأراضي الفلسطينية عبر هذه
المزارع ، وكان نهر الأردن لا يبعد عن المزرعة سوى عشرات الأمتار، وصار
سعيفان والناس الآخرين يعرفون عن أمر المجموعات العسكرية من خلال وسائل
كثيرة ، فمرة يشاهدون رجال المجموعات تتسلل ليلا عبر مزارعهم وتطالبهم
بتوخي الصمت والحذر، ومرة أخرى من خلال أصوات الرصاص التي كانت تندلع عندما
يجري اكتشاف أمر المجموعة من قبل قوات الاحتلال على الحدود غربي النهر، أو
من خلال قنابل الإضاءة الإسرائيلية التي كانوا يشاهدونها في السماء غربي
النهر مما يعني اقتفاء آثر واحدة من تلك المجموعات.
بدا سعيفان أكثر تفاؤلا وأشد حماسة وهو يسمع عن أخبار تقاطر المزيد من
المتطوعين العرب للمنطقة ليصبحوا مقاتلين لأجل فلسطين، لكن أمراً بسيطا نغص
حياة سعيفان في تلك الفترة، فقد خرج الكلب "فرهود" يوما نحو الغرب وهو ينبح
نباحا متصلا ، وبدا أنه يتابع أمرا ما، لكنه سرعان ما توقف فجأة عن النباح
بعد أن سمع دوي عيارين ناريين فتحول نباحه إلى عويل وجوح متصل متواتر بدأ
يقترب رويدا رويدا من الكوخ الذي ينام فيه سعيفان في طرف المزرعة الشرقي
إلى أن انقطع تماماً، لم يكن أمام سعيفان إلا أن يتفحص بمصباحه الذي يعمل
على البطارية محيط الكوخ فقط بينما إطلاق العيارات النارية على أطراف النهر
ظل متواصلا مما يدلل على وقوع اشتباك عنيف، في الصباح تبين أن الكلب
"فرهود" كان مغاليا في فضوله وهو يتتبع مجموعة عسكرية تحاول الاقتراب من
نهر الأردن فلم يكن أمامهم غير ضربه بطلقي مسدس عاد بعدها إلى طرف المزرعة
ليلفظ أنفاسه الأخيرة فيها.
حزن سعيفان على الكلب حزنا شديدا وقام بدفنه في حفرة قصية في طرف المزرعة
،ولكنه سرعان ما تناسى أمره لأن أمرا أكثر أهمية صار يشغل خاطره، كان
سعيفان قد تعرف إلى بنت الجزار الذي كان يبتاع منه أحيانا ما يفي بأغراضه
المتواضعة وأغراض كلبه الفقيد. بعد تفكير وتخطيط وتدبير قرر سعيفان مفاتحة
الحاج عودة لطلب يد الفتاة فلم يجد من الحاج عودة إلا الاستجابة. ولأجل
تعزيز موقفه أمام أنسباءه فقد استأجر شقة صغيرة من شقق المخيم المتواضعة
ودفع لصاحبها خمسة دنانير أجرة شهر مقدماً كي يباشر في تجهيزها على مهله
حتى حلول الصيف حيث سينتقل هناك ليتزوج من شريكة حياته.
في الرابع عشر من شهر شباط من العام 1968 استجاب الحاج عودة لطلب سعيفان
وتوجه لوالد الفتاة يطلب يدها، وقد اتفق على أن تجري مراسم الفاتحة بعد
أسبوع ريثما يجري تجهيز لوازم ذلك، وكان يوم الخطوبة المضروب هو مساء يوم
الخميس الموافق 21 آذار/ مارس ، ولذلك الغرض سافر سعيفان قبل الموعد بيومين
إلى مدينة عمان لشراء بعض الحلويات ولدعوة بعض أقاربه وأصدقاءه هناك على
أمل أن يصطحبهم في صباح يوم الخطوبة وقد لبس أبهى ما يمكن من ملابس
سيشتريها من عمان.
في عمان ، أتم سعيفان شراء متطلبات يوم خطوبته التي هي عبارة عن قميص أزرق
فاتح اللون يعلو كتفيه لسانين من القماش مثبتان بأزرار لا يعرف وظيفتهما
وجيبين كبيرين على الصدر بأغطية أيضا سيستخدم واحد منهما لعلبة السجائر
والآخر سيظل احتياطاً لأي طارئ، ثم اشترى بنطال سكني اللون بأربعة جيوب
أيضا وحذاءً جلديا بنيا وبعض الحلويات ، ولخطيبته اشترى سعيفان شالاً طويلا
بنفسجي اللون وثوب أسود مزين بالحرير المطرز واشترى أيضا ثلاثة علب من
الملبس الملون بالأبيض والزهري ومعها عدد من قطع الصابون النابلسي والصابون
المعطر، وجعلها جميعا في حقيبة كبيرة تشبه الحقائب العسكرية بلونها الزيتي
الداكن، نام سعيفان ليلته الثانية في عمان في منزل بعض أقاربه ونهض في ذلك
الصباح باكرا يغمره الحماس والأمنيات تداعب خياله بيوم مزهر يغمره الفرح
وتزينه الزغاريد والحلويات، كيف لا وهو على وشك أن يحصل على الاعتراف
الاجتماعي بأنه رجل أهل للمسؤولية وأهل لبناء أسرة مثله مثل أي رجل في
الدنيا وسيكون له منزل من حجرتين ومطبخ وحمام في داخلها، كان مخطط سعيفان
لهذا اليوم ينحصر في الاتفاق مع سائق سيارة لاصطحاب المدعوين إلى منطقة
الكرامة، أتم سعيفان غسيل وجهه ويديه وجلس مع الجالسين وبدأ يشرب الشاي
معهم عندما بدأت إذاعة عمان تذيع بلاغات عسكرية عن هجوم إسرائيلي منذ فجر
هذا اليوم استهدف منطقة الغور وفي القلب منها منطقة الكرامة التي كانت
مركزا لقواعد الفدائيين التي تكونت على مدى عام سابق تقريبا وباتت تقض
مضاجع الإسرائيليين وتلحق بهم أفدح الخسائر.
لقد أسقط في يد سعيفان وغمره إحساس بالتمزق في هذه اللحظات، فلا هو هناك
لينال شرف المشاركة في مقاومة المعتدين ولا هو يعرف كيف ستؤول الأمور بخصوص
خطوبته. لكن شعوره بضرورة العودة هناك أزاح من مخيلته كل الصور الأخرى.
لذلك فقد عدل عن خططه السابقة وترك حقيبته وما فيها مكانها وتوقف عن رسم
الأمنيات في مخيلته ، وقصد موقف السيارات محاولا العودة إلى منطقة الغور،
ومن هناك ركب باص مدينة السلط ووصلها الساعة الثامنة فوجد وسط المدينة يغص
بحركة مرتبكة وفوضى كبيرة وشاهد سيارات الإسعاف وسيارات عسكرية كثيرة تتحرك
صوب المستشفى ومنه فيما تواصل بعض منها طريقها إلى عمان، وبصعوبة تدبر أمره
في أحد تكسيات المرسيدس القديمة مع ثلاثة آخرين رغبوا في الذهاب إلى ساحة
المعركة، ومن هناك سارت السيارة شرقا عبر وادي شعيب نحو منطقة الغور إلى أن
توقفت بعد عشرة كيلومترات أمام حاجز عسكري في أول الوادي المؤدي إلى الغور،
في تلك الأثناء كانت طائرات إسرائيلية تجوب الأجواء وكان بالوسع سماع أصوات
القصف وقذائف المدفعية خلف الوادي، ورغم إلحاح سعيفان والركاب الآخرين كي
يسمح لهم الجيش بالعبور إلا أن محاولتهم تلك باءت بالفشل، فالمنطقة أصبحت
ساحة حرب تستعر أوارها منذ ساعات الفجر ولا أحد يعلم ما ستؤول إليه الأمور،
لكن الناس تناقلت أنباءً عن وصول أرتال من الدبابات الإسرائيلية وسط مخيم
الكرامة يغطيها قصف الطيران وأن معارك بالسلاح الأبيض تجري بين الطرفين في
شوارع المخيم وفي أطرافه وعلى امتداد عشرين كيلوا مترا في منطقة الغور.
اضطر سعيفان والركاب الآخرين العودة بعد أن جزرهم ضابط الحاجز مخيرا إياهم
للمرة الأخيرة بين العودة أو الاعتقال لأنهم بعملهم هذا إنما يعيقون
العناصر العسكرية عن أداء مهامها والأحرى بهم العودة للمساعدة في الخطوط
الخلفية كما قال الضابط.
عاد سعيفان إلى مدينة السلط حيث وجد هناك جماهير غفيرة من الناس تترقب
أخبار المعارك، وكانت إذاعة عمان تبث أناشيد الحماسة الوطنية بينما تذيع
بلاغات عسكرية تطمئن الناس وتعلن عن تكبيد الجيش المعتدي خسائر فادحة في
الأرواح والمعدات مما جعل سعيفان يرقص أحيانا مع الراقصين ثم ما يلبث أن
يتوقف فيصمت وهو يشاهد سيارات الإسعاف تنقل أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى
من عناصر الجيش والفدائيين والمدنيين، ثم يعود ليضرب كفا بكف أحيانا أخرى
لغيابه عن أرض المعركة، لكنه كان يشعر في قرارة نفسه أن نصرا على الجيش
الصهيوني أشبه ما يكون بمعجزة بعيدة المنال . في هذه الأثناء التقى سعيفان
بالحاج عودة وسط المدينة وراح يندب حظه له قائلا أنه يتمنى لو لم يكن سافر
إلى عمان قبل يومين كي يفوز بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة،
في ساعات المساء انقطع صوت القذائف تماما بعد أن اضطر الجيش الإسرائيلي
الانسحاب من المنطقة وهو يجرجر أذيال الخيبة والهزيمة بعد أن نالت منه
مدفعية الجيش الأردني فدمرت له أعداد كبيرة من الدبابات والآليات وسط
المزارع شرقي النهر ، في حين جرت مواجهات في الأزقة بينه وبين الفدائيين
الذين ضربوا الدبابات بالقنابل وقذائف الأر بي جي 2، وفجرَ بعضهم نفسه تحت
الدبابات التي وصلت شوارع مخيم الكرامة وتم تدمير بعضها وإعطاب البعض الآخر
وقتل من فيها مما دفع الطائرات الإسرائيلية لتدمير معظم منازل المخيم بما
فيه البيت الذي استأجره سعيفان حديثا. وكانت خسائر الجيش العربي والفدائيين
والمواطنين تربو على 250 شهيدا وعشرات ألجرحي *. مقابل خسائر فادحة أيضا
للجانب المعتدي الذي يضطر لأول مرة ترك الكثير من آلياته المدمرة والمعطوبة
في ميدان المعركة بما فيها من قتلى.
في المساء وخلال الليل تدفقت جموع الناس على المنطقة لاستطلاع الأمر
وللمساعدة في أعمال الإنقاذ، وبصعوبة بالغة استطاع سعيفان الوصول هناك بعد
حلول الظلام، كانت ثمة أضواء سيارات وأضواء يدوية تنير بطن الجبل ، عندما
توجه سعيفان للموقع كانت جماهير غفيرة من الناس تحفر قبرا جماعيا كبيرا في
بطن الجبل المطل على المخيم، علم سعيفان أن فتاته وأسرتها دفنوا في هذا
القبر بعد أن استشهدوا جميعا عندما دمر منزلهم المتواضع بقذائف الطيران
الإسرائيلي، مثلهم مثل عشرات الشهداء الآخرين.
هناك، بكى سعيفان بكاءً مخنوقا بصمت بينما كان يجرف التراب مع جموع الناس
فوق القبر الكبير.
هوامش:
التواريخ الواردة حول المعركة وثائقية وأعداد الشهداء والجرحى وقتلى
الإسرائيليين تقديرية لأن فيها تضارب كبير، لكن المؤكد هو أن معركة الكرامة
كانت نصرا كبيرا لأنها استعادت بعض الكرامة المفقودة للعرب ولإرادتهم
القتالية آنذاك.
===============
*عزام أبو
الحمام - فلسطين
azzam-mhd@hotmail.com