
قصة

عبد الله المتقي
*
حين
كان التهديد يتراجع, كانت فترة صمت طويلة تمتد. ربما الكبار فيها كانوا
يفكرون في حجم الخسائر وما يتوجب القيام به في اليوم الموالي. لكن الاحساس
بالخوف كان يبقى طاغيا لدى الصغار. و من ثم كان يترسخ لديهم احساس بأن
الليل غير آمن, و النهار وحده من يمنحهم هذا بالأمن لكن الى أين تمضي الشمس
بعد اختفائها ؟ كيف يتوالد الليل و النهار ؟ و لماذا لا تتهاوى النجوم رغم
أنها لا تبدو عالقة بشئ ؟...
أسئلة كانت تتناسل لينتهي الامر بالسؤال عن الله و ترسم الحرج على وجوه
الكبار و تخلق خوفا مما قد تقود اليه مثل هذه التساؤلات. و بسرعة كانت
المبادرة تسحب منهم فيتحولون من متحدثين الى مستمعين. و على الفور كانت
تخبو تلك الأشعة الكاشفة المتلهفة لمعرفة أسرار كبيرة لعالم يبدو كان
بسيطا.
على الفور كانت تبدأ حكايات. ربما كانت تنسج تلك اللحظة, و ربما كانت تستقر
في ذاكرة ثاقبة و قد حفظها راويها حين كان بدوره صغيرا.
العيون كانت تتركز على الراوي محاولة تتبع مسار نظراته و تبحث في أقصى مدى
يرصده بصره لعلها تقع على موصوفاته و تستغني بذلك عن وساطته. غير أن هذا
المسعى سرعان ما كان يبدو غير مجد. لأن التركيز لم يكن يتطلب عيونا جاحظة
بل آذانا مرهفة السمع, و مخيلة تشتغل بأقصى طاقاتها لتفرز هيولى تشكل
مخلوقات تستعجل تجسيدها لتجري خلف تفاصيل حكاياتها.
لكن هذا بدوره لم يكن ممكنا . الاندهاش لمجرى الحكايات كان يبلد الحواس و
يبطل مفعول المخيلة فتصاب بالعقم. و تسارع الأحداث لم يكن يسمح بتشكيل
الصور على مقاس المزاج. غير أن الوضع كان يقتضي رفض للتعامل مع أشياء
مجردة. و لهذا لم يكن بدا من الاستعانة بصور مخلوقات جاهزة تشخص شخصيات
الحكاية.
رسوم كانت وقتئذ قد غزت كل البيوت و التي لم يحاول مبدعها تأريخ حياة
الانسان من بدايتها فقط , بل و أن يظهر سطوة الانسان على كل المخلوقات.
فمن مشهد لآدم و حواء في الجنة و حولهما كل عناصر الأزمة التي أفضت بهما
الى التشرد , الى لقطة تذكارية للنبي سليمان في حضرة الجان , فالى علي يقطع
رأس الغول ....
رسوم كانت تنزل بكل ثقلها على المخيلة و تحد من استقلالها في رسم تفاصيل
الشخصيات. و من ثم صار الجن مخلوقا بذيل قصير و قوائم حيوانية وذقن حاد
تنتهي بلحية حادة.و عيون كبيرة جاحظة يحيطها حاجب كثيف. والغول ذو رأس
مستدير و بطن في حجم برميل. و الغولة هي أيضا كذلك مع شهية كبيرة للاتهام
الأطفال..
كل شئ يصبح جاهزا , وما على الراوي سوى ان يحرك هذه الصور في الاتجاه الذي
يراه مناسبا.
حكايات كانت ابحارا حقيقيا في بحار الرعب . ماؤه مزيج من دماء و لهيب بكل
الالوان, وخيوط دخان . هديره خليط من صراخ و صيحات غضب و ضحكات استخفاف و
دعوات تحريض لاعتراض الابحار.
الغوص لم يكن سهلا. السفينة كانت دائمة الترنح, ومن عمق المحيط كانت ترتفع
أكف و سواعد في حجم جبال محاولة امساك جؤجؤ السفينة ...لكن الراوي كانت له
القدرة على المراوغة و الانزلاق. الركاب كان يبحثون على أمن أكبر و لذا
كانوا يتحصنون في الداخل ومن ثم يزيدون التصاقا بالراوي الذي كان يدرك أن
عليه الرفع من سرعة السير أوتعديل خط مساره باختيار مرفأ قريب يرسو فيه و
ينهي الحكاية
لكن تلك المخلوقات لم تكن لتنسحب من المسرح مع انتهاء الحكاية. اذ يتضح
أنها استطاعت أن تغالط الجميع اثناء العبور و تمكنت من فتح مسارات باطنية
لتسكن في عمق الحواس .....يتبع
_________________
* عبد الله المتقي - المغرب
المدونة :
خريج المدرسة
العليا للمدرسين بمكناس
أستاذ اللغة العربية
عضو تحرير مكائد شعرية
عضو اتحاد كتاب الأنترنت العرب
صدر له عن وزارة الثقافة " قصائد كاتمة الصوت"
ويصدر له قريبا " الكرسي الأزرق " – قصص –