مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 معذرة سيدتي الحقيقة

أقاصيص بقلم : وفاء البوعيسى

 

        من البعيد لمحتها .... كانت أشكالاً قاتمة فلم أتبينها , لكني استطعت أن أرى     ظلها الممتد على الأرض .

  كانت ظلالاً باسقة رشيقة , بدت لي كحراب قاسية تصلح للقتال .

اقتربت أكثر فصعقني المشهد .

كانت عبارة عن أعواد قصب .

تعرفون أعواد القصب بالطبع , إنها أعواد سهلة القلع سهلة الكسر , فارغة من الداخل , لا تصل جذورها لأكثر من شبر في الأرض , لكنها كانت طويلة بحيث حجبت عني سنابل القمح الصغيرة وحقول الشعير النابت من ورائها . 

 

هل كان مخطئاً بحق ؟!

 

أعتلى كرسيه , وبيدٍ مرتعشة من التحفز شرع يرتب أوراقه .

كان قد جهز خطبة عصماء كتبها بشرايينه , عن الحريات , عن حقوق الإنسان , عن الديمقراطية وحرية التعبير .

سلخ أعواماً ثلاثة في السجن بلا محاكمة بسبب من أراد أن يخطب فيهم اليوم .

بدأ يتكلم ويتكلم عن كل ما كان يؤمن به .... كان متوتراً حد الإنقصاف , مشدوداً كوتر قوس , ولما انتهى , رفع رأسه إليهم وكانت الصدمة .

كان الجالسين قبالته يضعون على رؤوسهم قواقع محكمة الإغلاق , وكانوا يحيطونها بأحجار صلدة لا يمكن قهرها .

 

أين تبيت الأحلام ؟!!!

 

من السفر عاد , متوقداً .... متوجساً , إلى وطن طال انتظاره له .

حطت به طائرة الترقب على أرض زلقة للأوهام المضنية .

وفي المطار سأله رجل جمارك أقني الأنف , مترهل التجاعيد مجللٌ بالنياشين :

ــ ما تحمل ؟

ــ حقيبة سفري .

ــ ما بها ؟

ــ كتبي , ملابسي , ومجموعة أحلام .

ــ إذاً لابد من مصادرتها , خذ باقي متاعك واترك أحلامك هنا .

 

هوية مكرسة لمواطن عربي .....

 

حلةٌ رماديةٌ لرجل بربطةٍ أنيقةٍ مُحكمة , وحذاء من جلد لامع تقف أمام مبنى ... ؟!!

 أحكمت الحلة ربطة عنقها وتأكدت من نَصاعة الحذاء , ولم تنسى عادتها ـــ كعادِتها ـــ  قضمت لساناً صغيراً بقوة حتى شطرته , وابتلعته داخل حلقها وولجت .

عندما خرجت الحلة , توقفت قليلاً تستجمع زوغاناً كان قد ثبت , ولم تنسى عادتها الأخرى , استلت جميع أحلامها ـــ  واحدة بعد أخرى  ــــ وألقت بها هناك , في دهاليز معتمة لم تعرف الكهرباء يوماً , وذابت في الزحام  .