قراءة أدبية
نزار ب. الزين*
((
على كثرة ما كتبت عن الحب نثرا و شعرا – صدق
أو لا تصدق – تزوجت على الطريقة الشرقية بلا ذرة حب . قادتني أمي من يدي عصر
يوم و ذهبت بي إلى بيت محمد أفندي سكر ، ثم دخلت سعدية بفنجان القهوة و قد ملأت
وجهها بالأصباغ ، فلم تعجبني القهوة و لا سعدية ، و لكنني خجلت أن أرفض و خفت
أن أكون السبب في أن ينفض الاحتفال ؛ ثم دفع والدي - الشيخ عبد الصمد – المهر
فجاءت العالمة ( الراقصة ) تزفني إلى من لا أعرف !. ))
******
هذا المقطع من ( مسافرون بلا زاد ) يمكن
اعتباره الخط الرئيسي للرواية ، يتشعب الكاتب منه قليلا و لكن سرعانما يعود
إليه ، لأنه أيضا الخط الفرضي الهادف إلى إقامة موازنة بين طوباوية الجيل
الصاعد حول علاقة المرأة بالرجل و الواقع الذي سيواجهونه بحلوه و مره و خاصة
عندما يكون المناخ الثقافي فيه اضطراب .
طفرات التحول الثقافي تخلق في العادة صراعات قد
تكون حادة أحيانا فتزلزل المجتمع لتتساقط الضحايا من بعد ، و قد تكون هادئة غير
محسوسة إلا في نفوس أفراد أو على ألسنة ثلة من الشباب الحائر .
أرضية الأحداث هي مدينة الاسكندرية ، مجتمعها
المطل على العالم الخارجي عبر المتوسط منذ وجدت ، هو مجتمع مدني منفتح بطبعه
و يحمل استعدادا دائما للتطور ، و لذا فإن المستجدات - و هي في الرواية ظروف
الحرب العالمية الثانية و ما رافقها من تواجد مكثف لجنود الحلفاء و تواجد أكثف
لأموالهم - لم تكن لتزلزل بنيانه المرصوص إنما أفلحت فقط بهزه ؛ و يتفاوت
تأثير من موقع لآخر ، ففي موقع عائلة متفككة مضطربة كعائلة اسماعيل ، أو عائلة
منحلة كعائلة رشيدة ، أو عائلة متوازنة كعائلة عبد العزيز أو عائلة تتقدم و لكن
بحذر كعائلة ناديه ، تفاوت التأثير بين مدمر و مكدر و معمر .
محمد عبد الصمد هو بطل الرواية الرئيسي و يتكلم
الكاتب على لسانه و يلتف حوله أبطال أساسيون هم زملاؤه في المدرسة الثانوية ثم
في الجامعة إضافة إلى أبطال ثانويين يمرون عرضا .
ينحدر محمد عبد الصمد و زملا ؤه من طبقات
متفاوتة ، فهم نماذج لها و ينفرد كل بفلسفته و نظرته إلى الحياة و لكن يجمعهم
قاسمان مشتركان عزز كل منهما الآخر ، الأول منهما حبهم المتبادل و احترامهم
لبعضهم بعضا الذي حول زمالتهم إلى صداقة أما الثاني فهو إيمانهم بضرورة التغيير
.
**********
من هو محمد عبد الصمد ؟
و من هم اسماعيل و عبد العزيز و بهجت و صلاح ؟
فلنحاول أن نتلمس سمات شخصياتهم بين سطور الرواية .
لنستمع إلى بهجت و هو يفلسف النفاق (( يبتدئ
النفاق من سن المراهقة حين ينتبه الفتى إلى شيطان الجنس الذي استيقظ داخل جسده
، يخشاه ، يخفيه عن مجتمعه ، و لكنه يخلو إليه طويلا طويلا ، يندم و يعود ،
يتظاهر بالبراءة و يعود ، و يكذب و يتألم و لكنه يعود ، ثم يأتي الوقت الذي
يعود فيه غير نادم أو متألم ؛ و عندما يطمئن إلى عادته السرية ، يكون قد أتقن
الدرس الأول من دروس النفاق الإجتماعي إذ يرتاح إلى وجهين من وجوه الحياة ،
أحدهما متخفي و الآخر ظاهر تمثيلي )) .
و لنتعرف على إسماعيل فنصغي إليه يتحدث عن
أسباب إصابته : (( كانت حفلة و بدأنا استعمال السلاح المدني ، قذفت أخي بإبريق
الشاي فقذفني بكرسي ، مسجلا إصابة مباشرة في رأسي و ارتفعت الأصوات و جاء عسكري
الدورية كالعادة ، صاح بهجت ، يا لها من عائلة ، فابتسم اسماعيل ساخرا و
بمرارة قال :- عائلة ؟ بارك الله فيك ! إنه مجرد تناسل ! ))
و لنصغ إلى رأي محمد عبد الصمد باسماعيل : ((
نلتقي به في المدرسة و لكن لا نذهب إلى منزله و لا ندعوه إلى منازلنا ، فقد كنا
نعلم أن له حياته الخاصة خارج المدرسة و على الأخص شارع ( ألبير ) الذي
ازدهرت بؤراته الليلية بإقبال الجنود الانكليز خلال الحرب ، عرفنا أن له
علاقة وطيدة بإحدى المحترفات المدعوة ( أم رشيدة ) ، عرفنا كذلك أن له علاقة
غريبة بجندي انكليزي اسمه جورج من رواد الشارع إياه ، صداقة ليلية تنقشع مع
الفجر .))
و صلاح ، من هو ؟ لنصغ إليه : (( من قال أنني
أطلب الشفاء ؟ لقد بدأت حياتي الحقيقية منذ عرفت ناديه و عرفتك ، الصداقة و
الحب يهبطان معا و على حين غرّة على قلبي الذي جف من طول الخواء ، و كأنني لم
أعش من قبل ، ناديه هي الخيط الرقيق الذي يصل بين عالم المادة و عالم الروح
، أحيانا أكاد أومن بإنها ملاك تجسد مؤقتا ليؤدي رسالة خاصة و أنني وحدي من
بين الناس اكتشفت ذلك ، و لن أدهش إذا رأيتها تتحول فجأة إلى طيف شفاف ينطلق
إلى السماء )).
و ناديه هذه التي تكاد تستحوذ على البطولة
النسائية في الرواية ، ترى من هي ؟ : (( أما ناديه فسرعانما تعرفت بالعديد من
الزملاء ، دخلت ميدان التعارف فجأة و لكن بحرص ، مسلحة بخبرة واضحة في معرفة
حدود ما يجوز و ما لا يجوز ، فوزعت إبتساماتها الرقيقة بكرم محسوب ، و تنافس
الزملاء في طلب رضاها و أداء الخدمات لها ، و لكنها بنظرة واحدة جافة ، استطاعت
أن توقف كل تجاوز ، و هكذا نالت إعجاب الجميع بقدرتها الذكية على أن تدفئ
القلوب دون أن تحرقها .))
و إذا كان صلاح روحانيا في نظرته إلى المرأة –
هذه الروحانية التي ستحلق به في عالم المثل النورانية حتى تحرقه - . و إذا انحط
اسماعيل بعلاقاته النسائية إلى درك شارع (ألبير) ، و إن كان عبد العزيز قد
تسامى بميوله النسائية فعوضها بالموسيقا الكلاسيكية دراسة و عزفا ، فإن محمد
بن الشيخ عبد الصمد كان أكثرهم واقعية و ربما أكثرهم إزدواجية و خاصة من خلال
نجاحه بالتوفيق بين ما كان يسميه – بينه و بين نفسه – بقاذوراته ، و بين
مبادئ والده الشيخ عبد الصمد ، التي ظل ملتزما بها حتى عندما أدرك أن شيطانه
لا يمكن مقاومته : (( إسمع يا اسماعيل ، باختصار أريدك أن تصحبني معك الليلة
إلى شارع - ألبير - )) نظر إليّ ذاهلا متأملا و كأنه ينتظر مني تفسيرا و
بدا عليه أنه لم يفهم بعد إلى أي مدى أريد أن أذهب ، و يبدو أنه لاحظ عليّ
علامات الجهد الذي أبذله لكي أضيف مزيدا من الايضاح في صياغة مقبولة ، فأسرع
إلى القول :- " و لا كلمة ، لقد فهمت و هذه فرصتي لأقدم إليك خدمة . "
ترى كيف تكونت نظرة محمد عبد الصمد عن المرأة و
الجنس ؟ و هي نظرة فيها واقعية و لكن فيها ايضا قسوة و أشارت إلى إلى أن
الرؤية كانت من ثقب خلال ثقب صغير ، ربما توضح لنا المقتطفات التالية ذلك .
·
فوالدتي هي الأخرى متدينة و رصينة و كان أكثر ما تردده على
أسماعنا عبارة ( عيب يا ولد ) ، إذا كانت الغالبية العظمى من تصرفاتنا
البريئة تدخل من وجهة نظرها في نطاق العيب ، فما بالك بتصرف الشيخ عبد الصمد
ليلة زفافه ؟ و لكنني استدرجتها ذات مرة في سانحة من سويعات الصفاء ، إلى
الحديث عن صباها المبكر قبل الزواج فتبين أن أن أباها أخرجها من المدرسة في
سن العاشرة ، و ألزمها البيت منذئذ ، و زوجها بأبيه دون أن يتعرف عليه بل اكتفى
بتزكية صديق .
·
جاءت سعدية زوجتي لتسألني : لماذا أسهر وحدي و قد نام الأولاد
؟
و بنظرة زوجة ماكرة أفهمتني ما الذي تعنيه ،
ففي هذه الليلة بالذات كان يجب ألا يطول سهري ، فهي من الليالي الشرعية ! نام
الأولاد كلهم حتى كبيرهم هاني الخبيث الذي بدأ يتجسس علينا خفية و نتجسس
عليه خفية .
و ارتدت سعدية قميص النتوم الوردي الذي أثبتت
التجربة أنه يثيرني على غرار الثيران الإسبانية .
* و أخيرا توقف تيار الفكر و جرى الدفء في
أوصالي فتحركت ببطء لكي ألتفت إليها فإذا هي تنتظر ، اقتربت من وجهها حتى لم
أعد أرى إلا رشيده ، كان وجهها هادئا صافيا مبتهلا ، اندفعت إليها كأنما
تقودني قوة مبهنة مقرونة بحنان دافق ، و برقة و بحماس يكاد يفجر العروق ، و
بعينين تبكيان من فيض العاطفة المكبوتة .
* تجاوبت رشيده و اكتسى وجهها جمالا هانئا و
كأنها تتلقى أروع هبات الدنيا ، عيناها المنكستان في استسلام لا نهائي ، تبدوان
كعيني شهيد في لحظة استشهاد .
* إنها ليست مجرد أنثى فاتنة بل إانها مصنوعة
من مادة الفتنة فهي فاتنة في كل أحوالها ، هي عزف رقيق مستمر على أوتار
القلب ، و مع ذلك كرهتها ، نعم كرهت( ناديه) بقلب محترق ، كرهتها لأنها كانت
فتاة مصرية طبيعية ، واقعية ، عاقلة ، لم تفهم جنون عواطفنا ؛ كرهتها لأنها
أشعلت في نفسي الصراع ، كرهتها لأنها نبذت صلاح بغير تردد بمجرد أنها أحست
طبيعته الشفافة الخيالية الحزينة ، فخافت على نفسها من المأساة .
* أصبحتأستطيع القول أن المرأة بصفة عامة
أكثر توازنا من الرجل و أكثر واقعية و أكبر قدرة على التأقلم و الارتباط
المستمر بماديات الحياة و هي أرهف إحساسا بمكامن الخطر و أبرع في قيادة سفينة
المصير بعيدا عن الزوابع ، و إذا كان يمكن أن يكون لها مبدأ ثابت فهو الحرص
ألا يكون لها مبأ ثابت ، لذلك فإن المرأة هي التي تقود ركب الحضارة على هذه
الأرض .
* محمد عبد الصمد عرف إذا المرأة منطوية
متقوقعة بين جدران منزل الزوجية و سياج الحرام و العيب في صورة والدته ، و
عرفها ممارسة في الليالي الشرعية ، ولودا ، حلوبا ، في صورة زوجته ؛ و عرفها
تقتحم ميدان الاختلاط بتحفظ و حذر - تخترق و لا تخرق – في صورة ناديه . و عرف
المرأة كذلك في دورها الحيواني من خلال صورة رشيده ؛ فهو عرفها في جميع
الأحوال متطرفة ما جعله لا يحترمها إذ لم ير فيها غير الجنس مقبلة عليه أو
نافرة منه ، و السؤال المطروح : ترى هل الدكتور علي البارودي الذي يمثله –
على ما أظن – نحمد عبد الصمد ، يؤمن بأن المرأة هي كذلك ؟ ثم ماذا يقصد
بإصراره على تحديد هوية المرأة التي يعنيها بأنها المصرية – دون سواها – هذا
الإصرار لم أفهمه .
و فيما عدا ذلك فالرواية نجحت في نقل وجهة نظر
كاتبها بعمق و دراية ، كما نجحت في إيقاظ ذكريات الشباب يوم كان و كنا
نحاول مشاركة ( أفلاطون ) في بناء مدينته المثالية ، بأسلوب سلس و
عاطفة معبرة مصورة لا تخلو من بعض شاعرية ، إضافة إلى لغة مكينة أثرت أسلوب
الذكريات ، و كذلك كانت عقدتها ناجحة سواء في بلوغها الذروة خلال مأساة صلاح
التي اختتمها بانتحاره ، أو خلال حلها بهدوء بزواج ناديه و دعوة أعضاء الثلة
إلى الفرح ، ثم بزواج محمد ؛ ثم بتباعدهم جميعا ليسير كل في دربه المستقل
على أرض الواقع بحلوه و مره .
------------------
*نزار
بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
الموقع : www.FreeArabi.com