


<<الروائية الكويتية بثينة العيسى تقول :
-الانترنت وهبتني فضاءً لا نهائياً، ولا أستطيع أن أتذمّر
-ما نفقدهُ في الكويت هو أن يتم الاعتراف بالثقافة كعنصر فاعل وحيوي في النسيج
الاجتماعي.
-نحتاجُ إلى مشروع ثقافي متكامل يتم وضعه من قبل المؤسسات الثقافية (كالمجلس
الوطني للثقافة، ورابطة الأدباء، وغيرها
..
)
=هادئة ، تكتب بصمت ، تدخل في نسيج مجتمعها بحثاً عن المشكلة عبر جسر نذرت
نفسها البحث في مكوناته.
وفي
رواياتها تساوي بين الرجل والمرأة ولا تعرف سوى الفضيلة من كلا الجنسين ،
لم تشغلها المهرجانات الثقافية التي تقام في الخليج أو الدول العربية،
معتبرة عالم ( النت ) قد حمل تجربتها لأبعد المسافات من العالم،
فأصبح لها في كل قطر شرقي وغربي قارئ.
معتبرة عالمها الكتابي في السرد الطريقة ، وفي عالم الشعر الحقيقة ، لكون الشعر
جوهر الفن والجمال
. مؤكدة
أن لكل نص رسالته، والرسالة عندها مكوّن أساسي ولكنها لا تبدأ العمل
الفني، ولا تحسمه، بل تتكوّن في أحشائه الداخلية مثل جنين، ويتم اكتشافها
تدريجيا. فتحت قلبها كطائر صغير لتلتقط حبات أسئلة الحوار دون أن تمانع ،
فكان هذا الحوار الذي فتحت نوافذ العيسى>>

*-
بثينة العيسى ، اسم يقع بين فضائيين سردي وشعري ، أيهما الأقرب إلى قلبك ؟
في
عالمي الكتابي، السرد هو الطريقة، والشعر هو الحقيقة. بحكم أن الشعر هو
جوهرٌ للفن والجمال أكثر منه جنس أدبي، فأنا أميلُ إليه بشكلٍ خاص وأعترف
بوجود حميمية بيني وبينه، وإن كان النفاذ إلى عالمه عادةً ما يتطلب مني
اختراق واختراع عوالم سردية، شخوص وروايات وأحداث وأشياء أخرى
..
*-
ماذا تعني لك الكتابة ، هل هي تبعد عنك السأم أم هي التزام أخلاقي وأنساني ؟
..
لا هذا وذاك، الكتابة ليست ترفاً، وليست التزاماً، وأنا لا ألجأ إليها
راغبة ولا كارهة. الكتابة قلبٌ مشرّع على العالم، والطريقة الوحيدة التي
أملكها لكي أكون. يقول سارتر بأن الحياة تعبّر عن ذاتها في مشاريع، إذا كان
ما يقوله صحيحاً فإن مشروعي هو الكتابة، الكتابة هي طريقتي في الوجود،
وهذا يفوقُ نظرتنا إليها كهواية قاتلة للملل، أو كالتزام يشبه الالتزام
الوظيفي.
*-
كنت في بدء معرفتك
للكتابة طفلة مراهقة تبعثر أحلامها في دفتر صغير، وكانت هذه المراهقة أو
درجات السلم كما قلت في أحد لقاءاتك المنشورة ، وبعد أو خطوات السلم ، كان
سلمك عالياً نحو بعد أكبر ، حدثينا عن هذه المرحلة ولماذا بعد كل هذه
التجارب استقر قلمك على كتابة الرواية ؟
صحيح ..
تخلّقت علاقةٌ حميمة بيني وبين دفتر مذكراتي الوردي الصغير بعد
الاحتلال العراقي لبلدي الكويت، حيث صار العالم – فجأة – مجنوناً ويفوق
قدرتي على الفهم والاحتواء، وهو ما زال مجنوناً ويفوق قدرتي على الفهم
والاحتواء! الفرق الوحيد أن حياة الـ 30 سنة تقريباً في هذا العالم المجنون
يمكن أن تهبك أشكالاً أخرى للتعبير عن رعبك، من هنا بدأت رحلتي الكتابية
بتجربة العديد من الأجناس الكتابية، منذ القصة مروراً بقصيدة النثر
وانتهاءً بالرواية .. وليس الأمر أنني "مستقرة" مع الشكل الروائي، ولكن
الشكل الروائي عادة ما يلائم العالم الكتابي الذي يتخلّق في داخلي نظراً
لضخامته. لو وجدتُ في يومٍ أن القصة أجدر، وأن القصيدة أجمل .. سأركض وراء
الضرورات الفنية للعمل الأدبي، وأؤكد لك بأنها اعتباري الوحيد.
*-
كونك ابنة هذا الخليج، فماذا يعني لك البيت الخليجي المتشابه في نسيجه
الاجتماعي، كونك في الكويت أو في المنامة أو في احد عواصم بلدان الخليج
الأخرى ؟
الهوية صيرورة، إنها
حالة تخلّق مستمرّة. وهي ذلك الفضاء المشرّع حتى أقصاه، منذ التماسك
الداخلي للإنسان، وحتى انفتاحه على الآخر المغاير. عندما نتكلم عن الخليج،
عن الإسلام، عن العروبة، عن البحر والبرّ ونباتات العرفج، عن الكويت
والمنامة والرياض وغيرها .. عندما نتكلم عن هذه الأشياء فنحنُ نتكلم عن
أحشاءنا الداخلية، أعضاءنا التي نعرفُ بأنها توجد في داخلنا وتفعل فعلها
..
المهم، في النهاية، هو أن نرتفع بهذه الهوية إلى علاقةِ صداقة وانفتاح مع
الآخر والمختلف..
* -
ماذا يعني لك الحلم ؟
نيتشه
يقول: لسنا صادقين تماماً إلا في أحلامنا. وأنا أتفق معه تماماً، الحلم هو
لحظة صدق الذات مع مرآتها الداخلية، إنه أكثر حالاتنا نقاءً والتباساً
وشفافية.
*-
وماذا تعني لك الفلسفة ؟
الفلسفة، مثلها مثل الفن، طريقة لتدريب ذاتك على النظر إلى العالم من مكانٍ
جديد ومختلف. ربما تجعلنا أقل تعصباً .. أو هكذا أتمنى.
*-
الثقافة في دول الخليج الست هل هي محط اهتمام، أم نزوة لبعض الدول أو أكثرها ؟
لا
أريد أن أجيب عن دول الخليج الست، لأنني لم أشارك في مهرجانات ولم أحضر أي
فعاليات ثقافية خارج الكويت، وأنا بالمناسبة مقلّة جداً في مساهماتي داخل
بلدي أيضاً .. ليس لشيء، باستثناء ذلك الإحساس العميق في داخلي بعقم تلك
الفعاليات، وبكونها ذات طابع اجتماعي أكثر منه ثقافي، وتشكل أرض خصبة
للتعارف وتبادل الإهداءات وربما بناء علاقاتٍ مع أشخاص يشاركونك ذات الشغف
ولكن .. هذا ليس الغرض منها أليس كذلك؟ ما نفقدتهُ في الكويت هو أن يتم
الاعتراف بالثقافة كعنصر فاعل وحيوي في النسيج الاجتماعي. نحتاجُ إلى مشروع
ثقافي متكامل يتم وضعه من قبل المؤسسات الثقافية (كالمجلس الوطني للثقافة،
ورابطة الأدباء، وغيرها .. ) ولكن بعد الإنصات إلى الأدباء والفنانين
وتضمين رؤاهم. الفعاليات التي تقدمها الساحة الثقافية الكويتية لا تعبّر عن
تطلعات الكثيرين، والأهم أنها تفتقد إلى رؤية مستقبلية بشأن ما نريد
تحقيقه من تلك البرامج، وهل هي برامج أصلا؟ هل تتسم بالتكامل والتناسق وهل
لها أهداف محددة ورؤى واضحة في أذهان واضعيها؟ أم أن المسألة ببساطة هي
أننا بحاجة إلى "حشو" بعض الفراغات في البرامج الثقافية فنجري بعض
الاتصالات وندعو هذا لأمسية وهذا لحلقة نقاشية بدون منهج حقيقي بين تلك
الفعاليات؟ وقبل أن نتقدم بهذا الطريق، نحتاج أن نتخلّص من تعسف الرقيب
المخجل، ومن عمليات البتر المؤلمة التي يتعرض لها معرض الكتاب العربي كل
سنة، ومن منع الأشخاص من المساهمة في ندوات إذا لم تتوافق أفكارهم مع الفكر
الرسمي الذي يتبناه الرقيب .. ومشاكل أخرى عديدة.
*-
ما الذي ينقصنا كخليجيين ضمن المشروع الثقافي ؟
ما
ينقصنا هو المشروع الثقافي ذاته! ما ينقصنا هو هدف ورؤية وآلية ونتائج
قابلة للقياس وثقافة إدارية وتكامل بين الأذرع الثقافية على الساحة
..
*-
في روايتك " تحت أقدام الأمهات " فجرتي صراع نسوى ، فما هي الرسالة التي لم
يشر لها النقاد وكنت تتمنين أن تؤخذ بعين الاعتبار ؟
بصدق،
هذه الرواية من أكثر رواياتي حظاً من حيث القراءات النقدية، وليس الأمر
هنا بعدد القراءات والمقالات المنشورة عنها، بل بالكيفية التي تمت بها
معالجتها، وأتذكر هنا على سبيل المثال قراءة الأخ عبدالعزيز الموسوي من
البحرين، وهيام ضمرة من الأردن، والقراءة المدهشة لعبدالحكيم الزبيدي
..
والزميلة علياء الداية والأستاذ نزار الزين وآخرين، كلهم قدموا قراءات
نقدية ثاقبة وواعية ومنتبهة إلى حد الدهشة.
*-
الكثير من الكتاب للجيل الجديد يشكون عدم اهتمام النقاد بتجاربهم، فهل
ينقصنا الناقد المتتبع للإبداع الجديد، وعلى صعيد تجربتك هل أنت مقتنعة إن
تجربتك حظت بنصيب مرضي بالنسبة لك ؟
الانترنت
وهبتني فضاءً لا نهائياً، ولا أستطيع أن أتذمّر من قلة نصيب تجربتي من
اهتمام النقاد، فأن أجد لأعمالي قراءات من ليبيا ولبنان وسوريا والبحرين
والسعودية وحتى اليمن، تردني عبر الإيميل بمبادرات ذاتية محضة .. فأنا لا
يسعني إلا أن أشعر بالامتنان لهذا الفضاء الفسيح من التواصل الثقافي الجدير
بالمحبة ..
*-
أدب الطفل أين
موقعه من بثينة العيسى ، وماذا بعد " قيس وليلى والذئب" هل سنقرأ جديداً
مشابهاً لمجموعتك " قيس وليلى والذئب " ؟
أدب
الطفل هو حُلم. ربما تساعدني أمومتي في تحقيقه. أما عن تجربة "قيس وليلى
والذئب" فهي ليست للأطفال .. وإن كانت مناسبة جداً – برأيي – للأطفال في
دواخلنا، الذين ما زالوا يملكون الأسئلة ويرعبهم مزاج العالم. تضمنت تجربتي
في "قيس وليلى والذئب" نصوصاً كتبت على مدى 7 سنوات .. أتساءل إن كان يمكن
تكرار هذه التجربة! وأتمنى ذلك، لأن تلك النصوص الصغيرة التي لا تتجاوز
الخمسة أسطر كانت تفتق لي عوالم مدهشة ومحيّرة وملتبسة.. من يدري؟
* -ما
هو الكامن الذي يشغل بثينة ولم تكتشفه في عالم الواقع ؟
هناك
ظهور لكل ما هو كامن، ولكل وجود مرآة. فكيف يكون هناك جوهرٌ كامن، ولا
يكون له أي نوعٍ من التجلي؟ الداخل يفضي إلى الخارج وبالعكس. الآخر يفضي
إلى الذات وبالعكس. هذه بنظري نواميس كونية.
* -ما
هي الطقوس التي تمر بها بثينة قبل الكتابة
؟
الكتابة
تفاجئني في الغالب، لا تمهّد لي حضورها .. تأتي بغتة وترحلُ بغتة، أنا لا
أستطيع ترويض تلك اللحظة أو تطويع تلك اللغة مهما حاولت ومهما رغبت، دفاتري
مليئة بـ نصوص على شاكلة " تعالي إليّ أيتها اللغة " أو " لقد فقدتُ لغتي
منذ مدة " .. الكتابة هي التي تعثر عليّ، وأنا أستجيب. عندما لا أستجيب
فإنها تعذبني، تتحوّل القصيدة إلى تلك الحشرة القاتلة التي تقتحمُ جمجمتك
من أذنك وتطنّ في داخلك حتى تنفجر .. لا يمكن تبديد لحظة الكتابة، منها
يبدأ كل شيء! وبقدر ما أخلصت لعفوية اللحظة وفطريتها ووحشيتها حتى بقدر ما
شعرتُ بي أكثر انسجاما مع نصي وأكثر رغبة بالتواجد داخله وسبر عوالمه
واكتشاف ممكناته .. أنا أكتب بدون طقوس، مستسلمة للكتابة في أكثر أشكالها
بدائية ووحشية.
* -ما
هي الرسالة التي تصر بثينة كساردة للنص إيصالها ؟
لكل
نص رسالته، والرسالة عندي مكوّن أساسي ولكنها لا تبدأ العمل الفني، ولا
تحسمه، بل تتكوّن في أحشائه الداخلية مثل جنين، ويتم اكتشافها تدريجياً.
*-
دائماً أنت في كتاباتك بجانب الرجل ، معتبرة أن الرجل ليس معصوما من الخطأ
، وبذلك تنصفين الرجل وتختلقين له الأعذار ، فهل أنت في رسالتك المجتمعية
قد مررت بحكايات بطلها رجل أثار فيك الشفقة فلم تعرف أن تقسي عليه؟
هذا
غير صحيح، أنا لستُ بجانب الرجل ولستُ أيضا ضده. ما أنتقده ببساطة شديدة
ليس الرجل وإنما الأنساق الذكورية المهيمنة على واقعي، وفي رواية " تحت
أقدام الأمهات " .. جعلتُ المرأة أكثر ذكورية من الرجل، متواطئة ضد نفسها،
خاضعة طوعاً لـ فكر ذكوري بطريركي في مجتمع نسوي محض، حتى أبيّن بأن
المشكلة هي ليست في صراع سطحي وممل بين جنسين يشبه مباريات العربي
والقادسية (أو الأهلي والزمالك ) أو لا أدري أي فرق أخرى يمكن ذكرها هنا!،
بقدر ما هو ضد عقلية مهيمنة ومصادرة تسلب الإنسان إنسانيته سواء كان رجلاً
أو امرأة، وتمرض المجتمع ككل.
*-
بجانب المرأة التي أن لم تغفل عالمها ، فما هي المرأة من وجهة نظرك ؟
المرأة
هي الوجه المؤنث للإنسانية، ولأن كل شيء يحمل في داخله نقيضه فهي إحدى صور
الرجل. في زمننا هذا تم اختزال الأنوثة إلى نوع بيولوجي قد فصم العالم إلى
اثنين وأصابه بالعرج .. وفي هذا كثير من الاختزال والتشويه والافتراء على
ما أعتبره شخصياً قيمة معرفية ووجودية قبل أي شيء آخر. الأنوثة بوابةٌ إلى
المعرفة الحدسية، والتنبؤ، والعاطفة، والحب، واستبطان الوجوه العديدة لهذا
العالم، وفلسفته حدسياً، وإقامة علاقة عميقة مع الطبيعة. الأنوثة هي الوجه
الباطن من الأمور، مكمن الإبداع والحياة والموت والكتابة. الأنوثة والذكورة
قطبان للمعرفة، بين سالب وموجب، موت وحياة، بارد وحار، أرض وسماء، ين
ويانغ .. العالم لا يستقيمُ على قائمتيه إذا لم نفهم، في قلوبنا وفي عقولنا
أيضاً، طبيعة العلاقة التفاعلية بين الأنوثة والذكورة، ونفهم أيضاً – وهو
ما قد يبدو إساءة للكثيرين – بأن كل من الرجل والمرأة يحمل هذين القطبين في
داخله، باستثناء أن المرأة تظهر الأنوثة صراحةً، والرجل يظهر الذكورة
صراحةً وهكذا .. من هي المرأة إذن؟ هذا سؤال لا معنى له، مثل سؤال: من هو
الرجل؟ السؤال الحقيقي والوحيد والجدير بالاكتشاف هو: من هو الإنسان.
* -هل
تؤمنين بالأسطورة ، وما هي حدودها في عالم الواقع بالنسبة لك ؟
أؤمن
بأن الأسطورة ما زالت فاعلة وحية ومؤثرة في حياتنا اليومية .. ما زلنا
نروي لأطفالنا قصص "حمارة القايلة" التي تختطف الأولاد في الظهيرة، ونقول
بأن انتزاع الشعرة البيضاء سينبتُ سبعاً مكانها، ونطلب من الصغار أن يقذفوا
أسنانهم اللبنية في وجهِ الشمس، في طفولتي قيل لي بأن الذي ينجح في تقبيل
كوعه سوف يتحول إلى قرد. نعرفُ بأن ما نقوله يتناقض تماماً مع العلم، ولكن
..
حبا بالله، لماذا نريد أن نكون علميين على الدوام؟
*-
كيف تنظرين للمهرجانات الثقافية في عالمنا العربي ؟
لا
أهتم بها، لا أشارك في فعاليتها، لا أتابعها ولا أقرأ أخبارها .. وليس هذا
بالضرورة أشكك في جدواها، بل لأنني أستسلم لطبيعتي أكثر. الكتابة عندي
عادة خجولة تتخلق في السر، وبالنسبة لتجربتي الذاتية، فقد كنتُ أكتبُ
بكتمان وأخبئ نصوصي تحت وسائدي و .. حتى الآن، بعد إصدار 6 كتب لا أستطيع
إلا أن أشعر بالتناقض مع الظهور الإعلامي والاجتماعي للكاتب، ومع لحظة
الكتابة في أشد حالاتها صدقا وسرانية.
* -ماذا
تتمنين كروائية من وزراء الثقافة في دولنا الست الخليجية؟
ليس
لدينا وزارة ثقافة في الكويت، لدينا المجلس الوطني للثقافة والفنون
والآداب .. وما أتمناه، من المشهد الثقافي الكويتي خصوصاً والخليجي عموماً
أن يتمخّض عن حركة فاعلة داخل النسيج المجتمعي، وأن يتحوّل إلى مكوّن فعال
من مكونات الإنسان الكويتي / الخليجي .. الجهود الفردية للأدباء، والإنتاج
الكتابي الذي أسفرت عنه تلك الجهود ليس كافيا لكي نحظى بحراك ثقافي حيوي
وفاعل ومنفعل، مؤثر وقابل للتأثر بما حوله .. وأنا شخصياً أرى بأنه من
العبث أن نلقي بكل هذا الثقل على كاهل مؤسسات ثقافية غالبا ما تفتقر إلى
المهارة الإدارية اللازمة، والرؤية المستقبلية لتحقيق تطلعاتنا. وهنا يأتي
السؤال المحيّر، أيهما يسبق الآخر؟ الحراك الثقافي أم المؤسسات الثقافية؟
هل تتمخض المؤسسات الثقافية عن وجود مسبق لحراك ثقافي حقيقي، أم أننا نحتاج
إلى مؤسسات ثقافية لكي نصنع مشهدا ثقافيا حيوياً؟
* -وما
حدود مفهوم المثقف بالنسبة لك ؟
الصورة
الذهنية للمثقف والمكرّسة في وسائل الإعلام المختلفة، هي ذلك الشخص الذي
يعرف القليل عن كل شيء، وهو بالضرورة يحفظ التواريخ والقصائد والمعلومات
الكثيرة، بمعنى ما .. هو يشبه ذلك الرف الذي تتكدس عليه نتف المعرفة. أنا
لا أحب هذا المثقف، أجده ينم عن خواء وعن طابع استعلائي مقيت. المثقف عندي
هو شخص آخر تماما، وفي الواقع هو يمكن أن يكون أمياً أو جاهلاً، فلاحا أو
دكتور الجامعة، لأن الأمر مرهونٌ بقدرته على النظر إلى الأمور من أكثر من
زاوية، وأن لا يتعصب لموقف مسبق، وأن ينحاز للقيمة لا للمصلحة، وأن يملك
تلك القابلية الأبدية للتشكيك في نفسه وصحة مواقفه أيضاً، لأننا مصابون
بكثير من اليقين المرضي! عندما تواجهك مشكلة، سؤال، معضلة، وتلجأ إلى
ذاكرتك المعلوماتية للعثور على جواب فأنت لست مثقفا بل ناسخا.. ولكن عندما
تبدأ في استثمار معارفك وخبراتك وطاقاتك من أجل الإتيان بحلول أو أجوبة أو
حتى مزيد من الأسئلة، فأنت مثقف، وعليه فالأمر مرهونٌ بتصرّفك، ولا يمكن
تصنيف شخص على أنه مثقف على الإطلاق، بل يتم الحكم عليه بناء على تفاعله مع
العالم ومنطلقات ذلك التفاعل. إنها صيرورة، عملية عضوية تماماً، وقد تجعلك
مثقفا في مواطن وغير مثقف في مواطن أخرى.
*-
الشعر في موازاة السرد أيهما يسبق الآخر في منظور مرآة بثينة الثقافي ؟
مارتن
هيدغر يقول بأن جوهر الفن هو الشعر. وعليه فإن كل عمل فني أو أدبي يحمل في
أحراشه الداخلية تلك القصيدة / الروح .. أيهما يأتي أولاً، الجوهر أم
تجلياته؟ ولماذا نفترض بأن أحدهما يسبق الآخر؟ كل شيءٍ في عالمي الكتابي
يحدث دفعة واحدة، فالكتابة إغماءة أبدية.

بثينة العيسى
- الكويت
علي الستراوي - البحرين
