[WW.FreeArabi.Com

 السنة الخامسة - العدد 54

أناهايم / كاليفورنيا -الولايات المتحدة الأمريكية

صفحة الغلاف

الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية

من المحيط إلى الخليج

www.menalmuheetlelkaleej.com

مسائي

وآخر قطرات ضوئه

قصة

ليلى البلوشي

.
       
مسائي
متشعب اللحظات، إنني أستجدي آخر قطرات ضوئه.. يأسرني وجوم قطتي الجارة ، التي تعودت مواءها الليلي مع مسائي متشعب اللحظات .. لم أعد أدرك كنه الأشياء ، إنها تتضاءل كجسد نملة وتتضخم كجسد فيل ولود .. لم أكن أعني شيئا من تمخضي في الأشياء الموسومة بالغرابة ، أو أن أقف منها موقف مستكشف الماس ذاهل العينين دائما من إغراء لمعانيها والمستفسر أبدا عن سرها الدفين ..

أيُّ مساء هذا ؟! إنه يتشعب أكثر وأكثر ويبدو في صفته كالدوائر التي أحدثها سقوط حجر مستفز في بحيرة صامتة.. وفراشتي الحلوة، تغادر شرنقتها.. إنها تغدو كأنثى في ربيعها الخامس العشر، تنضج كالتفاح ببطء خبيث، كما يلحظ معظم الرجال، كنت كثير الملحوظات في صغري، كما كان لساني كثير التساؤل.. حتى معلم العلوم والفلك كان يستاء من لساني المتسائل ؛ ظنا منه أنني كبقية التلاميذ استهلك بأسئلتي المسكونة بالدهشة ضياع هنيهات من الحصة المتبقية في اللَغو المتخبط ، لكن عادة التساؤل باتت تقض مضجع أجندتي ، وأشعر معها كأنني ضائع في بالون منتفخ ، ويزداد انتفاخه مع زيادة سنوات من عمري المجيد .. إنها تقف كحجر ثقيل في حنجرة الصوت ، لهذا ألغيت حقي في الصراخ وبات الصمت لصيقي الدائم ، وغالبا ما اكتفي بالإشارات ، كتحريك الرأس واكتسبت بها عادة جديدة كان قد اعتاد ممارستها سكان هنود الحمر ..

يال هذا المساء المتشعب اللحظات ، معه اجتر ذاكرة فعل ماض " كان " لعلي استجدي آخر قطرات ضوئه ، وقطتي الجارة تموء على الحائط المشروخ ، إنها ترمقني بعينيها البراقتين الشرستين ، غير أنني اليوم أراها .. كما كنت أراها كل يوم .. ويتسلق نظري السماء ، فأرقبها متدثرة في حضرة النجوم الساهرة ، وكأنني معها أستفسر عن ما " سيكون " بعد غرقي في مجاهل " يكون " التي ما تزال تستنزف من يقيني ووعيي .. ولا أعلم أين هو وعيي منها ؟! كالمعلّق على مشجب التفاصيل في جزء من هذا الكون هو جسدي .. الذي أخذ ينمو مع البقرة التي أرضعتني أمي من حليبها بعد أن جف نهدها من عين حاقدة ، لازلت أذكرها .. تلك النظرات المحدجة حسدا يوم إدرار الحليب من نهد أمي وأنا في لذة أمص واستدفئ من نهل شهيقها البض ، وكانت هي خالتي تلوك ببضع نظرات .. ويومها فطم حقي الشرعي في الرضاعة قبل تجاوزي سني القانوني إلا من حليب البقرة ، ومن تلكم الحادثة اكتشفت قدرتي الخارقة في قراءة الأعين ، وهذا ضاعف من حجم عذاباتي .. إنني أتصادم في اليوم الواحد مع أعين كثيرة ، أعين تقتلني ، أعين تلتهم قوتي ، أعين تستبيح جسدي ، أعين تنافقني وأخرى تشفق علي ّ ..

كم متشعب مسائي هذا ، إنني في حضرته أستجدي آخر قطرات من ضوئه .. والقطة إنها ترمقني بذات النظرة كالعادة.. وأشعر معها كأنني أدور حول حلقة مفرغة .. والعقل الذي يحتل الجزء الأيمن من جمجمتي يتساءل ويتساءل، والأجوبة إنها كالمفاتيح في فضاء فضفاض موغل في أبوابه المنتظرة الفرج .. ! تعودت معها على عادة التساؤل، وعلى عادة الأجوبة الحبلى.. إنني أكبر ويكبر معها جسدي .. عقلي .. قلبي وأشياء كثيرة .. وآن لي أن أبوح بشيء يسحق داخلي ، يزلزل كياني ورأسي.. شيء ما يقودني كالأبله إلى التصرف المتهور والسهر الطويل واستماع بنفس طويل لأغاني العتيقة في المذياع التي كنت أضجر منها في الماضي ، واليوم اطرب مع كلماتها مترنما ، فيطفر الدمع من حدقتي ويقطر جبيني بللا ، تنتفض كل خلية من خلاياي كمس الكهرباء ، تنتابني هذه الأعراض كلما قابلت في طريق عودتي من عملي ككيميائي حشرات ، الفتاة ذات الشعر الأشقر كسنابل القمح في توهج الشمس كانت خصلاتها تتطاير بكل غنج مع نسائم الهواء .. إنها أضحت كالحشرة الضارة تلعق من دمي ، وتطارد أحلامي كالأشباح المخيفة ، فأرج معها ارتعاشة وجع ، وترتفع درجة الفهرنهايتية لجسدي الرطب ليفوق معدله الطبيعي .. إنها تختلج قيعاني وتعصف بكلِّي ، إنني أضيع ولا أعرف كنه الأمر .. لم أجرأ أبدا على محادثتها ، كنت أكتفي بنظرة أو نظرتين حتى يقطر جبيني بللا ، ويسيل الزغب من فمي ، فأخجل من وضعي المزري وأهرول خائر الرأس ، كنت أعرف أني سجين عقدة الخجل هذه.. وكم حاول والدي في صغري أن يحررني منها ، لكن محاولاته كلها باءت بالفشل ، جدتي الوحيدة التي كانت تعرف سر عقدتي ، واكتشفت ذلك يوم مبيتي في بيتها تلك الليلة وعلى فراش جدي الذي غادر الدنيا قبل أن يتحسس وجهي أضحيت تحت رحمتها ، إنها كشفت سر خجلي الدائم ولكنها لم تفضحه لكائن ما .. بعد زواج الفتاة ذات الشعر الأشقر وصلني أنها كانت تعاني من الأعراض التي مررت بها طوال تلك الفترة ، بعد أن أقرت صديقتها بذلك لي .. غير أني اكتفيت بالصمت وبشيء اسمه النسيان بترت ذاك الجزء من سجلي ..

كم هو تعيس أن يحيى الإنسان وهو غريب عن ذات نفسه ، تجتره طفولته الراحلة فيغدو كالرحى في استعادة ذكراها ، إنها ترهقنا وتستفيض خوض أمرها كي تستلهم ما بي أنفسنا الرقراقة من لحظة مضت معلنة عن وداع بلا عودة أو عن ساعة ذاهبة أدراج حزنها المنتظر .. ما أتعس ولهي لها وما أتعسها بي ..!

لكن ، لِم َ نحن البشر نختصر الذكرى في ألم عاصف يقطِّع أوجاعنا فتتلبسنا أطلالا وتسكعنا على قمم دهاليزها سكرى بحثا عن حقيقة ما كانت قد أرخت في أدراج ِ سبيلها بلا أثر نافض كوهم يغتالنا رغم علمنا التام باحتضارية وجوده ..!

منذ سنوات ، عندما بلغني أني كبرت ، كان هناك شك ما يقاتلني بأني أعيش في وهم كبير اسمه الحياة ، وما الحياة لشخص مثلي .. ما الحياة له ..!
لكنني اليوم استيقظت على يقين وهو أني كالجاثوم .. أرهق نفسي والآخرين بلا معنى ، بسرمدية يخالطها خصمان لا ثالث لهما السادية والماسوشية حد الإغراق ..

يبدو إنني بدأت أتقيأ بقايا صمتي الدائم ، إنها تفضح تعلثمي ، وتنذر عن عقليتي المعزولة عن هذه الحياة ، إنها غربتي .. ما حفلت على حالها لم تتغير مذ خرجت من غياهب ذاك الرحم المظلم وأنا يشوبني الصمت، لا أدري لِمَ لمْ يتدلى لساني يوما بالصراخ، ِلم َ كنت جبانا أمام مصطلحات الرفض والتذمر، وأمام كل لغة مستفزة بمطالبة الحقوق.. ؟!!
متى تذوقت شيئا اسمه " الحرية " ؟! لماذا لم ارتكب جريمة باسمك أيتها الحرية كغيري من البشر المحيطين من حولي فاتعذر فشلي بك ..؟!

لا أذكر أن قواميس حياتي أحاطت بشيء من هذا المعنى ، آه ، مابال فلسفتي اليوم أراها تتمخض في المحضورات ، حتى لسان حالي غزاه الدهشة من تأملي لهذه المفاهيم الضائعة عن خارطتي ، يبدو أنني فعلا متعلثم .. بلى أنا متعلثم ، والوجود متعلثم بي وعقلي متعلثم وقلبي ربما كذلك ولياليّ متعلثمة ومسائي ، آ .. كم متشعب مسائي هذا في لحظاته ، إنني استجدني آخر قطرات ضوئه وقطتي الجارة إنها.............