





يعتبر
الكاتب
القصصي، والروائي المغربي مصطفى لغتيري من رواد القصة القصيرة جدا في المغرب،
إلى جانب اشتغاله على القصة القصيرة، والرواية. وهو من مواليد عام 1965 م .
تخرج من كلية الآداب والعلوم الإنسانية. وهو عضو نشيط في اتحاد كتاب المغرب،
حاصل على جائزة النعمان الأدبية من لبنان. وجائزة ثقافة بلا حدود من سوريا،
وتنويه جائزة دار الحرف للرواية. ومن أهم إصداراته مجموعته القصصية " هواجس
امرأة" سنة 2001م ، و مجموعته القصصية الأخرى "شيء من الوجل" سنة 2004م .
و"رجال وكلاب "- رواية- منشورات إفريقيا الشرق2007. وتسونامي - قصص قصيرة جدا-
منشورات أجراس -2008، و"عائشة القديسة" -رواية - دار النايا -سوريا 2008.
و"ليلة إفريقية" -رواية - أفريقيا الشرق -2009.

وقد توج الكاتب القصصي والروائي المغربي مصطفى لغتيري تجربته في القصة القصيرة
جدا لأول مرة بباقة سردية مسومة بعنوان" مظلة في قبر" التي صدرت عام 2006 (عن
مطبعة دار القرويين-الدار البيضاء).المجموعة تعتبر مرجعا مهما في الدراسات
النقدية في فن القصة القصيرة جدا بالمغرب.
الكتاب من الحجم المتوسط، تزين غلافه لوحة من إنجاز الفنان المصري إبراهيم عوض.
ويضم بين دفتيه 57 نصا من جنس القصة القصيرة جدا. ويشغل كل نص نسبة من البياض
تتراوح ما بين أربعة أسطر وثلاثة عشر سطرا. كما تصور هذه النصوص في مجملها
إيقاع الحياة السريع الذي أضحى الإنسان المعاصر يعيشه. ويستلهم من خلاله القاص
تجارب شخصيات تاريخية،وتراثية، نافخا فيها روح البعدين الفلسفي والنفسي
.
العنــوان:
يحيل
العنوان على الانغلاق، والظلمة، وضيق التنفس، وتنافر في معنى اللفظتين "مظلة"
و"قبر". فالمعروف أن المظلة مرتبطة بحركة ميكانيكية يدوية عندما نفتحها أو
نغلقها.وأثناء هذه الحركة تحتاج إلى حيز من الفضاء، لأنها تتمدد أثناء فتحها.
أما القبر فهو عبارة عن حيز في الأرض بالكاد يسع جسم الإنسان ميتا. ولذلك فمن
خلال العنوان "مظلة في قبر" لا نعرف ما إذا كانت المظلة مفتوحة، أو مغلقة. لأنه
لا يتضمن أي فعل يوحي بالحالة التي هي عليها. لكنه في مقابل هذا يحيلنا على
قولة القصاص فلكس بالما فيري في تعريفه المختصر للقصة القصيرة جدا بقولة: " هي
فتح مظلة في لحد"[1].
إذن فعنوان المجموعة السردية هو أحد التعاريف المتعددة للقصة القصيرة جدا التي
دأب النقاد والقصاصون على وصفها منذ ظهورها.
علاقة العنوان بلوحة الغلاف:
عند التمعن بعمق في لوحة الغلاف يتضح لنا أنها عبارة عن كوة في حائط تحفها
أغصان نبتة أشبه باللبلاب. ومن بعيد ينبثق ضوء مشع أبيض اللون يختلط
باللازورد، ربما الكوة تطل على موج البحر أو بحيرة. على حافة الكوة ينسدل ثوب
قريبا من طاولة ضيقة وضعت عليها ساعة منبه يشير عقربها إلى الساعة الواحدة
والربع . وتم تشكيل هذا كله بألوان فاتحة. وعلاقة بالعنوان فأبعاد اللوحة
التشكيلية توحي بانفلات في الرؤية عبر الكوة، وتتميز بنور ساطع يأتي من بعيد.
كما أن هناك إحساس بالزمن بخلاف أبعاد العنوان إذا ما تم معالجته تشكيليا فهو
يحيل على انغلاق الرؤية واصطدامها بأبعاد المكان الجغرافية، ناهيك عما يمثله
القبر في النفس من ضيق، ونهاية الحياة، وتوقف الزمن. ومن هذا المنطلق فالمظلة
كي تؤدي وظيفتها، لابد من أن تنفتح. والقبر كي يكون قبرا لابد من أن يتم غلقه
وطمره بالتراب. إن لعبة الانغلاق والانفتاح والحيز هي فن القصة القصيرة جدا،
والتي تبدو في ظاهرها سهلة المنال، نظرا للحجم التي تبدو عليه.
علاقة العنوان بالنصوص :
عنوان المجموعة غير مأخوذ من بين عناوين النصوص مثلما هو معتاد في أغلب
الإصدارات. العنوان يستفز القارئ، ويحفزه كي يكتشف بنفسه من خلال ثقافته
الشخصية، ووعيه السردي تداعيات العنوان "مظلة في قبر" . وكمدخل عام للنصوص داخل
المجموعة، وكقراءة أولية لعناوين هذه النصوص، يتضح جليا أنها تتراوح بين الجمل
الفعلية والجمل الاسمية. وكلها تتكون من مفردة واحدة باستثناء عنوانين يتكونان
من مفردتين هـما: (مالك الحزين) و (لحظة سلام). وهي خالية من العناوين الأعجمية
أو العامية. كما نكتشف حضور الحكاية والشخصية في النصوص، وذلك داخل قالب
الوحدة الموضوعية، تتحكم فيه تقنية معروفة في هذا الصنف القصصي، وهي ظاهرة
التكثيف والإيجاز يطبعها وضوح في المعنى مع المحافظة على تقنية السرد.
لقد أحدثت القصة القصيرة جدا انقلابا في مفاهيم النص السردي للقصة بصفة عامة،
فاختلف النقاد في إعطاء مفهوم شامل، أو تعريف محدد لهذا الجنس القزم. هناك عدد
من التعريفات التي أطلقت عليها كالومضة، والبرقية، والفكرة وغيرها من الأسماء.
وهذا من منطلق الزاوية التي ينظر منها كل باحث أو ناقد. إلا أنهم يتفقون على
عناصرها السردية التي تشترط الزمان، والمكان، والشخصية، والحبكة كل هذا في
قالب سردي لا يتعدى الصفحة الواحدة من الحجم المتوسط. أي يشترط في النص عنصر
الكثافة في الألفاظ والشمولية في المعاني . ولابد من توفر العنوان الذي هو في
غالب الأحيان مكملا للنص ونافذته.
يمكن أن نتساءل عن خاصية ترتيب النصوص في المجموعة هل هي خاضعة لمعيار فني
تستدعيه الضرورة السردية ؟ أم راجع لأهـمـية كل نص على حدة، بحيث يتم تقديم
النصوص الأكثر قوة في الأسلوب والمضمون على الأقل؟
مهما
كانت طبيعة ترتيب النصوص فلابد أن الكاتب لاقى قلقا وجدانيا حينما شرع في وضع
بنيانه السردي لبنة لبنة كي يعطي لكتابه بعدا جماليا هادفا. ففي حديثه عن تنسيق
النصوص في المجموعة، وعن أول نص وآخر نص يقول عبد الدائم السلامي: « تقوم
علاقة أول قصة بكتاب لغتيري (مالك الحزين) بآخر قصة فيه (تشبيه) على علاقة
طبوغرافية، إذ نجد كل منهما تنتهي بعبارة بين هلالين .جاء في الأولى وقال: "
لقد تغير الزمان يا صغيرتي". وجاء في الثانية: " ...وكتب: " الطريق شريط من
الذكريات". والعبارتان مسبوقتان بفعلي "قال" و"كتب" وهما فعلان ينتميان إلى سجل
الأخبار حيث تمتزج الكتابة بالمشافهة امتزاجا حميميا يؤكد تقارب العبارتين من
حيث فعلهما السردي الساعي إلى دفع المتلقي إلى بلوغ الموقف، وتبنيه اقتناعا أو
قناعا »[2]
الشخصيات:
تتوفر في النصوص جميع عناصر القصة القصيرة جدا من حيث التزام الكاتب بالحيز
السردي المتعلق بالبياض، إذ لا يتعدى النص الواحد صفحة واحدة رغم أنه يشتغل على
القصة القصيرة، والرواية اللتين تتميزان بالنفس الطويل، أو بعنصر التكثيف
باعتماده على التناص والإحالة من خلال توظيفه التقنية المتبعة في كليلة ودمنة.
أولا
بتوظيف الحيوانات و الحشرات كشخصيات رئيسية تتحاور فيما بينها مثل قصة "مالك
الحزين" [ص 13]. (أشاح مالك الحزين عنها بوجهه وقال:" لقد تغير الزمان يا
صغيرتي"). أو فيما بينها وبين النبات مثل النص المعنون ب: " قصة" [ ص 53]. (
فهمست الزهرة قائلة:" رقصتك جميلة" ارتبكت النحلة ودارت خجلها وقالت:"حقا هل
أعجبتك؟"). أو عبارة عن مونولوج مثلما ورد في قصة " النورسة "[ ص 26] . ( تمنت
النورسة لو تستطيع أن ترسو على المركب هنيهة لتستجمع أنفاسها).
ثانيا بتوظيف الحيوانات وهي تقوم بسلوك معين في تعايشها مع الإنسان يحمل في
طياته عبرة، أو حكمة يتعلم منها الإنسان مثل قصة "الخلاص"[ ص16] (....تأملها
لحظة....وكأنها أوحت له بفكرة الانتحار)و قصة "الكلب"[ ص 23] (وأمام ذهول صاحبه
توجه الكلب مباشرة نحو وثاقه ). وهو بهذا الأسلوب يعتصر الألفاظ عصرا كي تأتي
المعاني خالصة من دون شوائب تسقط الكاتب في الشرح والإطناب، كما أن اللجوء إلى
توظيف الحيوانات في السرد هو في حد ذاته للتعبير عن الحرية ،والصراع من أجل
البقاء، والسلطة والمساواة كما هو الشأن في قصة" تأهب"[ ص 44]. فبقدر ما يعتبر
القفص سجنا للعصفور يحد من حريته، فهو في نفس الوقت يعتبر مكانا آمنا يحميه من
القط المتربص بجانبه. وهذا النص له دلالاته المتعددة التي بمكن أن نسقطها على
شتى سلوكات وعلاقات اجتماعية. ونلمس في قصة "لحظة سلام"[ ص 42] أن الغزلان
تتساوى أمام الأسود. وهي حالة سلام بين الطرفين (الصياد والفريسة)لا يمكن أن
تتحقق إلا في حدائق الحيوانات بعدما تحققت منذ زمن بعيد على سفينة نوح. وهي
رؤية فلسفية تأملية توحي بعمق تفكير المبدع، وحسن صياغته للأحداث وربطها فيما
بينها . فالقيود رغم الآثار الأليمة التي تسببها، فهي أحيانا تكون شرطا أساسيا
لتحقيق الخير.
فتوظيف الحيوانات كشخصيات تدفع بالقارئ إلى التساؤل عما وراء السطور. ولماذا
استبدال هذه الشخصيات بأخرى إنسانية. والكاتب لا يسوق الحيوانات إلى نصوصه
مجانا، فهو يوظف الحيوان حسب رمزيته وأبعاده التي تخدم النص، وتزيد من قوته،
و تكثيفه. فمالك الحزين يوحي بالرزانة والهدوء لذلك فهو يسدي النصيحة لليمامة
التي ترمز للضعف وقلة الخبرة. ثم الهدهد الذي ربط حضوره بحضور بلقيس في القصة.
وفي البحر لا يمكن أن يستحضر طائرا آخر غير النورس. وعندما يوظف الحيوان في
علاقته بالإنسان فغنه لا يجد حيوانا أقرب من الكلب. وعلى العموم فالأضمومة
القصصية تحوي (14) نصا وظف فيها القصاص الحيوانات كشخصيات.
في مقابل هذه الشخصيات وظف الكاتب العديد من الشخصيات التاريخية، والتراثية،
والأسطورية. إذ نجد (12) نصا يضم أكثر من (20) شخصية. وكأن القصاص يؤثث فضاءً
شعريا أثناء اشتغاله على النص في القصة القصيرة جدا. وذلك عبر توظيفه للأسطورة،
والتراث بالاتكاء دلاليا على الشخصيات التاريخية. حيث يمزج هذه الرموز بأحداث
من الواقع، ليستخلص عصارة نص سردي من منطلق رؤيته الأدبية والفلسفية والثقافية.
وهو بهذا الأسلوب إنما يعزز الدعامة السردية لنصوصه، ويعطيها بعدا رمزيا وفنيا
يتماشى وما تتطلبه تقنية القصة القصيرة جدا من تكثيف وإيحاء. ويمكن أن نصوغ هذا
في عبارة واحدة تلخص ما سبق ذكره، ألا وهي شاعرية الإيحاء والتصوير في النص
القصصي عند مصطفى لغتيري.
والقارئ
لهذه المجموعة لا ينبغي أن يكون قارئا كسولا مستهلكا فقط. بل عليه أن يكون
متحفزا للنهايات غير المتوقعة في جل نصوصه.وهذه إحدى خصائص القصة القصيرة جدا،
ومتأهبا في نفس الآن للإجابة عن الأسئلة عوض طرحها. بل إن القاص في النص
المعنون بـ:"احتمالات" يضع القارئ أمام موقف صعب لا يخرج منه إلا إذا كانت
ثقافته تتوافق وثقافة الكاتب. والنص هو كالتالي:" أخذ الكتاب بين يديه..متلهفا
طفق يقلب صفحاته..فجأة تملكته بلا رحمة. فكرة أن يتسبب الكتاب في موته"
احتمال أول:
-
إنه يقرأ حكاية الملك يونان و الحكيم .....من كتاب ألف ليلة وليلة.
احتمال ثان:
-
إنه يقرأ كتاب " اسم الوردة" لأمبير طو إيكو.
احتمال ثالث:
إذا تعرفت على هذا الاحتمال ..فإنك بلا جدال تستحق صفة مثقف. [ ص 48]
فالكاتب يوجه خطابه المباشر إلى القارئ الذي يتساءل أولا ويندهش كيف يمكن
لكتاب أن يتسبب في موت قارئه؟ فالكتاب مجرد أوراق مكتوبة. لكن هذا الاندهاش
والتساؤل لن يراود أبدا القارئ الذي له سعة اطلاع، وسبق أن قرأ رواية " اسم
الوردة" للكاتب الإيطالي امبرتو إيكو. فالرواية تدور أحداثها حول كتاب مسموم
يتسبب في موت مجموعة من الرهبان الفضوليين، أو المتعطشين للمعرفة من خلال
تصفحهم للكتاب. وهذه الرواية هزت الأوساط الأدبية، في الثمانينات، داخل
إيطاليا وخارجها. ولا زالت محط اهتمام النقاد في تأويل خصوصيتها الأسلوبية
واللغوية. وفكرة الكتاب المسموم ليست جديدة في هذه الرواية. فقد وردت في إحدى
حكايات ألف ليلة وليلة. وتتحدث الحكاية عن امتلاء جسم أحد الملوك بالبرص. بعد
أن يعجز الأطباء وأهل العلم عن مداواته، يمثُل حكيم بين يديه فيقوم بتخليصه من
المرض.لكن، وبعد مرور وقت قصير، سيتخوف الملك يونان من الحكيم دوبان ظانا أنه
جاسوس، فيأمر بقتله، نزولا عند نصيحة وزيره. إلا أن الحكيم، وانتقاما لنفسه،
سيهدي الملك كتابا ويطلب منه أن يقرأه بعد أن يكون قد ضرب عنقه. طلبٌ سينفذه
الملك متحمسا.
-
وهكذا، وما دامت أوراق الكتاب ملتصقٌ بعضها ببعض فقد كان على الملك، من أجل
تقليبها، أن يبلل أصبعه بريقه. وحينما لا يجد في الأوراق أي أثر للكتابة يواصل
تقليبها إلى أن يسري السم الموجود فيها داخل جسمه. فالقصاص ترك الاحتمال الثالث
للقارئ كي يختبر قدراته الثقافية بينه وبين نفسه، من دون أن يعطيه أية إشارة.
كذلك الأمر في قصة " ديانا" [ص 27] ( في أعماق قلبها طفقت الأميرة تشيد هرم
خوفو.. لبنة لبنة.. حين أوشكت على وضع الحجر الأخير، خاتلتها الملكة .. سحبت من
قاعدة الهرم حجرا.. انهدم البناء، فتصدع قلب الأميرة) فالقصاص يوحي ويلمح في
هذا النص بشكل مكثف يجعل القارئ يسرح بخياله ليستحضر علاقة الأميرة ديانا
بالفايد والحادث الذي أودى بحياتهما، هذا الحادث الذي لازال لغزا محيرا. ومن ثم
يستقرئ أبعاد النص وتداعياته اللغوية.
أما في النص المعنون ب: " دخان أسود" فهو يعطي لحدث واحد أكثر من دلالة. ألا
وهو صعود الدخان الأسود. فهو يعطيه بعدا حربيا تاريخيا. من جهة أخرى يحمل دلالة
دينية. ففي الطقس المسيحي بعد موت البابا فإن الكرادلة يجتمعون في حجرة مغلقة،
ويعقدون اجتماعا سريا. فإذا وفقوا في اختيار من يخلف البابا أطلقوا عبر مدخنة
الكنيسة دخانا أصفر دلالة على أنه تم اختيار البابا الجديد. أما إذا لم يتفقوا
بعد فإنهم يستمرون في إطلاق الدخان الأسود دلالة على عدم اختيارهم بعد.
والملاحظ أن الشخصيات الأخرى لا تحمل أسماء، أو ألقابا فهو يكتفي بنعتها ب:
رجل، وامرأة، وضمائر الغائب والمتكلم، والسيدة، والخادمة، والجندي، والأسير..
عندما لا تكون القصة تتعلق بشخصيات تاريخية أو أسطورية.. رغم أن أسماء الشخصيات
تحمل في طياتها دلالات وأبعادا، وتجعل النص أقرب إلى الواقع.
إن توظيف الشخصيات المتنوعة يتم حسب تنوع رؤى الكاتب الفكرية والأدبية
والثقافية. يرتبها على الرقعة السردية كأنها قطع شطرنج، ليترك للقارئ حيزا
ليساهم في إبداع النص حسب ثقافته هو الآخر، والزاوية التي ينظر من خلالها إلى
الحبكة. ولهذا جاءت النصوص في المجموعة القصصية " مظلة في قبر" متنوعة، ومختلفة
لا تصب في قناة لغوية سردية واحدة. إنما تتنوع طرق معالجته للنصوص. فالكاتب
تارة يعالج النص هندسيا وكأنه يقيس أبعاده السردي، معتمدا على حسابات رياضية
في تركيب الحروف كما هو الشأن في قصة " مترادفات". حيث يوظف عدة جمل مترادفة.
وتارة أخرى يعالج النص سيميائيا، وكأنه يعطل العملية السردية اللغوية. ويعتمد
على الرموز والإشارات من دون أن يفصح. وهذا نلمسه في النصوص الآتية: ( "نظرة"،
و"لعبة"، و"المرآة"، و" انقراض"، و" السيدة"، و" الصومعة"، و" الشبيهة").
فيكتفي بتأثيث النص بعدة رموز يترك للقارئ من خلالها حرية إعادة تشكيل النص
دلاليا.
لقد صاغ الكاتب نصوص مجموعته القصصية عبر إيقاع سريع، وظف خلاله كل إمكانياته
التقنية التي تتعلق بطبيعة القصة القصيرة جدا.وذلك بالاعتماد على الإيجاز الذي
يدعمه أحيانا بظاهرة الحذف، والإضمار، والتي يُلَمح من خلالها إلى المسكوت عنه
من دون توضيحه، أو فضحه. وكذا بالاعتماد على تناسق الأحداث وتسلسلها من دون أن
يعمد إلى الغموض المجاني. الذي يخل بجسد النص ويبتر أحد عناصره الفنية.
وكان من شأن إضفائه بهارات فلسفية على نصوصه أن يجعل من القصة القصيرة جدا نصا
سرديا شهيا لكل باحث عن المعرفة والحكمة. بمعنى أن النص في مجموعة " مظلة في
قبر"" نص بناء مؤسس لوعي وثقافة واعدة.
نخلص أن الكاتب تعمق بشكل جيد في نفسية الشخصيات. وكشف حقيقة مشاعرها،
ونواياها، وأفكارها الدفينة. تارة يفضحها ويعريها. وتارة يجبر كسرها، ويداري
عيوبها لأغراض تخدم فنية النص. ولهذا نجده اعتمد على ثلاث أدوات تقنية تمثلت في
الثنائية، أو توظيف مفردات متقابلة كالخيال والحقيقة. والمرجعية من خلال
اعتماده على شخصيات ثقافية وتاريخية وتراثية. ثالثا انزياح المعنى عبر توظيف
تقنية اللعب بالمفردات، والتعابير القابلة لأكثر من معنى، وتأويل.وهي معاني
مجازية تزيد من كثافة النص وتجعله غثا على مستوى السرد.

مصطفى
لغتيري
- المغرب
laghtiri1@yaoo.fr