الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

صفحات خاصة

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

   مرثية ذاتية

خواطر قصصية في حلقات

           خاطرة رقم (1)

                                    

الأستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

                                                جامعة جدارا/ الأردن

 

                                               

 

   حكمة بدون عنوان

 

     أهون على المظلوم أن يكون نزيل السجون من أن يكون الظلم عنوانا له في كل مكان وفي كل الشؤون. قد يكون المظلوم أشبه بسمكة في علبة سردين، لكن العناوين تقود الحر إلى الجنون. صاحبنا ذاك في بؤرة الضوء وإن عزلته جدران السجن. أمّا هذا الحر الطليق، فهو في بؤرة الجور، يتوسم بمن كان طريقه إلى الجلجلة. إنه يدخر أنينا بعد أنين إلى يوم القيامة. ما من مظلوم سجين إلا ورسم تقويما على جدران زنزانته بانتظار ساعة الفرج، بينما يظل صاحب العنوان يتأمل التقويم الذي رسمه الجلاد على جدران بستان الزيتون بانتظار نزع الروح عن الجسد. وهذا التأمل أسوأ أنواع التألم الذي يسبق الصلب. كل الجروح تندمل، إلا جرح ذلك العنوان الذي لايقاضيه سوى رب الأكوان. عندما تتحمل نصف قرن من الشقاء، فهل تحتاج بعد إلى مرثية من الأصدقاء بعد فناء؟ أما تصلح هذه الكلمات لأن تكون مرثية، قبل أن توافيك المنية، بل حكمة من حكم البلهاء الذين ما ورثوا عن هذه الدنيا سوى العزاء في صمت، وكأنهم غرباء في وطنهم؟!

الموصل في 7/1/1999

 

ب‌.         فلسفة

 

كلما رضعت من الفلسفة أجد نفسي ما زلت في مهد الفلسفة. حليبها لاينضب. تعطي لمن يشاء، حتى وإن أساء إليها. ربما كانت هي مريم العذراء، يرى البعض فيها نورا لقضاء بعد فناء كي يلتقيها في السماء، بينما يراها البعض الآخر أمّا لمسيح يأتينا كل شتاء. وبين البعضين بعض يتأمل المصلوب بين ثدي أرضي وآخر سماوي دون عناء، جل غايته أن يعرف هل شبّه به، أم مات وقام وصعد إلى السماء. وبين هذا وذاك حقيقة أن الفلسفة هراء وافتراء على الحقيقة عندما يصبح المنطق السفسطائي عنوانا لها، كأن نقول أن لكل بداية نهاية ولكل نهاية بداية، لنحصل على ناتج رياضي نشكك اليوم بصحته، وهو أن البداية بداية والنهاية نهاية (بالاستعاضة)، دون الأخذ بعين الاعتبار أن بداية النهاية هي نقطة في أعلى سلم النهاية. وهي حالة تختلف جوهريا عن النهاية التي في أسفل سلم البداية. ترى ماذا يمكن أن نطلق على نقطة تقع مابين البداية والنهاية قبل أو بعد المنتصف بقليل؟ أهي الحالة الحرجة، أم نقطة التّماس؟ إنها أسئلة على شاكلة عمن تكون، وماذا تريد، وماينبغي أن يكون الكون عليه، وأنت ما زلت طفل رضيع!

الموصل في 11/3/1999

مرثية ذاتية لها بقية...

خاطرة قصصية رقم (2)

أ.د. دنحا طوبيا كوركيس

 الأردن/ جامعة جدارا

        على خطى غادة السمّان، ولكن... بتصرف!

"وأنا في الوطن كنت ابكي شوقا للرحيل ]من منفى رقم واحد[ إلى المنفى.."

وأنا في الوطن كنت أتحرّق   شوقا للتغيير أو "للرحيل إلى المنفى"..

حدث ]التغيير[ .. وسبحان مغيّر الأحوال!

هدأت الريح "الصفراء" شرقا، وتلتها النفطية "السوداء" جنوبا فأخمدت. ثم هبّت أخرى رمادية رملية فقمعت في عقر دارها. توجهت شمالا فكانت وبالا. امتزجت بريح باردة سبّبها منخفض جوي قادم من البحر المتوسط. ابتهج أهل الشمال بخير المطر القادم، لكن السماء الملبدة بالغيوم السوداء زمجرت فأعلنت الحداد لمدة سنتين وكان الجفاف بديلا! وما كان بيد دجلة والفرات حيلة سوى "الصمود" و"النصر" أو "الاستشهاد"!!!

في وقتها سألني (رفاق): كيف ترى العراق؟

وبلا تردد، جاءت إجابتي (بالأنكليزية): من سيء إلى أسوأ.

كان ذلك مطلع عام 1991. وبحلول الربع الأخير من عام 1999، كنت قد أنفقت ما ادّخرت خلال ربع قرن من العمل المضني، لأن راتبي آنذاك لم يتجاوز الأربع دولارات شهريا!

"كنت أبكي شوقا للرحيل" إلى منفى أفضل..

جاء يوم الرحيل (وبقدرة قادر، كما يقول العراقيون)..

رحلت إلى (وطن) من أوطان الأمام علي (رض)، فضربت في بلاد يعرب مضربا..

وجدت وعائلتي فيه مأوى وقتيا بتوجيه من رب العمل وعلى حسابه ( في فندق ترتاده شلة من العاهرات العربيات كانت تقهقهن فوق رؤوسنا وتتخاصمن على الزبائن كل ليلة!!!!).

وجدت فيه المأكل والملبس (والرواتب المؤجلة حتى انقضاء السنة الدراسية!!!).

وجدت في واحدة من أفضل مكتباته، عام 2000، أحدث كتاب يقول لي:

"معليش، أنا مطبوع عام 1985، لكنني بحاجة إلى (غسيل وكوي) لو سمحت!"

ترفقت به، فأزلت الغبار عنه..

عندما استعرته وبدأت أتصفحه من حين لآخر، كان يبتسم ساخرا ويقول لي: " سبّابات رجال الشرق تداعبني وتناغيني، وأنامل نساء الغرب عاجزة عن أن تغريني ".

ربما كان الكتاب أفصح مني! ومع ذلك، فقد أغاظني لهذا التمايز!

أطبقت على فكيه فأخرسته، ثم أقفلت به راجعا إلى حيث ما كان قابعا ليكسوه الغبار من جديد!!!

لم أكن مدركا حينئذ أن أسلافه في هذا (الوطن) قد تم حرقهم على طريقة (جان دارك)، وأنه كان محظوظا إذ بقي على قيد الحياة!

رجعت إلى نفسي بعدما كان لهذا الكتاب فضل على صحوتي من غيبوبتي، فوجدت نفسي "مغتربا" في (وطن) أشعرني بالحنين إلى منفاي الأول!

ما أنا الذي أطلقت هذه التسمية على نفسي، إنما هكذا شاءت السلوى والبلوى، بينما بقي المصران الأعور يتلوى!

لا أخفيك سرا أيتها الياسمين الدمشقي...فقد وجدت ما لم تجدينه في باريس!

ختم الضابط المغلوب على أمره جواز سفري في دائرة الإقامة. أتعلمين كم كانت فرحتي في وقتها؟ أتعلمين لماذا؟ كانت لا توصف...

 ببساطة: الختم = صرف الرواتب المؤجلة جملة وتفصيلا، بعد اقتطاع 33% منها للضرائب!

 ومع ذلك، فأنهم يشعرونك بأنهم يسدون لك جميلا، وكأنه (مكرمة!) من مكارم المنفى رقم واحد.

لم تدم فرحتي طويلا، يا سيدتي...

كنت ساعتها فضوليا...

وقعت عيناي على ملاحظة في أسفل الختم تقول:

"على أن تجدد الإقامة قبل شهر من نفاذها"

ترددت قليلا عند باب مكتب الضابط وقلت في نفسي: "يا ابن الشرق، القانون قانون، وعليك التقيد به أينما حللت، وخاصة أن الوطن الذي تستنشق هواءه هو وطن بين قوسين!

رجعت إلى الضابط الذي كان منهمكا في ختم جوازات (الغلبة) من أمثالي تقبيلا!

عفوا، أستاذ..

رفع رأسه..

هل لك أن تجدد إقامتي حسبما ورد هنا في التعليمات؟

إليك عني (ملوّحا بظهر كفه)..

تسمّرت في مكاني، ولم أجد في تلك اللحظة مخرجا سوى الباب سبيلا!

والى الملتقى في مرثية ثالثة ورابعة..............!

الأردن في 10/1/2006

مرثية ذاتية لها بقية...

خاطرة رقم ( 3 )

بقلم: أ.د. دنحا طوبيا كوركيس

الأردن/ جامعة جدارا

منفى رقم واحد

 

      كنت أعلم أن ظل <المنفى رقم واحد>  لا ينفك عن ملاحقتي أينما كانت وجهتي...

لم يخني ظني، فقد وجد مقعدا في السيارة التي كانت تقلني وعائلتي إلى بلد الحدود!

اقترنت الرحلة بمزيج من المشاعر لم أجد لها في أدبيات علم النفس مفردة تصلح لوصفها. ربما لم تسعفني ذاكرتي، لأنه كلما خطر ببالي أن أتمرد على "التعليمات" وأجعل من بلد الترانزيت وطنا، كان الظل بالمرصاد  يذكرني بعبارة "الخيانة" التي وصف بها (الرفيق) الذي غادر (موفدا) ولم يعد. حاولت غربلة المشاعر بعد سين وجيم عند النقطة الحدودية. أفلحت... تنفست الصعداء...

أردت أن أصرخ بأعلى صوتي، لكنني خشيت أن أقطع على الظل شخيره بعدما كان يسهر على (راحتي) حتى الحدود!

ترجلت من السيارة عند البوابة الشرقية للجامعة...نظر الحرس إلى داخل السيارة...توجس! ربما لاحظ الظل، فمنعها من دخول الحرم. ربما جاء المنع بسبب هندامي الذي لم يكن يتناسب وقرار تعيين "الدكتورة..." بوظيفة "عضو هيئة تدريس"، وربما أيضا بسبب شعري الأشعث ووجهي الذي لم تلامسه قطرة من ماء الصباح.

قلت في نفسي: وإن كانت تاء التأنيث زائدة، فالمثل يقول: (الزايد خير)! و(الصباح رباح)...

كان الطريق إلى القسم العلمي طويلا، ومع ذلك لم أتذمر لأن الظل بقي في سبات عميق، كما حدثتني نفسي. مشيت ومشيت وأنا ألتفت إلى الوراء تارة، وأخرى يمينا أو أخرى يسارا.

كنت مشدوها بما أرى...انبهرت بما شاهدت...لقد أنساني الصرح الشامخ أمام ناظري ومن حولي <المنفى>  وظله... خلتها جامعة أمريكية وسط صحراء نيفادا...جعلني ذلك المنظر أسافر بذاكرتي قرابة نصف قرن من الزمان إلى الوراء لأجد العزاء...إنها مدرستي التي تزيد هذه العمارة الأنيقة جمالا وبهاء، وهي مكسوة بحلة خضراء.

أفقت من هذا الحلم الجميل أمام نقاط دالة عديدة، ولكنني لم أجد ضالتي بينها...

سألت أحد الطلبة مستغيثا، فأشار بسبابته إلى المبنى المقصود... قصدته.

عندما وصلت، لم أشاهد سوى مخطوطة واحدة فوق المبنى تقول: "قسم الرياضيات".

تساءلت: ترى أين قسم اللغة الانجليزية ؟

سألت طالبا ثانيا، فأشار إلي بالدخول إلى ذات المبنى والصعود إلى الطابق الثاني. شكرته،

ثم توكلت باحثا عن إدارة القسم.

وقفت أمام رقعة مثبتة على حائط المكتب، لا يتجاوز طولها 12 سنتيمترا وعرضها ثلاث سنتيمترات، وقد كتب عليها:"سكرتيرة قسم...........". دخلت.......

"السلام عليكم".

"وعليكم السلام"...نظرت إلي بابتسامة وكأنها تتوقع حضوري في أية لحظة.

"أنا الدكتور...."

انتفضت من مكانها وقالت مبتهجة ومعاتبة:

"وينك يا دكتور؟ لقد قلبنا الدنيا عليك، وأرسلنا لك عدة فاكسات، واتصلنا بك تلفونيا عدة مرات...وكلما اتصلنا بك، قالوا لنا: "إنه في المحاضرة".

"ولكنني لم أتلق شيئا، ولم يبلغني أحد باتصالاتكم".

غضبت، فرفعت سماعة الهاتف وهي تقول: "إذا كنت لا تصدق، استمع بنفسك إلى ما سيقوله لك مسؤول المقسم".

استمعت إليه، واعتذرت، فشكرته...

على أية حال، سمعت السكرتيرة وهي تقول لي:"مرحبا يا دكتور...جدول محاضراتك جاهز،

ورئيس القسم بانتظارك".

دخلت مكتبه...ألقيت عليه التحية... قدّمت له نفسي... وكان الترحاب حارا.

أحببت الرجل منذ اللحظة الأولى،  واعتقد أنه بادلني بالمثل (وما زال كذلك). تجاذبنا أطراف الحديث...رويت له قصتي في <المنفى رقم واحد> ، قصة كتابنا وكتابكم...جامعتكم...وزارتنا ووزارتكم، الأمن القومي ومخابراتكم...الخ   من "هات وخذ"، وطالت القصة خمسة أشهر بالتمام...وكان بعدها الحاسوب منقذي من حيث أدري ولا أدري، ولكن وجهة السفر المقررة تغيرت من الشرق، كما كان

متفق عليه بروتوكوليا، إلى الغرب العربي...

تعاطف الرجل السمح معي وقال:" طيب، استشر عائلتك، طالما كان هنالك تبعات على بقاءك معنا، ووافيني غدا صباحا".

وأنا في طريق عودتي إلى السيارة، شعرت بأن الظل كان يتابع خطواتي... أصبحت في حالة من الهذيان، وغير قادر على اتخاذ القرار السليم. لعنت كل القائمين على إدارة <المنفى رقم واحد> لأنهم لم يتصلوا بي مرة واحدة في الأقل... وللحديث شجون!

وجاء القرار العائلي لصالح الرياح التي لا تشتهيها السفن...

هلل الظل ونحن في طريقنا إلى المطار، وأبى أن يفارقنا حتى لحظة الوداع...                                                            

ثم عاد إلى المنفى منتشيا!!

الأردن في 28/1/2006

مرثية ذاتية لها بقية:

خاطرة قصصية رقم (4)
أ.د. دنحا طوبيا كوركيس
الأردن / جامعة جدارا

بروفيسور للبيع


     
"الحمد لله على السلامة"، عبارة تبادلها المسافرون فيما بينهم على مضض عندما حطت طائرة الأيرباص على مدرج مطار (س) بعد ظهر يوم 29/10/1999. كانت المضيفات ترددنها على مسامعهم وهم يهمون بمغادرتها. نقلتنا المركبات إلى مجمع المطار عند صالة استلام الأمتعة الشخصية. انتظرنا حتى جاءنا الحزام الدائري بحقائبنا. حمّلتها على عربة وجدتها في الجوار، ثم توجهنا إلى قاعة "رقابة" الجوازات. تجمعنا بانتظار إشارة من أحد ضباط أمن المطار ليدلنا على ما يتوجب فعله لأننا، وببساطة، كنا نجهل ما إذا كانوا سيعاملوننا كعرب أم كأجانب، رغم أن الملصقات تقول صراحة أن هذا البلد هو بلد العرب جميعا!
في هذه الأثناء، بقيت أتمعن في أرضية القاعة الواسعة وجدرانها، وأراقب حركة ضباط أمن المطار وموظفيه، وأتفحص وجوه رفاق الرحلة الذين وفدوا من بلد واحد! كانت الأرضية (حدّث ولا حرج) مقززة، ولا تليق ببلد يقال عن إمكانياته المادية بأنها هائلة. كانت قيادة أمن المطار الراجلة، ورغم التباين في عدد (النجمات) على أكتاف الضباط ، غير منضبطة، بل غائبة وحاضرة في كل شنب.
وقف رفاق السفر قبالة أحد مكاتب "رقابة" الجوازات بشكل حضاري + لا حضاري ÷ 2، وكانت الحصيلة تراجعي وعائلتي إلى الخلف. قلت لنفسي: "لا ضير في التسابق بين الأساتذة، إذا كان المتسابق حريصا على إلقاء محاضرته مبكرا قبل غيره!". لم تكن هذه بمشكلة، على أية حال، لأننا تعودنا في بلادنا على أن يكون التراكض إلى حافلات نقل الركاب ] والركوب عليها[ للأقوى!
وبينما كانت زوجتي منشغلة في الحديث إلى أطفالها، أخذتني الدهشة عندما وجدت أن ترجمة الشعارات القومية والوطنية المعلقة هنا وهناك قد وقعت أسيرة قانون نيوتن في الجاذبية اللغوية: على الصفات وليس غيرها، أن تسبق الأسماء، وكأن الترجمة شريعة الفاتيكان: كاثوليكية المذهب، لا تسمح بالطلاق أو تعدد الزيجات. ربما تناسى المترجم المسكين....
"العائلات في ذلك الطابور"... صوت بتر ملاحظتي إلى حين.
لم تكن في "ذلك الطابور" سوى ثلاث عائلات!!! " أربع عائلات فقط على متن تلك الطائرة؟" تساءلت باستغراب. " لكن لا يوجد بين الحشد من هو دون سن الأربعين!" على أية حال، ختم الضابط جوازات سفرنا وتوجهنا نحو الخارج. كان النسيم عليلا رغم تشبعه برطوبة عالية. انتظرنا في العراء حتى الانتهاء من ختم آخر جواز (ربما كان الرقم 138). كان الظلام قد حلّ تماما عندما جاءتنا مركبات محملة بهموم زمانها ومكانها...منهكة القوى! نادتنا بأبواقها لتقلنا إلى حيث لا ندري. سارت بنا وسارت في موكب (مهيب!) لرجالات العلم من دون أطفال يلوّحون لنا بأعلام بلادهم أو أعلامنا ابتهاجا بمقدم (المعلّم) على جانبي الطريق. "هكذا أحسن" قلت في نفسي "وبعيدا عن الأضواء التي تعمي البصائر ...ولنترك السياسة والأبّهة والبروتوكولات للساسة!"
وبينما كان جميع من في حافلتي في حالة ترقب بسبب عدم توفر شروط المتانة والأمان في المركبة التي كانت تقلنا، تعطلت واحدة فتوزع ركابها على الأخريات. وكان ما كان من اختناق نتيجة الزحام وعدم صلاحية العادم. لم يبال أحد من أي من هذين الأمرين لأن ]المنفى[ علّمهم أن نفي النفي لا ينمّ إلا عن وفاء، وعليهم تقبل الواقع وكأنه ذات الإملاء.
وأخيرا وصلنا بحمد الله!
رصفت الحافلات أمام قلعة ذات بوابة عملاقة يتوسطها باب لدخول السابلة! نزل (محمود) من سيارته (البيكاب اليابانية)، وأوعز إلى سائقيها بالدخول إلى المبنى. لم يكن هنالك من استغراب أو شىء ملفت للنظر في الباحة الداخلية. ولكن الاستغراب بدأ عندما طلب منا الاستماع إلى ما سيقوله محمود لنا.
ظهر محمود (المغلوب على أمره) مخاطبا إيانا:
"أعذرونا أخوان...هذا قسم داخلي للطالبات في معهد رياضي...ستمكثون فيه الليلة، وسنلتقي صباح الغد في تمام الساعة الثامنة ليتم توزيعكم على أماكن عملكم. أما العائلات، فسنأخذها إلى مكان آخر".
صعق الرجال الرجال لهذا الاستقبال! ولكن لم يبالوا كعادتهم، لأن الإرث ثقيل...لقد تدرب جميعهم على النوم الجماعي أرضا في قاعات ثكنات عسكرية كريهة، زوارها من الذباب والعقارب... توجهت الأغلبية (العزاب!)، أو هكذا فرضت عليهم مؤسساتهم التعليمية اجتهادا منها، إلى داخل المبنى بحثا عن سرير نظيف، بينما تسلل من كان شاطرا عبر فتحة في جدار مهدم ليجد طريقه إلى مسكن صديق أو قريب مغترب. أما نحن، فقد افترشنا الأرض بانتظار سيارة لتقلنا إلى حيث لا ندري.
جاءت ساعة الفرج قبل منتصف الليل بقليل، وشكوى الأطفال ما زالت...
"تفضلوا إلى (الكوستر) أخوان"...قالها محمود وقد خارت قواه من المتابعة، وإن كانت الابتسامة ما زالت مرتسمة على وجهه.
طافت بنا المركبة شوارع (ص) الخالية من المارة دون أن نعلم أين سيستقر بنا المقام! توقف الكوستر في باحة بناية قديمة يفصلها عن الشارع العام طريق رملي طوله 150 مترا تقريبا، وعلى جانبه الأيمن كلاب تعالى نباحها إثر وصولنا. ولا اعلم إن كان في لغة الكلاب طقوس ومراسيم احتفائية! كانت البناية قسم داخلي آخر تابع لمعهد رياضي، ولكن أصغر حجما واكثر تخلفا عن سابقه.
ترجلنا من الحافلة، وإذا بمحمود يقول لأحد مساعديه: "وزعوا العائلات على الغرف واحضروا لهم عشاء وماء"... ثم غادر. أشار إلي المساعد، الذي نسيت اسمه، بالدخول إلى غرفة قريبة منه. دخلنا الغرفة على الفور لأن الأطفال قد أنهكهم التعب...يا للعجب! وجدناها خالية من كل شىء تماما. هرعت إلى الخارج على الفور لأناشد المساعد على تأمين مستلزمات المبيت.
"اطمئن يا أستاذ، سيأتيك الفرش حالا"...قالها بنبرة المغلوب على أمره هو الآخر وفعلا، جاءنا الفرش، الذي كنا نستحي أن نهب مثله إلى فقير أيام زمان في بلدنا...جاءت بعده الوسائد التي لم نكن نعلم كم من أعشاش القمل تقيم الأعراس فيها. مهما يكن من أمر، افترشنا الأرض، وقلت لزوجتي: "ليكن ما يكن، والله كريم"... طرق أحدهم الباب، وإذا به يناولني علبا تحتوي على قطع من الدجاج المشوي على غرار (كنتاكي!). نهمنا كالأسود ونهضنا نهوض الكلاب، وإن لم يكن هنالك من ينافسنا أو يحسدنا على الوليمة! كل ما في الأمر، كان علي أن استيقظ باكرا لأرى ما يخبئه لنا القدر في التجمع المرتقب.
جاء الصباح بخيوط لم أكن الفتها من قبل. تناولنا الفطور في مطعم الطلبة على عجل...امتعضت العائلات التي تعرفت على بعضها على عجل، ثم مضى كل في سبيله إلى مدن أخرى. بقيت وحيدا بانتظار من يقلني إلى حيث اللقاء المرتقب. لم يأت أحد...خرجت إلى الشارع العام، ونباح الكلاب تلاحقني. رفعت ذراعي عاليا كي أستقل سيارة أجرة... طلبت من سائقها أن يوصلني إلى المعهد الأول الذي لم أكن أعرف في أي صوب يقع .
عندما وصلت، وجدت أن حشد يوم أمس قد تقلص عدده نسبيا، بينما كان الباقون بانتظار من يخاطبهم. وبينما كان الجميع يتساءل عن المصير الذي ينتظرهم، بعد قضاء ليلة أشبه ما تكون بالعسكرية، تعالى صوت من بين المحتشدين مناديا:
"من حاسوب؟ أساتذة الحاسوب!"
تحركت مجموعة من الرؤوس باتجاه المنادي، الذي كان يلبس الزي الشعبي، وتجمعت حوله، ثم اختفت عن الأنظار بعد دقائق... وتلا ذلك نداء آخر:
"من لغة انجليزية؟ أساتذة الأنجليزي!"
رفعت يدي، ثم نظرت حولي فلم أجد يدا أخرى مرفوعة. توجهت إلى صاحب الصوت،الذي كان هو الآخر بلباسه الشعبي، وألقيت عليه التحية، فبادلني بالمثل، ثم أردف:
- ماجستير، لو دكتوراه؟
- دكتوراه ...
- هل من أساتذة آخرين بين المجموعة؟
- لا أعلم ...
- إذن تفضل معي ...
- أين؟
- إلى معهد (غ) ...
- وأين يقع هذا المعهد؟
- في جنوب البلاد ...
- هل يوجد عندكم هندسة كهربائية؟
- كلا، ولكن لماذا تسأل؟
- لأن ابنتي سنة ثانية كهرباء، ويجب أن تكمل دراستها ...
- يمكن أن تسجلها في جامعة (ف)، وان تسكن في قسم داخلي للطالبات.
- آسف، إنها غريبة في هذه البلاد، ويجب أن تكون مع العائلة...
تركني وهو مغتاظ جدا لأنه لم يجد ضالته! وراح ينادي: "انجليزي! وينكم يا أساتذة الأنجليزي؟" ولكن لا حياة لمن ينادي. وجاء نداء آخر، بحثا عن عملة صعبة أخرى، ولكن أقل عسرا:
"لغة عربية! من اختصاصه العربية؟"
تحركت مجموعة من الرؤوس باتجاه المنادي (مدير لمعهد آخر بزيه الشعبي)... التفت حوله الأعناق... وتم الأتفاق، ثم اختفت عن الأنظار ... وهكذا دواليك مع بقية التخصصات، سوى الكيمياء والزراعة وعلوم الحياة والتربية الرياضية، والتي ما كان لأصحابها، حتى اليوم الثالث، أي اعتراض على تدريس مواد بديلة!!!
بعد ساعتين تقريبا، وقد تقلص العدد، جاء نداء مماثل يطلب "انجليزي! انجليزي!"
رفعت يدي، ثم توجهت إليه. رحبّ بي، وقال على الفور:
- تعال معي.
- أين؟
- إلى معهد (ق)...
- وأين يقع هذا المعهد؟
- في الجنوب الغربي ...
- أنا مسيحي. هل يوجد كنيسة في مدينتكم؟
- تعال معي، وسأبني لك كنيسة!
- ولكن لدي بنت في الهندسة الكهربائية، وعليها إكمال دراستها...
- لقد عقدت علي الأمر يا أستاذ، فمن أين أجد معلم لغة انجليزية؟
- ستأتي طائرة أخرى غدا ...
رجع مدير المعهد هذا، كسابقه، بخفي حنين من حيث أتى، ولكن ليس قبل أن قدم شكواه إلى اللجنة الموقرة، التي كان من بين أعضائها ممثل من بلادي حجز له مقعدا في إحدى الجامعات وهو غير مكترث سوى بوجبة الغداء التي لم ندع لها، ولو من باب المجاملة. لم يكن لي بدّ، سوى التذرع بحجج يستحيل وإياها شرائي على هذه الشاكلة، وكأننا في سوق للغنم! واعتبرت هذه المسرحية، كما اعتبرها غيري، مهزلة تاريخية، بل خيانة وإهانة لنا وللعلم ولبلادنا! إذ كان الجميع يتوقع أن يتم توزيعهم على الجامعات، وليس على المعاهد العليا. ولكن حصل الذي حصل!
انسحبت إلى الخلف عند الزملاء الذين لم (يشتريهم) أحد! سألت أحدهم:
"كم تكلف أجرة العودة للشخص الواحد برّا؟ "
أجابني: "بحدود 100-120 دولارا"...
داعبت ما تبقى من نقود في جيبي، فوجدت أنني لا أملك سوى 550 دولارا! وهذا المبلغ لم يكن ليغطي نفقات سفر خمسة أشخاص عبر بلدين أو ثلاث، ناهيك عن مشقة الرحلة البرية مع العائلة. كنت على وشك أن ألعن حظي العاثر، ولكنني تذرعت بالرحمن ونعمة الصبر، فقلت في نفسي:
"ربما كانت هذه إرادة رب العالمين! لقد سبقني "أيوب" إلى أسوأ منها ... سأخوض هذه التجربة، ولكن لن أتنازل عن قبول العمل في إحدى المدينتين الكبيرتين التي أوصى بهما زملائي قبل الرحيل". ولذلك تمسكت بحجة "الهندسة الكهربائية" كملاذ وحيد ومنطقي.
كانت الساعة الرابعة عندما غادرت اللجنة التي طلبت منا الحضور في اليوم التالي ... رجعت بنفس الطريقة، والبطن خاوية، إلى معهد المبيت ... ورويت الأحداث لزوجتي وأطفالي!
تكرر المشهد في اليوم التالي، ولكن الذي قابلني صباحا كان حضريا ومتفهما لوضعي. قال بأنه سيعينني رئيسا للقسم، وأن الجامعة التي ستدرس بها ابنتي لا تبعد عن معهده سوى عشر كيلو مترات. اعتذرت منه لأن الطائرة الثانية المحملة بجنود العلم من نفس البلد كانت على وشك الوصول.
جاءني آخر، وبمواصفات أفضل, بعد الظهر. عرض علي رئاسة قسم والتدريس الإضافي في معهد قريب من معهده الذي أسماه بكلية تابعة إلى جامعة (ط). شكرته على هذا العرض، ولكنني اعتذرت لنفس السبب.
كانت الساعة الثانية ظهرا عندما طلبني رئيس اللجنة. دخلت إلى غرفته، وإذا به يعنفني:
"سنحيلك إلى لجنة تحقيقية ما لم ترض بالعروض المقدمة لك. إنك وقعت معنا على عقد".
أجبته:"ضع نفسك في مكاني يا أستاذ. هل كنت تتخلى عن مستقبل ابنتك بهذه البساطة؟"
سكت، ثم رفع سماعة الهاتف، وقال لي: "انتظرني في الخارج".
انتظرت حتى الرابعة بعد الظهر دون أية نتيجة، فقفلت راجعا إلى معهد المبيت، ورويت قصتي لزوجتي وأطفالي الذين ازدادوا قلقا.
تكرر المشهد في يوم (الشراء) الثالث! كان الجمع غفيرا لأن الطائرة الثانية كانت قد وصلت مساء أمس. التقيت بالزملاء الذين لم يحالفهم الحظ حتى تلك الساعة. كانوا يلعنون ويلعنون!!!!!!!
كان منتصف النهار قد حل عندما ظهر رئيس اللجنة من صومعته مبتسما:
"تعال يا دكتور ... والله انك محظوظ! إنهم يحتاجونك في مدينة (ب)...لكن أطلعني عن سير دراسة ابنتك ... مع السلامة! تعال يا محمود...خذ الدكتور وعائلته فورا إلى المطار".
أخذنا محمود إلى مكتب للخطوط الجوية. اشترى لنا تذاكر سفر، واعتذر عن توصيلنا إلى المطار بسبب انشغاله مع الوافدين الجدد. قال لي: "خذ تاكسي. المسالة بسيطة".
قلت له: "ولكن ليس معي من العملة المحلية ما يكفي".
أوقف سيارة أجرة ...تحدث إلى سائقها، وأعطاه عشرة دنانير، ثم تحدث إلي بينما انهمك السائق بنقل أمتعتنا من (بيكاب) محمود إلى سيارته: "يمكنك إرجاع النقود متى ما شئت... ربما بعد أن تشتري سيارة ...مع السلامة!"
تعانقنا، ورحل كل منا إلى حال سبيله، وأنا ما زلت مدينا لهذا الرجل (الغلبان) إلى يوم القيامة!
الأردن 2006

مرثية ذاتية لها بقية...

خاطرة قصصية رقم (5)

بقلم الأستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

 الأردن / جامعة جدارا

 

بروفيسور في مزبلة

 

     كان من عادته أن يرتاد سوق "الخردة" كل صباح أثناء العطلة الصيفية، وقبل أن يتوجه إلى سوق "الخضار" الشعبي المجاور له وسط البلد. لم تكن "الخردة" ضالته المنشودة، وإن كان يشتري البعض منها كيفما اقتضت الحاجة، ناهيك عن السعر المعلن. لقد كان في كل قطعة يتلمسها تاريخا يروي له قصة مع مقتنيها الأول، ومع كل من اقتناها من بعده. كان يتأمل الوجوه القابعة خلف "البسطة" وهي تنادي بلهجات عربية مختلفة، جمعها القدر لأن تحاكي "المتبضع" أو "الفضولي" بلسان تخرسه "البلدية". كان يجد في بعضها الهدوء والسكينة، وكأنه تناول حبوبا مهدئة قبل مقدمه إلى هذا "التجمع العربي" الشعبي التي دأبت "البلدية" على "تمزيق وحدته" في الانقضاض على المعروض ومصادرته من حين لآخر. يبدو أن ذلك اليوم كان استثناء فريدا لكل الأيام التي خلت. كان جميع الباعة في حالة ترقب، لا بل في حالة تأهب للفرار واستنفار ما تبقى من همم.

وبينما كان البروفيسور "متقرفصا" عند إحدى "البسطات"، داهمت فرقة من البلدية " الأقربون أولى بالمعروف !". فتشت "الجمع"، وقد أصابه الذعر والفزع ، وفر من فر....

انتصب البروفيسور مذهولا، وقد تشتت أفكاره... كان هذا السوق ملاذا له... لم يجد حتى في البحر الذي كان يرتاده مع عائلته كل يوم جمعة هربا من قيظ الصيف ورطوبته بديلا. وإن كان يتأمل في زرقته وعمقه وسحره، ألا أن همومه كانت "كبر البحر" الذي تغنت به فيروز التي عشق صوتها مذ بدأ يعشق الجمال من حوله. حتى الكوابيس التي كانت تزوره ليلا عشقت نهاره، فأضحت لها مسميات أدرجها في "سجل الأحوال الشخصية" على وزن "مرثية"، وكأنه  يعلم بان ذلك النهار كان يخبأ له "بقية !" بعدما أخفق في محاولاته مع "مديرية الرقابة المالية" للحصول على مكافأة نهاية الخدمة، وبعدما شهد ما شهد من أفعال "البلدية".

لم تكن الظهيرة قد حلت بعد... ولم يبق أمامه سوى التجوال في سوق الخضار ليقارن بين الأسعار إجمالا،  وقبل أن يتسوق  ويصبح حمالا ! وإن كان الحمل بدون أجر، فأجره عظيم... لقد كان ثقل ما حمل من أكياس إلى داره يمتص جزءا مما ثقل به رأسه ويزيده صبرا على صبر...

ترجّل عن الحافلة التي أقلته من سوق الخضار إلى الدار الذي تفصله عن الشارع العام مسافة مائة متر تقريبا. وإن كان يترنح تحت وطأة الحمل الثقيل حتى بلوغ العمارة التي يسكن في طابقها الثالث، فقد كان يستعمل منديله يمنة ويسرة كي يخفف عن الضغط الذي شدّ على راحتيه. صعد السلالم الأولى وهو يترنح... أخذ نفسا عميقا... فكر في أن يأخذ كيسين فقط إلى السلالم الثانية, فعل ذلك، ثم نزل إلى الأولى... أعاد الكرة تلو الأخرى إلى أن وصل نهاية السلالم الثالثة قبالة باب شقته حيث تكدست الأكياس جانبا، وهو يتصبب عرقا من شدة الإعياء.

طرق الباب...

خرجت زوجته وابنته البكر، كعادتهما، لتنقلا الأكياس إلى الداخل. دخل كمن فقد عقله بحثا عن رشفة من الماء البارد ليبلل بها شفتيه... افترش الأرض القريبة من المطبخ بانتظار طعام الغداء. وعلى مسمع من زوجته، بدأ يروي قصته الحزينة مع "المالية" التي خرج منها خال الوفاض... حضر الطعام، ولكن معدته لم تكن مؤهلة لهضم ما كان يحتاج فعلا، لذا قرر أن يأخذ قيلولة بعد أن أنهى لفافة تبغه.

استيقظ عصرا طالبا من زوجته أن تأتيه بكيس الزيتون الأخضر الذي اشتراه  من السوق ليريها مهارته في "كبس" الزيتون على طريقته الخاصة.

- أي زيتون هذا الذي تتحدث عنه؟

- الزيتون الأخضر... كيس الزيتون الأسود الذي فيه جوازات سفرنا.

- لم أر أي كيس فيه زيتون، ولكن دعني أتأكد.

دخلت الزوجة إلى المطبخ بحثا عن الكيس الأسود... لم تجده. سالت ابنتها إن كانت قد أدخلت الكيس، فأجابتها بالنفي. ثم أردفت قائلة:

- لعلك نسيته في الحافلة!

 استشاط غضبا...

- تأكدي من أنه لا يزال في الخارج.

فتحت الباب على عجل... التفتت يمنة ويسرة... لكنها لم تجد له أثرا.

أخذ يلطم على رأسه... ينتحب... يتعالى صراخه:

- الجوازات! الجوازات! ماذا حل بنا يا الهي!

هرع إلى علية العمارة بحثا عن الحارس. طرق بابه بقوة. فتح له "عبدو" فزعا.

- ما الأمر يا دكتور... "هو فيه حاجة"؟

- هل رأيت كيسا أسودا فيه زيتون عند باب شقتنا؟

- لم أر ما في داخله... اعتقدت أنه كيس للنفايات. ولذلك، وكما جرت العادة، أودعته حاوية البلدية خارج العمارة.

- ولكن فيه جوازات سفر العائلة، يا عبدو!

- ما الذي تقوله، يا دكتور؟ هلم بسرعة، ولنبحث عنه في الحاوية.

سارعت السيقان الريح... امتدت الأعناق بحثا... جال البصر ثنايا الحاوية، ولكن عمال النظافة قد سبقوا الحدث الجلل، وباتوا يطوفون أرجاء الحي، جامعين ما تبقى من قمامة. تجمع فتية الحي حول البروفيسور المغلوب على أمره، وتسائلوا:

- ما الذي تبحث عنه، يا دكتور؟

- جوازات سفرنا...

-لا إله إلا الله. الحقوا بسيارة النفايات التي غادرت المنطقة قبل ربع ساعة. إنها في طريقها إلى مجمع النفايات خارج المدينة.

- وكم تبعد من هنا؟

- حوالي عشرة كيلو مترات.

- هيا يا عبدو. بسرعة! جد لنا سيارة أجرة!

وفي هذه الأثناء وصل سامر، شاب من "بلديات" البروفيسور، وصديق للعائلة.

- ما لي أراك مرتبكا يا دكتور؟ ما الذي حدث؟

- مصيبة! سأحدثك في الطريق. أسرع، فقد أوقف حارس العمارة سيارة أجرة.

انطلقت بهم السيارة على عجل... لم يكن أمام السائق حلا آخر سوى اللحاق بناقلة النفايات بأقصى سرعة ممكنة، غير آبه بقواعد السير. وبينما كان يروي البروفيسور قصته بألم وحزن، كان الجميع يترقب مرور عربات "النظافة" باتجاهي الشارع...

- تلك هي واحدة في الأفق، عائدة من مجمع النفايات...  يبدو أنها قد أفرغت حمولتها، وقد أشار سامر بإصبعه إليها... لنطلب من سائقها التوقف.

 رصف سائق الأجرة سيارته على جانب الطريق، وانتصب وسط الشارع ملوحا... توقفت العربة... سأل سائقها عن قرينتها التي جابت الحي الذي يسكنه البروفيسور، فأجابه بأنها تفرغ حمولتها الآن... كان سائق الأجرة شهما. ركض إلى سيارته، وانطلق مسرعا... وفي لحظة الوصول، كانت عربة الحي تهم بالخروج من البوابة... بعد أن تأكد سامر من هويتها، سأل عمال النظافة الذين كانوا يقلوها عما إذا كانوا قد  عثروا على كيس للزيتون وفيه الجوازات. فأجابوه بالنفي. صعق البروفيسور عند سماع ذلك، وأصيب بخيبة أمل. وكذا الأمر بالنسبة لسامر، الذي استعلم  عن الموضع الذي أفرغت به الناقلة حمولتها...أشاروا إلى مكان التفريغ... طلب سامر الإذن من حارس المجمع  للنبش في القمامة التي تم تفريغها توا بغية العثور على الجوازات... تقدم البروفيسور وسامر وعبدو، وحتى سائق الأجرة، باتجاه كومة القمامة. وبدأت حملة "العمل الشعبي"، وكأنها موسم للحصاد بالمناجل!

لم يكن هنالك معول أو مشبك أو فأس، أو... أو... أي  من أدوات الحفر والتنقيب وتقليب القمامة التي كانت تنبعث منها رائحة الموت البطيء. بدأ البحث بالأيدي، من أسفل وأعلى الكومة التي لا يتصور العقل حجمها، حتى أضحى المنقبون جزءا لا يتجزأ منها... أكياس تنتشل وترمى جانبا، أو تحلق في الهواء من شدة الغضب... تتناثر أشلائها وتتطاير كيفما شاءت الريح الساخنة والنتنة... وكانت النتيجة: الإخفاق!

اعتذر سائق الأجرة عن مواصلة البحث لأنه، وكما قال: "على باب الله"، وتمنى لهم التوفيق في مساعيهم. كانت ناقلات النفايات تدخل وتفرغ حمولتها بالجوار، ثم تقفل عائدة من حيث أتت. وعلى مقربة من مكان البحث انهمك سائقو الجرّافات والحفّارات بعملية دفن القمامة، هذه العملية التي كان يصورها فريق تلفزيوني، وكأنها نجمة من نجوم هوليود. أدار البروفيسور وجهه جانبا خوفا من أن تلتقطه عدسة المصور، وبدأ يبحث عن أي أداة تمكنه من نبش القاذورات التي علت نعليه وأزكمت أنفه حتى الثمالة... وفي هذه الأثناء، تقاطرت مجموعة من الشباب، من كل صوب وحدب، وبدأت بالتنقيب عن كل ما يمكن بيعه في سوق "الخردة"، وكأنه منجم للذهب. ويبدو أن هؤلاء الشباب قدموا من بلد عربي مجاور مزقته الحرب الأهلية. حدث البروفيسور أحدهم عن محنته، ووعده بان يكرمه وجماعته إذا ما عثروا على الجوازات. لكن حارس المجمع كان حريصا ألا يظهروا على شاشة التلفاز، فبدأ بتشتيتهم رميا بالحجارة. وما كان للبروفيسور فعله سوى التوسل إلى الحارس كي يسمح لهم بتقليب القمامة بحثا عن "الكنز المفقود" خوفا من أن يحل الظلام. حصلت الموافقة، وكأنها صادرة من المدير العام لمديرية "الزبالة"...

بدأ البحث الجماعي بهمة يصعب وصفها... كل واحد على طريقته الخاصة، وبمهنية رفيعة المستوى... إنها الجائزة الكبرى! جائزة ثمنها البحث بين فوط الأطفال والنساء المتسخة،  وواقيات الرجال، وزجاجات الويسكي المهرب عبر البحر المتوسط، وبقايا ما ترشح عن ولادة طفل أو هر هرم قضى نحيبه مواء على حبيبته... قمامة... وما أدراك من قمامة! عالم غريب عجيب يصنعه البشر دون عناء... وتعجز الكلمات النثرية عن وصفه، بل ويعجز الشاعر عن نظم قصيدة تتغنى به أو تقبحه... الصورة سريالية بكل معنى الكلمة!

وفجأة تعالى الصراخ: وجدتها!

"ماذا وجدت؟", تسائل أحدهم.

"زيتونة!"

"ما لونها؟"

"سوداء".

"ولكن الزيتون كان أخضرا".

"وهل يخلو الورد من الشوك!"

"أصبت"، أيها الشاب. وهنا تذكر البروفيسور قصة "الابن الضال" التي وردت في الإنجيل. "هلموا يا شباب... دعونا ننقب هنا"...

ولكن ضاعت الجهود هباء... كانت الزيتونة اليتيمة التي احتضنتها النفايات...

جاء المغيب مشرئبا بنحيب... حل الظلام تماما... وعدمت الرؤيا... يا للخيبة!

لم يبق أمام البروفيسور وصحبه سوى اللجوء إلى الشرطة لتسجيل الواقعة، وإلا المقاضاة بألوف الدولارات، ناهيك عن البقاء في ذلك البلد لأجل غير مسمى.

وفي مركز الشرطة... وجها لوجه مع الضابط الذي بدأ يستمع إلى قصة البروفيسور ويدون البيانات المطلوبة. وما لبث إلى أن وصلته الشحنة الأولى من الرحيق المهيج للمجاري التنفسية... سارع إلى فتح النافذة المجاورة متمتما وممتعضا: "ما هذه الرائحة النتنة! لقد تشبع هواء الغرفة بها". وعلى عجل، تناول علبة معطر الجو وبدأ يرش من حوله وتحت مكتبه... طلب من سامر والحارس مغادرة المركز على الفور والعودة إليه بعد أن يغتسلوا جيدا. وإن كان الضابط مصيبا فيما أمر، ألا أن رائحة الموت كانت قد سكنت كل ثقب وكل نسيج من موجودات الغرفة والمركز.

انتهت الإجراءات الروتينية...

رجع البروفيسور إلى منزله نادبا حظه العاثر، ولاعنا اليوم الذي وطأت قدمه ذلك البلد.

دخل مترنحا... لا يدري ما يقول... افترش الأرض... طلب قدحا من الماء البارد، ثم تمتم: "لقد ضعنا وضاع كل شىء...".

بعد دقائق معدودة... ثمة من يطرق على باب الشقة... كان سامر، بعد أن اغتسل، برفقة شابين من بلدته. سلموا على البروفيسور... أبدوا أسفهم لما حصل له، ووعدوه بأنهم لن يرجعوا  دون العثور على الجوازات... مضوا في سبيلهم...

كانت الساعة قد قاربت الثامنة مساء... سمع الباب يطرق بقوة وبشكل متتالي... هرعت الزوجة لفتحه، وإذا ببسام يزغرد فرحا... يبارك الدكتور... يطلب عشاء فخما... يروي حكايته المقتضبة:

"لقد كانت بحوزة الحارس الثاني الذي استلمها أول ما دخلت ناقلة النفايات بوابة المجمع، وغادر على الفور لغرض الاتصال هاتفيا مع المؤسسة التعليمية التي كان البروفيسور يعمل لديها. ويبدو أنه اتفق مع العمال،  الذين أنكروا وجود الجوازات، على كتمان الأمر لحين الحصول على "فدية" يسيل  لها اللعاب، شريطة أن يأخذ هو حصة الأسد. ودون أن يطلب، مددت يدي إلى جيبي وأعطيته مائة دولار. كان فرحه شديدا لأن الدولار في ذلك البلد يباع في السوق السوداء، كما تعلم. وهذا كل ما في الأمر. سنذهب الآن إلى مركز الشرطة لإبلاغهم وإسقاط الدعوى، بينما تعد لنا أم داني ألذ عشاء"...

وإلى الحمّام...

وإلى مرثية ذاتية أخرى... لها بقية!

في 8/ 8 /2006

مرثية ذاتية لها بقية...

خاطرة قصصية رقم (6)

أ. د. دنحا طوبيا كوركيس

جامعة جدارا / الأردن

 

البروفيسور الذي فقد عقله

 

       غمرت الفرحة عائلة البروفيسور بحصول ابنته داليا على شهادة الثانوية العامة. وكانت الفرحة أكبر عندما قبلت في قسم اللغة الأنجليزية/ كلية التربية بجامعة الموصل عام 1998. كان هذا التخصص حلمها...ربما لأن والدها يعمل استاذا في ذات المجال. قدمت داليا أوراقها الثبوتية، ومن ضمنها شهادة الجنسية العراقية، إلى شعبة التسجيل في الكلية.

وبعد شهرين من دوامها المنتظم...

أبلغت بوجوب جلب ما يثبت عراقيتها!!!

إنزعجت العائلة من سماع هذا الخبر، وانزعج الوالد أكثر، وذلك بسبب معاملة المواطن في بعض الدوائر الرسمية بشكل يتقاطع واللياقة واللباقة والتأدب والأحترام، ناهيك عن أن عليه قطع مسافة 800 كم ذهابا إلى بغداد وإيابا إلى الموصل.

- لاحول ولاقوة إلا بالله... هذا ما تلفظ به عندما استقل سيارته عند الفجر في طريقه إلى عاصمة الرشيد!

كان الدوام قد بدأ عندما اقترب من مديرية الجنسية في حي الكرادة. ركن سيارته في أحد الأزقة المتاخمة للمديرية... هرع إلى المبنى وبيده طلب تحقيق الجنسية وهوية الأحوال المدنية وشهادة الجنسية العراقية. قدمها للضابط المسؤول بعد أن عرّفه بنفسه... بدأ الضابط يبحث في السجلات القديمة، التي يرجع تاريخها إلى العهد العثماني. استمر البحث مدة ساعة أو أكثر. خرج الضابط مبتسما... أفاد، وهو يذيّل  الطلب، بما يلي:

جنسية الأب السابقة: عثمانية

جنسية الأب الحالية: عراقية

إذن داليا...عراقية

- لم يبق سوى أن نتأكد من جنسية الأم، يا دكتور...تفضل بالجلوس ريثما أنتهي.

قالها الضابط بكل كياسة، ولم يكن يعلم البروفيسورالسر وراء هذا الأنعطاف التاريخي في التعامل الأيجابي مع المواطنين.

بدأ الضابط جولته الثانية في البحث بين السجلات ذات الصلة... خرج بعد نصف ساعة وعلامات الأكتئاب على وجهه:

- آسفين، يا دكتور... لم أجد لعائلة الأم أثرا... لقد أحرق الغوغائيون المبنى والسجلات.

- ما العمل إذن، وأنا قادم من الموصل، وطلبتي بانتظاري؟

- أنا مقدّر ذلك، يا دكتور. ما عليك سوى مراجعة المديرية العامة للأحوال المدنية في حي السنك بشارع الرشيد.

خرج البروفيسور من الدائرة وهو يلعن حظه العاثر...

استقل سيارته واتجه نحو المديرية الكائنة في الحي الذي كان يقطنه عندما كان لايزال في العاشرة من عمره...

قدم اوراقه إلى الموظف المسؤول، الذي بدأ البحث في سجلات القرن التاسع عشر. وبعد ساعة من التنقيب...

لم يجد شيئا...

إعتذر الموظف من البروفيسور وطلب منه أن يرجع من حيث أتى، ويطلب من مديرية الجنسية البحث في الشرائح (السلايدات).

خرج وهو يلعن حظه ثانية وثالثة...

اتجه بسيارته صوب الجنسية...

ركن سيارته في مكان ما...

تسلق سلالم المبنى وهو يترنح...

ووجها لوجه مع الضابط أمام مكتبه، قال البروفيسور:

- لم يعثروا على شىء. أرجو البحث في السلايدات.

- "هاذي عليها غدا إلي ولجماعتي"، قالها الضابط وكأنه يمزح.

- "مو تدلّل...بس بسرعة خلّصني ايّاها"...

- "من عيوني! ارتاح".

وانكشف السر!!!

بدأ البحث المقيت، الذي استمر ساعة كاملة... خرج الضابط بعدها ليقول للبروفيسور:

- وجدتها، يا دكتور... لقد وجدتها، والحمد لله.

أكمل الضابط الشهم مهمته في تذييل الطلب، وأفاد بما يلي:

الجنسية القديمة لوالد الأم: ايرانية

الجنسية القديمة لوالدة الأم: عراقية

الجنسية الحالية لوالدة الأم: عراقية

الجنسية الحالية لوالد الأم: عراقية/ بالزواج

إذن داليا... ايرانية!!!

صعق البروفيسور بما رأى من استنتاج على الطلب. قال للضابط:

- وما معنى هذا؟  هل داليا عراقية، أم ايرانية؟

- على الأرجح "عراقية"، لأن الأولاد يتبعون جنسية والدهم. خذ الأوراق إلى شعبة الطابعة، ومن ثم إلى المدير لتوقيع الكتاب.

وبعد ساعة أخرى من الأنتظار... تم إجراء اللازم!

رجع البروفيسور إلى الضابط وشكره على تعاونه. مدّ يده إلى جيبه وأخرج منه خمسة الآف دينار عراقي...

- تقبل مني هذا المبلغ البسيط واشتري غداء لك ولرفاقك.

- شكرا، يا دكتور، وسلامي لأهل الموصل.

وهو ينزل من السلالم، وبيده الظرف المختوم، بدأ البروفيسور يتمتم وقد اختلط عليه الأمر:

- عراقية/ايرانية!!! عراقية/ايرانية!!!

وعلى بعد عشرات الأمتار من مبنى الجنسية، سمع نفر من الشباب وهم يتذمرون من التناقض في تعريف المواطنة. سمع البروفيسور أحدهم يقول، وبصوت عال:

- "للحرب مع ايران يأخذونا جنودا، والآن يتنكرّون لعراقيتنا! أرسلونا إلى ايران، إذن!"

ازداد قلق البروفيسور لدى سماعه هذه الشكوى المنطقية... ربما انسحب الأمر على ابنته... من يدري؟!!!

عبر الشارع للبحث عن سيارته... لم يجدها! التفت يمنة ويسرة... لم يجدها! سار في كل الأزقة المجاورة... لم يجدها!

ازداد قلقه، وبدأ يتسائل:

- يا الهي! ترى هل سرقت، أم فقدت عقلي، ولم أعد أتذكر أين ركنتها؟

كست الغشاوة عينيه، ولم يعد يميز حتى بين ألوان السيارات... اتجه إلى أقرب بقال كي يتصل بالشرطة ليبلغ عن اختفائها.

تردد...اتكأ على حائط واغمض عينيه... بدا يتنفس بعمق وهو يقول:

- ما هذا الذي يحصل لي، يا الهي؟

وبدأ البحث بين السيارات المرصوفة على جانبي الشارع العام وفي الشوارع الفرعية... كل السيارات التي اكتضت بها شوارع بغداد متشابهة... أغلبها برازيلي/باسات. وأثناء بحثه المضني، وقع بصره على سيارة بيضاء... خيّل له أنها هي... تقدم منها.

ولكنها لم تكن هي، بل شبيهتها تماما، مع فارق ضئيل في أرقام لوحة التسجيل.

لعن حظه العاثر مرة أخرى، ولعن اليوم الذي رجع فيه إلى وطنه بعد حصوله على الدكتوراه. ولكن لاحول ولا قوة إلا بالله!

استمر في بحثه... ومن بعيد، تيقن بعض الشىء أن السيارة المركونة في مثلث، أشبه ما يكون بمثلث برمودا تحيط به قاطرتان عملاقتان، هي سيارته. سار صوبها، متّكلا على الله. اقترب منها... لفّ حولها... انطلقت منه ضحكة هستيرية... بدأ يركلها

على مؤخرتها بقدمه اليمنى ويؤنبها:

- أين كنت أيتها الفاجرة؟ لقد أعياني التعب في البحث عنك...

كانت الساعة قد جاوزت الرابعة عصرا، وهو لم يكن قد تناول فطوره أصلا...

استقل سيارته وقفل راجعا إلى الموصل...

معدته فارغة...ولكن رئتيه أشبعها النيكوتين من حشاشته في التدخين طوال رحلة الأربعمائة كيلو متر... أنهكه التعب من شدة التفكير بما سينطلي عليه الكتاب الذي يحمله...

وصل مدينة الموصل الساعة التاسعة ليلا، سالما معافى بحمد من الله...

خرج من كان في المنزل إثر سماعهم الرنين المعهود لبوق السيارة... أمطره أولاده بالقبل، وحمدوا الله على سلامته.

دخل الدار... طلب قدحا من الشاي وقليلا من الماء البارد، وإن كان شتاء. جلس على الأرض بجانب المدفأة... التفوا حوله بعدما هدأت أنفاسه... وبدأ يروي لهم قصته...

وفي صباح اليوم التالي، أخذت داليا الكتاب إلى شعبة التسجيل في كليتها...

فتح المسجل المظروف... بدأ يقرأ الكتاب... نظر اليها، وكأنه يريد أن يقول لها شيئا لا يسرّ الألباب... عاود القراءة... رفع رأسه... وبكل برود، قال لها:

- إنك ايرانية!!!

فأجابته على الفور:

- ما هذا الذي تقوله؟ إنني عراقية، وهذه شهادتي... إنها تقول بأنني عراقية... أبي بروفيسورعراقي في هذه الجامعة لربع قرن. وأمي عراقية، خريجة هذه الجامعة.

أجابها بالقول:

- ولكن جدك من أمك من أصول ايرانية. هذه تعليمات... وعليك الآن ايجاد مقعد في كلية قبلت طلابا بمعدلات أدنى من معدلك... لاأستطيع فعل أي شىء لك، لكن يمكن لوالدك أن يقابل رئيس الجامعة.

هرعت داليا إلى مكتب والدها في كلية الآداب والدموع تنهمر من عينيها...

- ما بك يا داليا؟

- يقولون عني بأنني ايرانية، ولم يبق لي خيار آخر سوى الأنتقال إلى كلية الأدارة والأقتصاد.

- لاعليك... اهدأي... سأقابل رئيس الجامعة على الفور.

أخذ البروفيسور طريقه إلى مكتب رئيس الجامعة وقد جن جنونه... لقد حدث ما كان يتوقعه!

وفي المكتب... طلب البروفيسور مقابلة الرئيس.

- تفضل، يا أستاذ. سأبلغه حالا.

وبعد ربع ساعة من شد الأحزمة على البطون، أذن له بالدخول.

بودلت التحايا، ورويت القصة...

- طيب، يا دكتور. أكتب لي القصة بتفاصيلها، وبضمنها خدمتك وعطائك لهذه الجامعة، وسأسلمها شخصيا للسيد الوزير،

 مع توصيتي الأيجابية طبعا، فلا تقلق، وإن شاء الله كل الخير.

وبعد شهر...جاء جواب الوزارة، ومفاده:

"استثناء من شروط القبول، وحسب الصلاحيات، تنقل الطالبة داليا..................... من كلية التربية إلى كلية الأداب/ قسم اللغة الأنجليزية".

أبلغ البروفيسور، الذي فقد عقله لأكثر من شهر، بمضمون الكتاب، وتم اجراء اللازم.

وإلى مرثية ذاتية أخرى، بعونه تعالى.

الأردن/ في الثالث من كانون الثاني، سنة 2007

 

مرثية ذاتية لها بقية

خاطرة قصصية رقم (7)

أ. د. دنحا طوبيا كوركيس

الأردن / جامعة جدارا

 

بروفيسور في دائرة الأمن و "شيك على بياض"

 

         ذات صبيحة من صباحات عام 1986 كان البروفيسور متواجدا في مكتب رئيس  قسم الغة الأنجليزية/ كلية الآداب بجامعة الموصل عندما رنّ جرس

الهاتف. رُفعت السماعة... وانتهت المكالمة في غضون ثوان معدودة. على إثرها، طلب رئيس القسم منه مراجعة العميد فورا...

- ماذا يريد مني؟

- لم يقل لي أكثر من ذلك...

وعلى الفور نزل البروفيسور السلالم باتجاه مكتب العميد...

تجاهلت السكرتيرة كل من كان في الأنتظار لمقابلة العميد. ومن عند الباب أعلمته بأن البروفيسور قد وصل. أدارت وجهها وقالت:

- تفضل دكتور. العميد بانتظارك.

دخل البروفيسور مرحبا، ورُد بتحية أفضل منها.

- دكتور... تلقيت مكالمة هاتفية قبل قليل من مديرية الأمن، وعلي إبلاغك بضرورة مراجعتهم على الفور.

- على الفور؟ خير ان شاء الله؟

- والله، لا أعلم... إن شاء الله، كل الخير...

خرج البروفيسور من مكتب العميد وهو يضرب أخماسا  بأسداس ويدور في فلك التكهنات... حدّث نفسه:

- يا ترى، هل هنالك مقابلة تسبق التعيينات في مواقع ادارية مهمة، أم لها علاقة بطلبي المقدم لغرض الأشتراك في مؤتمر دولي خارج العراق، أم ماذا؟

 

شق البروفيسور طريقه إلى مديرية أمن الموصل التي تبعد أقل من كيلومترين عن الجامعة. دخل إلى مكتب الأستعلامات وعرّف بنفسه... طلب منه مسؤول الأستعلامات الأنتظار ريثما يُستدعى... جلس البروفيسور وهو مستغرب من هذا الأستقبال الحار!... حتى أن المسؤول لم يقل له: "تفضل دكتور، أو ما شابه. رافقت انتظاره، الذي دام أكثر من نصف ساعة، علامات استفهام كثيرة قفزت إلى رأسه، واختلط بعضها ببعض... لم يستطع الأجابة على أي منها...

في هذه الأثناء، دخل شخص متوسط القامة، يرتدي سترة جلدية ذات اللون البني الفاتح، من الباب الخلفي للأستعلامات (تبين بعدئذ أنه ضابط أمن برتبة نقيب). لم يكن في غرفة الأنتظار ذلك الصباح سوى البروفيسور الذي كان يسمع صيحات من يُضرب (أو ربما يُعذّب!).

- تفضل معي...

نهض البروفيسور واستغرابه على أشده... اختفت كنية التخاطب تماما، وانعدمت معها القيم العربية في تأدية التحية... زادت مخاوفه:

- يا للهول! يبدو أن هذه المقابلة ستنقلب إلى تحقيق في أمر، ربما يكون "تحرش جنسي" من طالبة راسبة في مادته مما سبب ترقين قيدها من الجامعة.

تبع البروفيسور الضابط إلى الطابق الثالث من إحدى مباني المديرية وهو مضطرب التفكير...

وفي مكتب مسؤول أمني رفيع المستوى (تبين بعدها أنه نائب مدير أمن الموصل، وبرتبة مقدم)... بودلت التحايا، والحمد لله... لقد خفّ التوتر قليلا...

- تفضل دكتور... (مؤشرا بكفه ليطلب من البروفيسور الجلوس)... ثم أردف قائلا:

- لولا مكانتك العلمية وتقديرنا العالي لها، لأتينا بك من الجامعة أو الدار.

- خيرا يا أستاذ؟

أومأ برأسه للضابط الذي أسرع بجلب رسالة بريدية. كان المظروف مفتوحا... أخرج منه رسالة ليريها للبروفيسور...

- هل تعرف صاحب هذا الخط؟

- كلا.

- تمعن به جيدا.

- ولكن اسمك مذكور في الرسالة!

- وإن يكن. ما علاقتي؟

- هل تعرف أحدا بأسم "بنيامين"؟

- نعم. إنه ابن الدكتور (ي)، ونختصره إلى (بن).

- هذه الرسالة واردة من لندن... أنظر الطابع والختم... ألا يعني هذا لك شيئا؟

- أبدا.

- ولكن كاتبها يقول بأنك التقيت به في لندن وحدثته عن مخاوفك ومخاوف الدكتور (ي) في ترك العراق للعمل في الجامعات البريطانية. كما أنه يهنىء فيها الدكتور (ي) على ترشيحه لمنصب عمادة كلية الآداب.

- هذا غير صحيح يا أستاذ... لقد رجعت من انجلترا عام 1983 بمحض ارادتي في الوقت الذي كان تبادل قصف المدن بين العراق وايران على أشده... حتى أن مديرة مدرسة بناتي اتهمتنى بالجنون عندما ابلغتها بأنني وعائلتي راجعون إلى أرض الوطن... كما أنني اشتركت في مؤتمر دولي بالنمسا عام 1984 ورحى الحرب دائرة. أما كان بأمكاني البقاء في كلتا الحالتين؟

- هل لديك خصوم في لندن؟

- وهل من مبعوث على حساب الدولة لا خصوم له؟!!! ولكنني إنسان مسالم.

أومأ برأسه ثانية إلى الضابط ثم قال:

- هذا كل ما لدي الآن... عسى أن تتذكر وتفيدنا... رافق السيد النقيب.

نهض البروفيسور من مقعده وقد فقد رباطة جأشه إلى حد كبير... رافق الضابط إلى غرفة أخرى... طُلب منه الجلوس...

- إعترف أحسن لك...

- أعترف بماذا؟

- أنك تعرف صاحب الرسالة...

- ومن أين لي أن أعرف؟

- ربما كتبها له شخص آخر بأملاء منه وقلت له ما قلت...

- صدّقني... لم يصدر عني أي شىء، وشهودي فلان وفلان في الحكومة.

- طيب. أجلب لك كفيلا غدا صباحا... والآن باستطاعتك المغادرة.

توجه الضابط برفقة البروفيسور إلى مكتب الأستعلامات... خروج آمن من مديرية الرعب والخوف والترهيب دون وداع، لأن في الآتي ترحاب ما بعده ترحيب!

وعلم البروفيسور بعدئذ أن الدكتور (ي) كان على موعد متزامن في عملية التحقيق، وفي غرف أخرى...

توجه البروفيسور إلى جامعته... قصّ قصّته على اثنين من زملائه المقربين... طلب من المقرّب الأول أن يتكفله... كان جوابه كالصاعقة:

- لا...لا... كل شىء، ولا الأمن!

واعتذر المقرّب الثاني لنفس المخاوف... كانت الردود قاسية... يالسخرية القدر! يقولون أن الصديق وقت الضيق، ولا يستحون من تلفظها!

لقد كانت سيارة البروفيسور تحت امرتهما في التنقل والتبضع وفي السراء والضراء... والمصيبة الأكبر هي أنهما يسكنان في الحي الذي

يقطنه البروفيسور... قد يكون معهما الحق لأنهما أصحاب عوائل، ولأن من يدخل إلى الدوائر الأمنية قد لايخرج منها!

لم يبق له أحد من المقرّبين في القسم سوى صديقه الحميم الدكتور أمين، الذي كان يقول (رحمه الله) بأنهما مواطنان من الدرجة الثامنة. قصّ له قصته، وقال بأنه سيتصل بوالده في بغداد من أجل الكفالة. سارع المرحوم بالقول:

- إذا لايقدر والدك على المجىء، بسبب كبر سنه، فأنا مستعد للذهاب معك.

- شكرا يا أبا محمد... لقد أثلجت صدري... ولكن والدي سيأتي حتما.

وفي دائرة الأمن صباح اليوم التالي...

تكررت اللعبة المقيتة وطال الأنتظار في مكتب الأستعلامات...

وبعد حين... جاء النقيب وقاد البروفيسور ووالده إلى غرفة أخرى من غرف الطابق الثالث... تقاطرت الأسئلة عينها وبشكل تهديدي أمام الرجل العجوز. ولكن أجوبة البروفيسور لم تتغير... تدخل الوالد:

- يا سيدي، إن ابني نظيف، ويعرف أمن بغداد الجديدة موقفنا من الحكومة والحزب جيدا. كما أن ابني نصير في الحزب.

- يا حجي... كل هذا لايعني شيئا... لقد أعدمنا اعضاء في القيادتين القطرية والقومية ممن خانوا الوطن!

- ولكن الدكتور وطني ابن وطني...

وجاء النقيب بورقة... طلب من والد البروفيسور التوقيع عليها... يجهل الوالد القراءة والكتابة، ولايعرف سوى التوقيع الي تعلمه ليكون بديلا لبصمة الأبهام... تم التوقيع! ثم طلب من البروفيسور التوقيع على الجانب الأيمن من الورقة...

- ولكن هذه الورقة بيضاء!

- إنه الأجراء المتبع هنا!

- علامَ أوقع؟ على اعدامي؟

- إنها كفالة بخمسة الآف دينار.

- ولكنها لاتنص على شىء!

- أتوقع أم لا؟

وما كان للبروفيسور سوى الرضوخ للأمر الواقع... يبدو جليا أن عدم التوقيع عواقبه وخيمة... تم التوقيع!!!!!!

وبعد مضي شهر من الزمان، طرق مكتب البروفيسور شاب وسيم عرّف نفسه على أنه ضابط أمن الجامعة:

- لاتقلق يادكتور، لقد أمسكنا بالخيط الأول... والآن لي طلب...

- تفضل...

- أرجو مساعدة غادة (في هذه الأثناء، كان يداعب مسدسه المخفي تحت سترته)...

- سأبذل ما بوسعي... إن شاء الله خير... ولكن عليكم بالجاني!

وعلم البروفيسور بعدها أن الملازم الوسيم على علاقة غرامية بطالبته الذكية جدا!!!! وشكك في صدق ادعائه بأن الأمن أمسك بخيوط المؤامرة الدنيئة.

أغلق الملف إلى اشعار آخر... ولم يحصل البروفيسور على الموافقات الأمنية لحضور المؤتمرات الدولية خارج العراق، رغم الدعوات الموجهة له، حتى سنة 1999 ، الذي يعتبره عام الرئة التي يستطيع التنفس بها من جديد .

وإلى مرثية جديدة أخرى، بأذن من الله.

الأردن في الرابع من كانون الثاني 2007

 

مرثية ذاتية لها بقية

خاطرة قصصية رقم (8)

أ. د. دنحا طوبيا كوركيس

 

بروفيسور في دائرة تجنيد الرصافة (3)

 

       كانت فرحته لا توصف عندما أنهى متطلبات دراسة الدكتوراه من جامعة بريطانية عريقة في كانون الاول سنة 1982. قرر العودة مع زوجته وطفلتيهما إلى العراق رغم نصيحة أصدقاءه من الإنجليز والعراقيين والعرب بالبقاء. لم يعر للتحذير أهمية، فقد كان الوطن فوق جميع الاعتبارات، وإن كان يعلم جيدا بأن قصف المدن بين العراق وايران لا يرحم أحدا ولا يمكن لأحد التكهن بنتائجه، ناهيك عن درايته التامة بهول الحرب على جبهات القتال بين البلدين. من أحد الأكشاك القريبة من جامعته أدار قرص الهاتف مرتين فكانت بغداد على الطرف الآخر من الخط مستيقضة على أصوات انفجارات صواريخ بعيدة المدى. لم يبال. زفّ بشرى حصوله على الشهادة التي كان يحلم بها إلى ذويه وأبلغهم بموعد وصوله إلى أرض الوطن. ولكن عوضا عن الفرح المتبادل، جاءه صوت أنثوي ممزوج بالمرارة والسعادة والبكاء المتقطع. كانت كلمات أمه التي مازالت تؤرقه عين العقل. قالت:

-        إبني روح أبعد. هل جننت؟ نحبك. وهل من أم في الدنيا لاتحب أن تشم رائحة وليدها وأحفادها عن قرب؟ إذهب أبعد، يا بني، ولا تقرب النار.

-        لا يا أمي. أنا قادم، وشهادتي في خدمة الوطن.

شدّ الرحال رغم معرفته بالمثل العراقي القائل: اللي ميمشي بشور أبوه وأمه، شغله يجي أعوج (أي بالعربي الفصيح: من يتجاهل نصيحة والديه، عليه أن يتوقع نتائج غير مرضية).

حطت طائرة البوينغ التابعة للخطوط الجوية العراقية على أرض مطار صدام الدولي بسلام صبيحة يوم 25/1/1983. تنفس الدكتور ومن كان معه في الرحلة هواء بغداد، وإن كان ممزوجا برائحة بعض سحب من الدخان المتراقصة في الأفق البعيد والقريب. لم يبال. وبعد انتظار طويل على مشارف الحزام الناقل لأمتعة المسافرين، لم تظهر حقيبتان، وعدت من المفقودات. بداية غير موفقة تنذر بالشؤم. لم يبال. استقل سيارة أجرة في طريقه إلى بغداد الجديدة، وملخص حديثه مع السائق الشهم وما كان يبثه المذياع لم يتجاوز حدود الديباجة المعروفة: "النصر بعون الله" والأهزوجة الشعبية: "يا حوم اتبع لو جرينا" التي لم يستطع ترجمتها للإنجليزية بما يتناسب وثقافة الإنجليز.

عند مدخل الدار، تعالت الزغاريد وتناثر الجكليت (الملبس) في الهواء وبودلت القبل ورويت القصص والطرائف على الأقرباء والاصدقاء في سهرة المساء وحتى منتصف الليل.

وقبل أن يتوجه إلى دائرة تجنيد الرصافة الثالثة في الصباح الباكر لتأشير دفتر خدمته العسكرية، سأل الدكتورعن موقعها المتنقل كقطعات الجيش، فقيل له بأنها انتقلت في رحلتها المكوكية هذه المرة إلى ضاحية من ضواحي رصافة بغداد، وتحديدا في بيت عتيق مؤجر كعادتها، يقع خلف القصر الابيض بمنطقة السعدون. لم تكن النداءات المتكررة مثل "باب السرجي .. نفرين .. باب السرجي" التي كان يطلقها "سِكنية الفوردات" (مساعدو الباصات) غريبة عليه. صعد الدكتور إلى الباص الذي أوهمه "السِكن" بأنه يحتاج إلى "نفرين" (أي شخصين). ومع ذلك، تقبل الدكتور الأمر فحشر جسده بين أجساد "العِبرية" (الركاب) التي لم تكن تعلم أين يقودها القدر. صورة متناقضة تماما بين وسائط النقل في بريطانيا وبغداد. لم يكترث.. كفة الوطن كانت أرجح!

وأمام شباك "القلم"، ناول الدكتور دفتر خدمته العسكرية وشهادة الدكتوراه. وبعد بحث بين السجلات القديمة وإدخال المعلومات الجديدة في سجل مواليد 1948، طلب من الدكتور أن يراجع "المقدم" (مدير تجنيد الرصافة/3) في الطابق الثاني من البناية لتوقيع دفتره. بعد انتظار لم يدم طويلا، نادى نائب ضابط على أسم الدكتور. ولما لم يكن الدكتور قد تعود على التحية العسكرية، كانت "صباح الخير أستاذ"، وليس"سيدي" المعتادة، بديلا أزعج سيادة المقدم الذي تعمد في ممارسة الأعراف العسكرية الصارمة:

-        أسمك الثلاثي؟

-        دنحا طوبيا كوركيس

-        مواليدك؟

-        1948

-        لماذا لم تلتحق بالخدمة العسكرية لحد الآن؟

-        دافع البدل النقدي.

-        ولكن جماعتك ممن دفعوا البدل الآن في الخدمة. نحن في حالة حرب.

-        أعلم ذلك، ولكنني مؤجل من إداء الخدمة حسب قرار مجلس قيادة الثورة.

-        كلا. لست مؤجلا. سأرسلك إلى معسكر تدريب الحلة.

-        ولكنني أحمل شهادة الدكتوراه.

-        "علّكها بطيزك"!

لم أصدق ما سمعت. ارتفع ضغط الدم إلى رأسي. لم استطع أن اتنفس بيسر. إسودت الدنيا في عيوني. ولكن يبدو أنه شعر بوقع تعبيره النابي، فأردف قائلا:

-        هل لديك شهادة أخرى؟

-        ماجستير.

-        لا أريدها.

-        بكالوريوس.

-        ولماذا لم تقل ذلك منذ البداية؟

-        لأن قرار مجلس قيادة الثورة الأخير يستثني أساتذة الجامعات من حملة الدكتوراه.

-        من أي كلية تخرجت ومتى؟

-        التربية/جامعة بغداد 1972

-        إذن سأستثنيك بصفة "مدرس".

 

أجري اللازم وكأن شيئا لم يكن.

 

وأنا في طريق العودة إلى الدار، بدأت اتساءل: أمعقول أن يكون "مقدم" في الجيش العراقي بهذا المستوى؟ أما كانت والدتي على صواب حينما طلبت مني أن أذهب "أبعد" من انجلترا عندما أخبرتها بأنني راجع إلى الوطن؟ كيف سأروي قصتي مع السيد المقدم لزملائي في الجامعة ولأهلي وأصدقائي؟ راودتني أسئلة كثيرة لم استطع الإجابة على أي منها. لازمني صداع لأيام عديدة وصورة "المقدم الشهم" لم تفارق مخيلتي، فتولد عندي شعور بالندم منذ تلك اللحظة.

 وفي الدار رويت القصة. صعق الجميع... رفع والدي سماعة الهاتف ليطلب من صديقه الوفي العميد جميل الشيخلي (أبو سعد)،رحمه الله، أن يتشرف بزيارتنا على وجه السرعة. وخلال نصف ساعة كان الرجل في بيتنا. رويت له القصة على الفور. لم يتمالك أعصابه، فأطلق العنان للسباب. رفع سماعة التلفون ليذهب بـ "المقدم" إلى الجحيم. وإن كان الرجل قوميا، فقد كان آمرا لموقع البصرة، وقبلها آمرا لمعسكر الرشيد. رجوته ألا يفعل ذلك بينما كان والدي يصر على معاقبة "المقدم" وإقصاءه من مركزه.

وبعد اسبوعين من الحادثة، وصلنا خبر وفاة "المقدم"، وكان لله في خلقه شؤون.

 جامعة جدارا  - إربد/ الأردن

 في 5/11/2009 

 

مرثية ذاتية لها بقية

خاطرة قصصية رقم (9)

أ. د. دنحا طوبيا كوركيس

  كتاب أم كباب

  

       كُتب على العراقيين أن يكون رغيف خبزهم اليومي المطعّم بالرمل ونشارة الخشب عنوانا لـ "الصمود والتصدي" خلال السنوات التي تلت خروج الجيش العراقي من الكويت، وكانت لفافة التبغ المحلية، الحبلى بورق العنب والديدان، وربما روث الحيوانات، عنوانا لـ " النصر" و"الكبرياء". كانت لفافتي تحديا أمام الدخان المنبعث من سيكارة المالبورو التي كان يتغنى بها نفر من الطلبة العرب، وبعض الفاشلين من طلبتي العراقيين، جيئة وذهابا أمام مكتبي في الكلية. ورغم وضوح الرسالة التي كانت سحابات دخان تلك السيكارة بالتحديد تحملها إلى مكتبي لمئات الأيام من الحصار أثناء الدوام، لم استسلم أمام المغريات من أجل شراء علبة مارلبورو. رفضت التدريس الخصوصي كوسيلة لكسب العيش. رفضت التدريس في البرنامج المسائي لنيل درجة البكالوريوس. كان بإمكاني أن أكون تاجرا كوالدي منذ أن نبت شاربي، ولكنني اخترت العلم دون التجارة، على عكس ما كان والدي يتمناه لي. تذكرت الديك التي اهدته والدتي (رحمها الله) إلى المعلم أوغسطين (رحمه الله) في قرية باطنايا بالموصل سنة 1956، وتذكرت يحي برصوم، المدرس في كلية بغداد سنة 1964، عندما أخذني والدي إلى داره في الكرادة لأتلقى منه دروس خصوصية في مادة الكيمياء التي اخفقت بها في الدور الأول ونجحت في الدور الثاني. تلازم عقدة النجاح والرسوب كل تلميذ، ولكن ربّ عقدة هادية! لم أساوم على العلم سوى مرتين مكرها أخاه. الأولى كانت سنة 1973عندما توقفت التعيينات في دوائر الدولة العراقية، باستثناء منطقة الحكم الذاتي، أيام تأميم النفط. لم أكن مدرسا رسميا، لكنني كنت خريجا متفوقا يساعد أخاه في محل لتصليح الاجهزة الكهربائية. طـُلب مني تدريس ثلاثة من طلاب البكالوريا الراسبين في اللغة الاتكليزية بالدور الأول، كل على حدة. نجح الثلاثة في الدور الثاني وقبضت أجوري من اثنين منهما، بينما ولّى الثالث هاربا. أما الثانية، فكانت سنة 2000 في ليبيا التي حجبت رواتبي ورواتب زملائي العراقيين دون مبرر لمدة أشهر عديدة. ولهذا السبب، كان التدريس الخصوصي في ليبيا أمرا مألوفا بين العراقيين. لقد زلت قدمي من أجل لقمة عيش عائلتي ودفع بدل ايجار الشقة والفواتير التي لا ترحم أحدا.  والأنكى من ذلك، فقد شمل الحجب مكافأة نهاية الخدمة إلى يوم القيامة رغم حصولي على موافقة وزارة المالية في هذه الدولة الغنية بوجوب صرفها. ومع كل ما تقدم، أشعر بازدراء إزاء التدريس الخصوصي، وإن شرعنه الكثيرون.

ورغم رداءة الحصة التموينية وتدني الراتب الشهري إلى ما يعادل أربعة دولارات إلا ربعا (وهذا أعلى راتب كان يتقاضاه البروفيسور) امتنعت عن تدريس طلبة البكالوريوس في الحصص المسائية لإيماني بأن التدريس سيكون شكليا ولا يمكن معادلته بالتدريس الصباحي. لقد استشرى الفساد العلمي الذي تشمئز النفس من الخوض في تفاصيله. وبديهي أن الاستثناءات أمر وارد في هذا المقام لأن هنالك من أكمل الدراسات العليا بجدارة. كان يأتيني بعض طلبة الدراسة المسائية إلى مكتبي صباحا للاستشارة وبين اصابعهم سيكارة المارلبورو أو الروثمنز. كان الاستاذ احمد يتردد إلى مكتبي، ولا يمانع في أن يقبل منهم سيكارة يضعها خلف أذنه كي يعطيها لي بعد انصرافهم. والحق يقال: كنت أدخنها بعمق وحسرة، بينما يواسيني احمد بروحه الخفيفة المرحة ونكاته الساخرة وهو ينوب عني بـ "لف" السيكاير المحلية الواحدة بعد الأخرى ويودعها في علبة المارلبورو الفارغة. كان دائما يذكرني بالعلم والكتاب ويقول بلهجته المصلاوية:

أبو لورا، أيما كتاب، أيما بطيخ...

وعندما كنا نعبر الشارع المقابل لبوابة الجامعة، الذي تنتشر على ناصيته المطاعم، كان يستنشق رائحة الدجاج المشوي ويناغي معدته:

- الحمد لله رب العالمين... لقد شبعت من الرائحة

وما ان نقترب من شوّاية الكباب، يسحب احمد نفسا عميقا وكأنه يطير على سحابة الدخان المنبعث إلى الأعالي، فيقول:

-   ها أبو لورا... لو خيّرني أحد بين الكتاب والكباب، لما ترددت في طلب الكباب ونبذ الكتاب.

كنت أضحك، بينما هو يسترسل في كلامه مشيرا إلى الجالسين في المطاعم:

-   أنظر من هناك؟ جماعة المارلبورو... أغلبهم طلبة عرب وجماعة البورصات.

كنت اتفق مع احمد في كل ما يقوله عن هولاء النماذج من الطلبة. كان أغلب الطلبة العرب من المبعوثين على حساب القيادة القومية أو وزارات بلدانهم أو ممن كان يعلم ذووهم بأن المائة دولار التي يرسلوها لهم شهريا مبلغ يحسدون عليه في العراق... شقق مفروشة وسهرات ليلية حتى الفجر. أما جماعة البورصات، فهم اولئك الطلبة الفاشلون اكاديميا ويتاجرون بأرزاق المعدومين من مواطنيهم. إنهم تجار حروب يسخرون من منصب "أستاذ جامعي" بسبب راتبه المتدني. ومع ذلك، لم اتفق مع الاستاذ احمد في تفضيل الكباب على الكتاب الذي كنت اطلبه ليس من الصين فقط، وإنما من أرجاء العالم، رغم الحصار، والشهود من طلبتي ممن حصلوا على الماجستير أو الدكتوراه ما زالوا أحياء يرزقون، وأغلب ظني أنهم، كأستاذهم، من عشاق الكتاب مهما تعددت اسباب تفضيل الكباب.

 مرثية ذاتية لها بقية

خاطرة قصصية 10 

 

أ. د. دنحا طوبيا كوركيس

    

شتيمة من ناقص في عقر داري

  

    حبّذا لو اخذونا في نزهة بين الحملان برعاية كلب يحمينا من الذئاب وراع يهدينا إلى مراع تتغنى ببرسيم نيساني أخضر تزينه ازهار البيبون ذات اللب الاصفر والاجنحة البيضاء وقالوا لنا: ها هنا انتم قاعدون سالمون غانمون، ولكن كالدجاج اقتادونا إلى معسكر "درنجوخ" لتدريب الجيش الشعبي وقالوا لنا: ها هنا تصنع الفحول وليس في الحقول. كان ذلك في صيف سنة 1984 من تاريخ جامعة الموصل، صيف لاهب تنقلب فيه المعادلة بين الاستاذ والطالب لتصبح مفردة "الرفيق" جسرا يعبر عليه الأمير والحمير. والأنكى من ذلك، يُخاطب بها من تلصق به تهمة أو يحاكم بالخيانة العظمى. هكذا شاء منظرو "الاشتراكية" و "الوطنية" في العراق، ومن على الجسر سقط اساتذة جامعات اجلاء، ومنهم ابن خالي قرياقوس ميخا خمي الذي ابتلعه نهر "القارون" في الحرب مع ايران. يبدو أن قيادتنا لم تقرأ مذكرات تشرتشل، رئيس وزراء بريطانيا، الذي رفض أن يرسل اساتذة الجامعات إلى جبهات القتال في الحرب العالمية الثانية. ولكن حصل الذي حصل وما علينا سوى كتابة التاريخ كما عاصرناه بأمانة.

استغربت من تسمية "درنجوخ" للمنطقة الواقعة في الطرف الجنوبي لناحية الرشيدية/ قضاء تلكيف الواقعة على الضفة الغربية من نهر دجلة. قد تكون الكلمة كردية أو تركمانية لأن اغلب ساكني الناحية هم من التركمان الذين استقبلونا بالاهازيج والتصفيق على حافتي الطريق المؤدية إلى المعسكر ظنا منهم أننا في طريقنا إلى تحرير المناطق العراقية التي وجدت فيها القوات الايرانية "موطأ قدم" بينما تتبادل الدولتان قصف المدن. كان الطلبة، خاصة الراسبين والمكملين في الدور الأول من الامتحانات النهائية، فرحين بتواجدهم مع اساتذتهم الذين يشاركونهم خيمهم وقصعتهم ودس اصابعهم فيها لتناول وجبات الغداء والعشاء، ناهيك عن انتعاش آمالهم في النجاح. للمقاتل "الصنديد" خياران، إما دس الأصابع في القصعة المشتركة، أو الامتناع عن الطعام بانتظار سائق التموين، الاستاذ سليمان، كي يأتيه بما يتيسر له من السيكاير والمعجنات في طريق عودته إلى المعسكر. كنت أنا وزميلي الاستاذ صبحي نمتنع عن تناول الطعام في الأيام التي يرى احدنا بأن حاوية الشِـجر (الكوسة، بلهجة الشام) تكسوها طبقة سوداء وخضراء وزرقاء. تأملنا مرة الوعاء (الطشت) الذي يحتويه الشـِجر المقطع. تغاضينا عن الاتربة وحبات الرمل التي كانت تأتي بها الرياح لأن الشـِجر سيغسل بالماء قبل وضعه على النار، ولكن ماذا عن جيوش الذباب؟

علق صبحي بفكاهته المعهودة: اشبع اليوم بروتينات!

-        ولكن الذباب الأخضر، يا أبا بسمان.

انفجر صبحي ضاحكا لأنه يعلم بأن هذا النوع من الذباب يعيش على فضلات الانسان وروث الحيوانات وكل ما هو "فطيس" (أي نافق).

وفي حضرة ملايين المايكروبات، تبدأ الاتصالات والمشاورات للحصول على فتات من الخبز أو بقايا المعجنات.

مرّ اسبوعان على تواجدنا في المعسكر الذي تأقلمنا مع سلوكيات القائمين عليه. اقتصر التدريب على الرياضة والانضباط والتوجيه المعنوي. كنت انتظر بفارغ الصبر صدور الامر الجامعي الذي يقضي مشاركتي في مؤتمر دولي بالنمسا. لم يكن صبحي متفائلا حول امكانية حصولي على موافقة جامعة الموصل بايفادي إلى الخارج في ظل الحرب الدائرة بين العراق وايران، ناهيك عن أننا كنا في معسكر تدريبي لا يسمح بالخروج منه سوى للضباط المجندين. انتهزت فرصة وجود (النقيب) الدكتور مؤيد معنا، وطلبت منه متابعة الموضوع.

وجاء الجواب بالايجاب...

لم يصدق احد عينيه وهو يقرأ الأمر الجامعي القاضي بإيفادي، كما لم اصدق سماع سيل من كلمة "مبروك" من افواه الزملاء والطلبة. هرعت إلى آمر المعسكر، النقيب (م ح) للحصول على موافقته بترك المعسكر. عندما وصلت إلى خيمته كان يتناول طعام الغداء (الخاص) مع معاونه الملازم الأول (س ص). اديت التحية العسكرية التي لم اتقنها، حالها حال الرقص والغناء، في حياتي، وقدمت الأمر الجامعي له. تأمل في الكتاب قليلا، ثم علق ساخرا:

-  هـَم "دنحا"، وهـَم "طوبيا" وهـَم "النمسا"؟

تسمرت في مكاني دون تعليق، وارتفع الدم إلى رأسي، وشعرت بالغثيان بينما راح قلمه يذيّل الكتاب بالموافقة. ومع ذلك، شكرته، لكنني توجهت مسرعا إلى الرفيق (ص م)، عضو فرع نينوى للحزب، آمر القاطع، وشكوته بالذي بدر من المسئول العسكري. حاول الرفيق امتصاص غضبي بقوله:

-  هذه نماذج سيئة تسىء إلى الحزب والثورة. أما يعلم بأن القائد المؤسس والرفيق طارق عزيز مسيحيان؟ توكل على الله، وامض في مشوارك. رافقتك السلامة.

لم تسعفني مواساة الرفيق كثيرا لأن البيئة التي تخرج منها السيد النقيب موبوءة، بل كانت خشيتي في الذي سيحصل لمسيحيي الموصل تحديدا. لو كان معلمه قد تبرع فعلمه بأن اسم "دنحا" اسم عراقي أصيل وأسمه دخيل على العراق، فضلا عن كونه حاملا لشهادة الدكتوراه، ما سخر هذا الناقص من الأسماء السريانية التي وهبتها السماء.

وإلى الملتقى في مرثية قادمة...

 

=========================

*الأستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

الأردن / جامعة جدارا

مرثية ذاتية لها بقية رقم 11 بعنوان:

 عندما يلوي الأقوى ذراع الأصلح

خاطرة قصصية

أ. د. دنحا طوبيا كوركيس

 

       كم  كنت غبيا (ربما شجاعا) عندما صدرت عني عبارة "كيلو التمّن (الرز) صار بثـْمانين دينارْ" أيام الحصار الإقتصادي الذي تسبب في فرضه على العراقيين من تسبب في تسعينيات القرن الماضي. اطلقتها حنجرتي عفويا في حضرة أقرب زميلين إلى نفسي كردّ فعل سلبي على طلب مسؤولنا الحزبي (وهو أحد طلابي) بتسديد الإشتراكات الحزبية. لم أكن اتصور أن التصريح بحقيقة ثمن كيلو التمّن في ذلك الوقت قد ينقله طالب من طلابي حرفيا بتقرير إلى مسؤوله (وهو زميلي وصديقي) ومن ثم إلى قيادة الفرقة الحزبية التي استدعتنا نحن الثلاثة بعد بضعة أيام للاستجواب. كنا نجهل سبب استدعائنا، ولم يخطر ببال أي منا أن رائحة التمّن تسربت إلى أنوف الرفاق في الفرقة التي فسرت التصريح على أنه امتعاض من "السياسة الحكيمة". لم نكن نتصور أبدا أننا على موعد مع "محاكمة" تهين كرامتنا. وبينما كنا نضرب أخماسا بأسداس أمام باب القاعة، نودي عليّ. دخلت وأديت التحية. لم أسمع سوى بضع تمتمات كردّ على "أحسن منها". تفاجأت من عدد رفاق الفرقة (ربما كانوا ثلاثين) ومن الوجوه التي وقع نظري عليها. كان أغلبهم طلابي وزملائي، ولكن في لحظة من لحظات الزمن الغادر تبخرت روح الزمالة وعلاقة الطالب بالأستاذ وساد محلهما الترهيب والترغيب، بل غابت اللياقة و "الكرم العربي". ولما لم يُطلب مني الجلوس شعرت بأن في الأمر اسوأ مما تخيلت. ولكن ما أن بدأ أحدهم بالثناء على علمي وعملي وسلوكي الايجابي في الجامعة، إنطلق صوت آخر من موقع متميز بين الجمع، صوت مألوف جدا لأحد طلابي الفاشلين:

-        رفيقي، هل تعترف بأن الكويت محافظة عراقية؟

سؤال إستفزازي يعرف جوابه سلفا، ويعلم جيدا بأن الماثل أمامه لا يمكن له أن يجادل في قضية الكويت أو غيرها من القضايا الساخنة والباردة التي يمليها الحزب على كوادره المتقدمة والمتخلفة. وعليه، ليس بمقدور أحد أن يتجاوز الحدود البايولوجية التي وهبها رب العالمين للببغاء:

-        بالتأكيد، رفيقي. وهل تشك في موقفي؟

-        لا، أبدا، ولكن لمَ قلت بأن كيلو التمّن "صار بثمانين دينار"؟

-        كانت مجرد ملاحظة اقتصادية عن ارتفاع الأسعار بسبب الحصار الجائر والمبرمج على القطر.

-        ولكن ملاحظتك خطرة وتسيء إلى الحزب والثورة.

-        لم يكن قصدي الإساءة لأن التصريح بالسعر لم يكن سوى اقتباس لحالة السوق.

تداخلت رفيقة (إبنة أختها طالبة فاشلة بين طلاب الماجستير):

-        الدكتور الرفيق "دنحا" معروف بنزاهته وعلمه وأخلاقه، ولا يمكن أن يسيء للحزب.

وأثنى على المديح صوت من علية القوم في صدر "المضيف":

-        وأنا أرشح الرفيق للعضوية. شكرا رفيقي. كانت غايتنا اللقاء والتعارف عن كثب على رفاقنا في القواعد. بارك الله فيك. مع السلامة. نادونا على الرفيق (س).

دخل (س) وخرج بابتسامة هجينية. نودي على (ص). دخل مرتعبا وخرج مصفرا. لم يكن بوسعنا مناقشة الحدث بسبب هواجسنا من وجود أجهزة تصنت مخفية، ولكننا تبادلنا النظرات المعبرة عن سخريتنا وهلعنا في آن واحد.

كم هو مؤلم أن يتحكم طالب فاشل بأستاذه للمرة الثانية. مضى على الواقعة الأولى قرابة عقدين من الزمان عندما كان هذا الفاشل قياديا في الاتحاد الوطني لطلبة العراق. إستطاع من موقعه القيادي إقناع رئيس القسم (الخائف من ظله) بأنني لا أصلح لتدريس الصف الذي كان فيه. بيد أن هذا الفاشل الذي كان يعجز عن نطق الباء المهموسة أو كتابة جملة إنكليزية سليمة واحدة، والشهود من زملاء صفه أحياء يرزقون، حصل على الماجستير من جامعة الموصل بطرق ملتوية وأصبح تدريسيا وزميلا لي. مُنح زمالة دراسية حزبية لدراسة الدكتوراه في بريطانيا، ولكنه عاد بخفي حنين بعد بضعة اشهر بعدما تمتع ببارات ومراقص إنكلترا بحجة أن مشرفته "صهيونية" حتى النخاع. عاد مولانا الفاشل وكأن شيئا لم يكن. وبدلا من مقاضاته ماديا، هلل رفاقه وانتخبوه عضوا لقيادة الشعبة تقديرا لموقفه القومي العروبي المشرف. يا للشرف! وإن شعرت في تلك اللحظة بأنني اصغر من أبو بريص (السحلية) أمام ديناصور، غير أنني تنبأت بأنه وأمثاله سينقرضون عاجلا أم آجلا مثلما سقطت أعتى الامبراطوريات في التاريخ وزالت عن الوجود. كما تنبأت أيضا بأن الأيام القادمة ستكون حُبلى بأكثر من سفاح. ظلت وقائع "المحاكمة" جاثمة على صدري وفكرت في إيجاد وسيلة  للهرب، كما فعل غيري، عن طريق جبال العراق. ولكنني تريثت حرصا على سلامة عائلتي وأطفالي الأربعة لأن الأخبار أفادت بأن نفرا من أساتذة جامعة الموصل قـُبض عليهم وأودعوا السجن بينما تمكن الآخرون من الفرار.

كانت توقعاتي صائبة، فقد تلبدت السماء بغيوم سوداء وصمّت آذانها غير آبهة بدعواتي لانتشالي من الجحيم الذي رُميت فيه. قدّم الرفيق الفاشل أوراقه وبحوثه إلى لجنة الترقيات في الكلية سعيا إلى نقله إلى مرتبة "مدرس". وبما أن لجنة الترقيات كانت تعلم جيدا بأنني لا أساوم في المسائل العلمية، وقع عليّ الاختيار لأكون محكّما لبحوثه، وربما اختارني هو على خلفية "المحاكمة" التي استمد منها جبروته وقناعته. كنت أعلم سلفا بأنه لم يكتب أيا من البحوث الثلاثة المقدمة للترقية. ومع ذلك، قرأت البحوث بعناية وسجلت ملاحظاتي وختمت التقرير بعبارة "غير صالحة للترقية". لم أفعل ذلك انتقاما من قيادته للمحاكمة المشؤومة أو إقصائي عن التدريس قبل عقدين، فـ "العين بالعين والسن بالسن" ليس ديدني مهما تجاوز الظلم حدوده، وإنما لأن اللغة التي كتبت بها البحوث (المشتركة) كانت لغة أحد طلابي في دراسة الدكتوراه. معذور هذا الطالب الذي كان يعفيه الرفيق الفاشل من الخفارات الحزبية الليلية، ولكن لن ألتمس له عذرا على تبنيه سياسة "شيلني داشيلك" في حياته الأكاديمية، وإن كان طالبا متميزا وتدريسيا جيدا وإنسانا مؤدبا ولطيف المعشر.

مرّ شهر تقريبا على تحكيمي، ولم يخطر ببالي أن الفاشل سيسعى لمعرفة مقيّمي بحوثه. لقد جرت العادة في كل المؤسسات الأكاديمية على وجه الكرة الارضية أن تـُحاط إجراءات الترقية بسرية تامة، ولكنه استطاع الحصول على الأسماء بحكم موقعه الحزبي. بطـُل الكلام وقـُرأ السلام على السلام، وكان ما في الحسبان من مظالم لا يمكن لها أن تبقى طي النسيان. إنقطعت صلتي بالعالم الأكاديمي الخارجي باستثناء المراسلات البريدية. كلما قدمت طلبا لحضور مؤتمر دولي، جائني الرفض لأن قرار الجامعة مبني على موافقات قيادة الفرقة الحزبية والأمن،

وللمرثية بقية ...

   الأستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

الأردن / جامعة جدارا