مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

   معاش مبكر

رواية قصيرة : د.مادلين حنا

 

 

- ماما .. قطتى تموء خلف الباب .. هل عندنا شيىء تأكله لأفتح لها ؟
نادت الطفلة الصغيره على أمها المشغولة بالمطبخ
كادت أمها أن تجيب : و هل فى البيت طعام كافى بالكاد لنا لنشارك فيه القطط ؟
لكنها ترددت و نظرت لسله المهملات لتجد بقايا من خبز الأمس فنادت إبنتها :
- يوجد بقايا خبز افتحى الباب لقطتك ..
فتحت الطفلة الباب لتدخل قطه بيضاء سمينة تعرف طريقها جيداً للمطبخ .. نظرت القطه لسله المهملات الفارغة تقريباً إلا من بقايا الخبز فأصدرت مواءاً متكرر إعتراضاً على بقايا الخبز التى لم تعجبها ..
ضحكت الطفلة فى سعاده و هى تربت على ظهر القطه و تحملها و هى تقول لأمها:
- قطتى أيضاً تعترض على الخبز و تتمنى لو كان طعامها بقايا لحم أو عظام دجاج .. أمى لماذا لم نعد نأكل اللحم و الدجاج منذ مده ؟
ربتت الأم فى حنان على رأس إبنتها و هى تقول:
- الأسبوع القادم سنطبخ لحم و أرز و كل ما تحبينه يا حلوتى .. أخرجى القطه من المنزل و أغسلى يديكى التى لمستى بها تلك الملعونة جيداً ..
خرجت الطفلة من المطبخ و هى تحمل القطه بينما استدارت الأم نحو الحائط و هى تغالب دمعه تكاد تفر من عينها .. أطفالها الثلاثة لم يأكلوا لحم أو دجاج منذ أسبوعين إلى الآن و هذا هو الأسبوع الثالث .. المال الموجود معها بالكاد يكفى لآخر هذا الأسبوع و يتبقى أسبوع كامل على موعد صرف معاش زوجها الشهرى .. تمتمت فى صوت خفيض :
- يارب .. ساعدنى
خرجت من المطبخ متجهه لغرفه النوم .. كان زوجها لايزال نائماً رغم أن الساعه تعدت الثانية ظهراً و عاد الأولاد الثلاثة من مدارسهم .. حاولت إيقاظه لكنه لم يستيقظ .. جمعت أولادها ليوقظوا أبيهم ..
استجاب الرجل لأولاده و قام فى كسل ملحوظ .. نظر لزوجته و لمح فى عينيها نفس النظرة المعتاده منذ استغناء الشركة التى كان يعمل بها عن خدماته بدعوى تخفيض العمالة الزائده و إعاده الهيكلة .. نظر فى المرآه ليرى وجهه و قد طالت ذقنه و صنع النوم الطويل هالات منتفخة حول عينيه ..
اتجه من فوره للحمام حيث حلق ذقنه الطويلة و أتبعها بدش بارد لعله ينبهه .. خرج من الحمام ليواجهه إبنه الأكبر بنفس السؤال المعتاد كل يوم :
- بابا .. لماذا لا تذهب لعملك منذ أكثر من شهرين ؟
يرد على الولد فى عصبيه نفس الرد المعتاد:
- توجد ظروف بالشركة و منحونا أجازة مفتوحه لحين إجراء إصلاحات بالشركة
فاجأه الولد الآخر بسيل من الطلبات:
- مدرس الفصل يريد منا أن نأخذ درس خصوصى فى العلوم
- أحتاج لكتاب مساعد فى الرياضيات لأن كتاب المدرسه لم أفهم منه شيئاً
- أحتاج حذاء رياضى جديد لألعب به الكره فى المدرسة
أنقذته زوجته من سيل الطلبات آمرة الولد بأن يبتعد عن أبيه الآن و هى تحمل له طعام الإفطار: كوب من الشاى و رغيف واحد من الخبز و قطعه جبن
خرج الأولاد من الصالة داخلين غرفة المعيشة فور دخول أمهم و تركوها مع أبيهم ..
تناول الرجل منها الطعام و كسر رغيف الخبز لنصفين .. أكل نصفه و ترك نصفه و لم يلمس الجبن ثم ذهب ليبحث عن علبه سجائره فى أحد الأدراج .. فوجىء بالعلبه لا تحتوى إلا على سيجارة واحده .. أشعلها و هو يشرب الشاى بينما همست له زوجته فى لهجه حانيه:
- التدخين مضر بصحتك و لا تنسَ فى ظروفنا أن ثمن السيجارة الواحده يعادل ثمن خمسة أرغفه من الخبز و ثمن علبه السجائر يعادل ثمن كيلو من الجبن أو برطمان مربى أو قالب من الزبد الصناعى أو الكتاب الذى طلبه ابنك ..
نظر إليها نظرة منكسرة و هو ينفث دخان سيجارته فى عصبيه فأكملت و هى تقترب منه أكثر:
- لقد اتفقنا أن تقلع عن التدخين و أنت لم تنفذ وعدك ..
حاول أن يشرح لها بأن الإقلاع عن التدخين يأتى بالتدريج و بأن هذه هى آخر علبه سجائر سيشتريها لكنها قاطعته فى حسم :
- كل مره تقول نفس الكلام و لا فائده .. هل تعتقد بأن التدخين يخفف ما تشعر به من ألم .. أنا أتألم أكثر منك لكنى أفكر فى صحتى و توفير أموالنا القليلة لأولادنا بعد أن انخفض المرتب للنصف
رد عليها فى توتر :
- لقد انخفض المرتب للنصف لكنهم صرفوا لنا تعويضاً كبيراً فور خروجنا للمعاش المبكر لكنى لم أستفد من المبلغ بأى شيىء بل وضعته كوديعه باسم الأولاد فى البنك كضمان لمستقبلهم من جهه و نصرف على تعليمهم و معاشهم من عائدها من الجهه الأخرى .. لو كنت استغليت هذا المبلغ أو جزءاً منه فى عمل أى مشروع لكنت الآن أعمل بدلاً من النوم بالبيت و كنا قد زودنا دخلنا الذى لا يعجبك
قالت و هى تحاول رسم الإبتسامه على وجهها :
- هل سنكرر حديثنا كل يوم بلا طائل ؟؟ و لماذا لم تبحث عن عمل بدلاً من شكواك من النوم فى البيت ؟؟؟
أنت تمتلك يدين تعودتا العمل و خبرة أكثر من خمسة عشر عاماً بمصانع الغزل و

 النسيج فى الشركة
رد عليها فى عصبية و هو يطفىء سيجارته :
- أبحث عن عمل ؟؟؟ أين فى مصانع النسيج التى تمت إعادة هيكلتها و الإستغناء عن عمالها ؟؟؟ فى المحلات و الشركات الخاصة التى ينافسنى فيها ملايين العاطلين من الشباب المتعلم تعليماً عالياً و الباحث عن أى وظيفه هذا بالإضافة لأنى لا أجيد أى شيىء فى الدنيا سوى العمل على ماكينات صبغ الغزل الروسية التى قالوا أنها انقرضت من العالم كله إلا مصنعنا .. و مع ذلك بحثت عن عمل شهرا بعد شهر و النتيجة سلبية .. أصحاب العمل يريدوا شباب متعلمين يجيدون الكمبيوتر و الإنترنت ليعملوا فى أحقر الوظائف ..
استدار لينام على السرير و هو يقول فى لهجه ساخره:
- كما قلتِ .. سنكرر حديث كل يوم بلا طائل
دق باب الشقة فقام مسرعاً ليفتحه فوجد موظف الكهرباء حاملاً فاتورة استهلاك الكهرباء الشهرية .. تركه بالباب و ذهب ليحضر الرسوم ليدفعها له و يغلق الباب فى عنف معترضاً على كبر المبلغ بالمقارنه بالإستهلاك الذى يعرفه و المبلغ الذى كان يتوقعه فى خياله ..
همست له طفلته الصغيره فى خوف وهى تمسك بورقه فى يدها :
- اذا كانت فاتوره الكهرباء ستغضبك لهذا الحد فماذا ستقول عن فاتورة التليفون التى أعطاها لى جارنا و أنا عائده من المدرسه لتوصيلها لك ؟
نظر الرجل بالفاتوره و قرأ المبلغ الكبير المطلوب دفعه .. سكت قليلاً ثم ضحك و هو يصرخ بزوجته :
- المصائب لا تأتى فرادى .. فاتورة التليفون وحدها مبلغها يفوق نصف معاشنا الشهرى .. يبدو أنكِ ستضطرين  لطهو التليفون لنا لنأكله الشهر القادم ..
جمعت المرأه أولادها و أمرتهم بالدخول لحجرة أخرى و هى تنصحه بألا يلاحظ الأولاد إنفعاله .. أزاحها من طريقه فى عنف و جرى نحو غرفه النوم و أغلق الباب خلفه ..
جلس على السرير منكس الرأس .. أحس بصداع كبير برأسه .. شرد ذهنه و تتابعت أفكاره كما تتابع كل يوم فى شريط سينمائى لا ينتهى ..
شهور طويلة مرت و هو على هذا الحال .. عاطل رغماً عن أنفه منذ ذلك اليوم المشؤوم الذى أذاعوا فيه عبر مكبرات الصوت القرار الوزارى بإعاده هيكلة الشركة و تقليل عدد العمالة للنصف تمهيداً لخصخصتها ..
ليلتها لم ينم من التوتر و أشرق الصباح بكشوفات معلقة بمدخل مصنع الشركة تشمل أسماء العمال و الموظفين الذين استغنوا عن خدماتهم .. حاولوا الإعتراض لكن بلا جدوى ..
قال لهم مدير الشركة لما تجمهروا معترضين :
- الشركة لم تفصل أحداً إنما الحكومة ابتدعت نظاماً جديداً لتسوية أوضاع العاملين المستغنى عن خدماتهم يسمى (المعاش المبكر) حيث تصرف الشركة لكل واحد مبلغ تعويضى يتناسب مع سنوات خدمته بالإضافة لمعاش شهرى ثابت كأنه أتم الستين و خرج للمعاش ..
تقبل الأمر على مضض و قبل بمبلغ التعويض الذى كان كبيراً بالنسبة لعامل بسيط مثله لكنه و بمقاييس المجتمع و أسعار السوق لم يكن بالضخامه التى يتوقعها .. فوجىء بعدها بأن المعاش الشهرى المخصص له يعادل أزيد قليلاً عن نصف راتبه الذى كان يتقاضاه و لما اشتكى برروا له ذلك بأن الشركة صرفت له مكافأه المعاش المبكر التى يمكن أن يبدأ بها أى مشروع تجارى يزيد به من دخله
بقرار من شخص لا يعرف ظروف الناس و العائلات التى تعولها أوقف رزق أكثر من 1000 عامل و موظف ..
كيف كانوا عمالة زائدة ؟؟
لقد كانت الشركة الحكومية تمتلك مصنع للغزل و النسيج من أكبر مصانع مصر و يعمل المصنع 16 ساعة يومياً على ورديتين بلا توقف .. كان يجاهد مع زملائه العمال على الماكينات و الأجهزه لإنتاج أفضل خيوط الغزل و أرقى المنسوجات التى يخرجها المصنع ..
تذكر تلك الأيام الخوالى فى أسى ..
تذكر يوم دخوله المصنع لأول مرة خجولاً و خروجه ذليلاً عندما شعر بالرعب من حجم الماكينات و صوتها و سخر منه قدامى العمال ..
بعدها تعلم حتى وصل لموقع مهم بالمصنع : (رئيس وردية خط ماكينات صباغة خيوط الغزل) بعد خمسه عشر عاماً من العمل المتقن و المضنى ..
فجأه بعد كل هذا قالوا له :
- أنت عمالة زائده و يجب التخلص منك ..
- الماكينات الروسية التى تعملون عليها ترجع لستينيات القرن العشرين أى أن لها أربعين عاماًُ و هى تعمل
بالإضافه أن المصانع فى العالم كله تعمل بماكينات أحدث و بأساليب إنتاج أقوى و أكثر تطوراً .. لقد سخر السيد الوزير الجديد من هذه الماكينات عند زيارته للمصنع ووصفها بالديناصورات التى انقرضت من العالم
- المصنع سيباع لمستثمر أجنبى و الأجانب سيطردون كل من فى المصنع و الأفضل لك أن تخرج بكرامتك .. معاش مبكر يساوى مبلغ محترم كتعويض و معاش شهرى منتظم
و أخيراً صار يحمل بطاقة شخصية مكتوب فيها : موظف بالمعاش المبكر ..
- لماذا أنا بالذات ياربى ؟؟
صرخ بصوت عال و هو يقوم من على السرير .. أحس بندمه على هذه الصرخة فتمتم :
- أستغفر الله أن أعترض على قضاء ربنا و قدره
فتحت زوجته الباب المغلق عقب سماعها الصرخة ..
احتضنته فى حنان ..
ارتمى على صدرها و هو يبكى .. بكى طويلاً كما لم يبك من قبل
مسح دموعه و هو يقول فى حسم :
- لابد من حل .. اليوم بالذات لابد من حل
همست له فى لهجه حانية :
- لا تشغل بالك .. ربك هو الرازق و لا أحد يموت من الجوع و نحن نعيش أحسن من غيرنا بكثير .. قم و اخرج للشارع هناك طلبات لأولادك هاتها لهم و غير هذا الجو الكئيب ..
قام من نومه .. غسل وجهه .. ارتدى ملابسه على عجل ..
أراد أن يتأكد تأكد من أن الجنيهات القليلة التى فى جيب قميصه للطلبات التى تتولى زوجته كتابتها بورقة صغيره فسألها عما تطلب .. أعطته الورقة الصغيره الممتلئة بأصناف كثيرة ..
تناول الورقة منها فى لهفه و هو يمنى نفسه بالخروج و العودة سريعاً ليقرأ :
- اثنين كيلوجرام من اللحم
- دجاجتين حجم كبير
- ثلاثة كيلوجرامات من السمك
- خمسة كيلوجرامات من الأرز
- نصف كيلوجرام من الشاى
توقف عن القراءه و هو يهمس لها قبل أن يكمل قراءة القائمة الطويلة:
- هذه الطلبات لا يكفى لها معاشنا الشهرى لمده شهرين كاملين .. كيف سأحضر كل هذا ؟؟ و لماذا هذا الإسراف فى الطعام و الشراب ؟؟
قالت فى حسم :
- الطعام الموجود بالبيت نفذ تقريباً ..الأولاد لم يأكلوا لحم أو دجاج منذ أسبوعين و هذا هو الثالث .. هذا لهم و ليس لنا .. و لقد وجدت الحل
نزعت قرطها الذهبى بحركة متوترة و ناولته له فى يده ..
ذهل الرجل منها و هو يقول فى عصبية :
- لا .. هل وصلنا لهذه الدرجه أن نبيع ما نملك لأجل أن نطعم أولادنا ؟؟؟؟ لا لن أبيعه أبداً ... ملعون اللحم و الدجاج و من يأكله ..
قالت وسط دموعها :
- من أجل أولادنا بعه .. أرجوك .. و عندما تتحسن الظروف اشترِ لى غيره ..
تناول القرط الذهبى فى توتر .. نظر فى عينيها الباكيتين .. خرج من الغرفه للصالة حيث يجلس صغاره يؤدون واجباتهم المدرسية ..إحتضنهم فى لهفه و قبلهم ثم فتح باب المنزل .. ألقى عليهم نظرة طويلة ساهمه و غادر المنزل مغلقاً الباب خلفه فى هدوء ..
و خرج و من يومها لم يعد