كاتب و كتاب

لكاتبها :
مصلح الأشقر*
قراءة :
نزار ب الزين*
" ألا كم من شمعة أضاءت دروب المعرفة للأجيال و هي تحترق نورا و
تذوب إخلاصا في تأدية رسالتها فمن تلك الشمعة يا ترى ؟ إنها البطل
المجهول الذي أمد الحياة العلمية للأجيال و بقي صامدا على منصته
يرمقها تمر أمامه متسلحة بسلاح العلم و المعرفة ، تلك الشمعة هي
المعلم صاحب الرسالة ، الذي لم يجد حلاوة في العمل كما وجدها في
مهنة التربية و التعليم ."
عبارة مقتطفة من مقدمة " مذكرات شمعة "
الكتاب إذاً كما هو واضح من عنوانه ، من أدب المذكرات ، يطوف بنا
كاتبه – من خلاله – في جولة سياحية طويلة طول حياته ، تبدأ من
هجرته القسرية من القرية التي أنبتته :
" السموعي " من قضاء صفد في
فلسطين ، منتهية إلى " ماديسن "
عاصمة ولاية وسكانسن الأمريكية ، عبر دمشق و الجزائر .
" مذكرات شمعة
" خطتها أنامل مصلح الأشقر ، بأسلوبه التصويري الدقيق و المشوق ، و
الذي اعتمد فيه على نهج السهل الممتنع ، فقسمها إلى فصول أو أجزاء
لكل منها عنوانه ، تناول في كل منها جانبا من جوانب إبحاره في
مرافئ الحياة ؛ ثم أهداها إلى المعلم ، إلى كل معلم .
في الفصل الأول
تحدث عن تاريخ مولده و ظروف ولادته
، متطرقا إلى أمنيته الكبرى ألا و هي أن يرى العالم العربي موحدا :
"
عشت خلال كل مراحل حياتي محبا للعروبة لأنني ولدت عربيا و رضعت حب
العروبة من خلال لغتي العربية و واقعي العربي و البيئة العربية
التي عشت فيها ، ما أنا بعنصري أميل إلى جنسي فقط ، بل أنا إنساني
في نزعتي أيضا "
ثم يضيف :
" أن الفضائيات العربية تزيل الحدود و تجعلك تعيش في حضن هذا الوطن
"
فلعله بهذه العبارة كان يسخر من الجهود الوحدوية العربية الفاشلة
، و التي لم تحققها معنويا على الأقل غير الفضائيات العربية !
في الفصل الثاني
يتحدث الكاتب عن نشأته الأولى ، فتبتدئ رحلته في قطار العمر بدءاً
من مدينة صفد الفلسطينية حيث أنجبته أمه في مستشفى المدينة المسمى
" الإصطبار"
، ثم يعرج به إلى قرية "ميرون"
على سفح جبل الجرمق ، حيث يعيش أهل والدته ، ثم إلى بيته في قرية "السموعي"
و هو بيت مختار القرية فوالده كان مختارها ، واصفا حياته و نشأته
الأولى فيها بتفصيل معمق ، و كأنه يحمل " كامرة فيديو" يسجل بها
نقلاته العمرية لحظة بلحظة :
" و كانت باحة الدار الواسعة كأنها ملعب لكرة القدم ، يلتقي فيها
مع أبناء عمومته و يمضي معهم سحابة النهار " ؛
إلى أن جاء سن المدرسة ، فكان "
كُتّاب السموعي "
مدرسته الأولى ، و لكن عندما قدم سن المدرسة الحكومية انتقل مع
أخويه إلى مدينة صفد .
و ينطلق به قطار العمر إلى مغامرته الأولى ، فقد سافر مع والديه
إلى منطقة الحمة المجاورة لبحيرة طبريا ، فيصف لنا البحيرة و
زوارق الصيادين التي تمخرها ، ثم يحكي قصة ضياعه في تلك المدينة .
ثم ينتقل إلى وصف الحياة في قريته فيحكي عن الزيتون و الخروب و
الزعتر و الكشك و خبز الصاج و قطاف العسل و الحصاد و تحويل القمح
إلى برغل و الخروب إلى دبس .
ثم يحكي لنا عن قصة سقوطه في خزان الماء التابع لبستان والده ، و
إشرافه على الغرق ، لولا أن أنقذه إبن عمه في الوقت المناسب .
و يختتم الفصل الثاني بالحديث عن هجرته و ذويه و أهل قريته ، تلك
الهجرة القسرية الظالمة ، التي لم يقع مثلها في تاريخ البشرية ،
كان ذلك قبيل خريف عام 1948 .
" خرجنا من القرية خوفا من إرهابهم ، ثم سرنا قوافل من البشر نحو
الحدود اللبنانية . "
في الفصل الثالث
، يتحدث الأديب مصلح الأشقر عن بدايات حياته في مدينة دمشق بعد
رحلة الهجرة الشاقة ، عبر خلالها و عائلته الحدود الفلسطينية
اللبنانية إلى بنت جبيل فصيدا فبيروت ، ثم إلى دمشق حيث قطن و
عائلته في حي الديوانية ذي الطابع الريفي مع عائلتين أخريين ..
يحدثنا عن طفولته و الظروف المادية الصعبة التي كان يعيشها ، و
بسخرية ممتزجة بالمرارة يحكي لنا عن المشقة التي تحملها طلبا لفرنك
" أي خمسة قروش "
من والده ليستأجر دراجة لمدة خمس دقائق مشاركة منه بعيد الفطر ،
فلم يلقَ إلا الصدود ، ثم و بنفس الأسلوب
" السخرية المقترنة بالمرارة "
يسرد حكاية محاولته أن يكون بائع
" الاسكا*" بدءاً
من حصوله على الشهادة الطبية و انتهاء بفشله في بيع إصبع واحد منها
.
كان يبحث عن عمل كما يفعل الكثير من صبية دمشق الفقراء و حتى
متوسطي الدخل ، خلال الصيف ، فهو إن فشل كبائع
"ألاسكا"
إلا أنه تمكن من العمل في العطلات الصيفية التالية كمساعد بنّاء
تارة ، و كأجير لحّام تارة ، و عاملا في فندق تارة أخرى ، ثم
كمساعد مهندس في مطار دمشق الدولي الجديد ، و كان يقدم كل ما يكسبه
لأبيه مساهمة منه بمصاريف عائلته الكبيرة ، و يعلق في ختام الفصل
ساخرا :
"
و حتى الآن ما زلت نفسي تحن إلى ركوب تلك الدراجة "
و يقدم الكاتب
للفصل الرابع
بقوله :
" شهادة المدرسة لا تغني عن مدرسة الحياة "
فقد خصص هذا الفصل للحديث عن ولادة بعض هواياته كالتصوير
الفوتوغرافي و متعلاقاته ، و المراسلة ، و لم يخل الفصل من وصف
تصويري لبعض أحياء دمشق ما بين بيته في الديوانية و مقهى الحجاز
على شارع النصر الذي اعتاد والده الجلوس فيه مع أصدقائه .
ثم خصص
الفصل الخامس
لذكرايته عن حافلة الترام
" الترامواي"
التي تسيرها الطاقة الكهربائية ، و شبكتها الكبرى التي كانت تخدم
أحياء دمشق كلها تقريبا ، منطلقة من ساحة الشهداء "
المرجة "
.
و يستمر في
الفصل السادس
بوصف دمشق و أحيائها و لكنه يتطرق أيضا فيه ، إلى أولى لحظات
إقامته فيها في خريف 1948 بعد رحلة الهجرة الشاقة ، حيث أنزلت
الحكومة السورية اللاجئين الفلسطينيين في المساجد بداية ، فكان
نصيبه و عائلته في
"جامع شمسي باشا"
في حي المهاجرين ، ذلك قبل أن يجد كل منهم المكان المناسب لسكناه
.
أما
الفصلان السابع و الثامن
فقد خصهما للحديث عن نجاحه في الثانوية العامة ( البكالوريا ) و
التحاقه بأول عمل في مدرسة ابن زيدون و انتسابه في الوقت ذاته إلى
كلية الحقوق ، فيعرفنا بمدير المدرسة و ببعض الزملاء ، و ينقل لنا
تجربته الإنسانية مع تلاميذه و خاصة علاقة الصداقة التي ربطته بأحد
التلاميذ المتفوقين و استمرارها ردحا من الزمن عن طريق المراسلة
عندما ساقته الظروف إلى الجزائر .
و في
الفصل التاسع
الذي عنونه :
" دورة تدريبية و جولة توديعية "
يتحدث الكاتب بإسهاب عن ظروف بعثته إلى الجزائر ، بدءاً من دورة
تدريبية مكثفة لتأهيل المشاركين في البعثة للأداء الأفضل ، كانت
الدورة في ثانوية أمية شرقي شارع بغداد ، و شملت اساليب حديثة في
تعليم فروع اللغة العربية ، إضافة إلى دروس اجتماعية حول عادات
الشعب الجزائري ؛ و في اليوم الأخير قام الكاتب بجولة وداعية
لأحياء دمشق كللها بشراء مجموعة من الكتب التربوية من
"المسكية"
؛ و أما و قد تم إعداد جواز السفر ، فقد باتت مسألة المغادرة إلى
الجزائر مسألة وقت لن يكون طويلا .
و في
الفصلين العاشر و الحادي عشر
، يحدثنا الأستاذ مصلح عن نجاحه في الدورة التدريبية الخاصة ببعثة
التعريب السورية إلى الجزائر ، بمعدل 75% ، ثم ما لبث أن تلقى أمر
الإستعداد للسفر بما في ذلك استلام بطاقته ، ثم حانت لحظة الوداع
المؤلمة في خريف 1963 .
و يصف بأسلوبه التصويري رحلة سفره الأولى على متن طائرة ذات محركات
أربعة مروحية بين مطار دمشق القديم تعرجا إلى مطار أثينا ، فمطار
الجزائر العاصمة ، ثم استقباله و صحبه من قبل مندوبي وزارة التربية
الجزائرية و الملحق الثقافي في السفارة السورية في الجزائر ، ثم
توزيع أعضاء البعثة على سكنهم المؤقت ، قبل الإنطلاق إلى مراكز
عملهم التي عينوا فيها ؛ و كان نصيب الكاتب في ولاية قسنطينة .
و يتحدث
في الفصلين الثاني عشر و الثالث عشر
عن رحلته بين الجزائر العاصمة و مدينة قسنطينة في شرقي البلاد ،
واصفا بإسهاب جمال الطبيعة الجزائرية رابطا بين بساتين البرتقال
التي تتالت أمامه ببساتين البرتقال في حيفا و يافا المغتصبتين ، ثم
ينتقل بنا إلى لحظة وصوله و صحبه إلى مدينة "عزابة"
.
و يتناول في
الفصول الثلاثة التالية
بدايات حياته و زملائه في
"عزابة"
و حتى مباشرته العمل في مدرسة
"ماترنيل"
الإبتدائية و الصعوبات اللغوية التي جابهها مع تلاميذه و كيفية
تغلبه عليها ، و لم يفته الحديث عن كرم وجهاء البلدة الذين تفاهم
معهم باللغة العربية الفصحى و قد أدهشه وجود من يتحدث بها هنا ،
كما أدهشه تفاعل أهل المدينة مع قضايا العروبة و في مقدمتها القضية
الفلسطينية .
و من
الفصل السابع عشر و حتى الفصل الواحد و العشرين
، يتحدث الكاتب عن حياته المهنية في
"عزابة"
إحدى مدن ولاية قسنطينة الجزائرية ، حيث درَّس في مدارسها
الإبتدائية و المتوسطة و الثانوية ، ثم نقلنا في حديثه إلى انتسابه
إلى
"جامعة قسنطينة"
و حصوله منها على شهادة ليسانس في اللغة العربية .
و لم يغفل ذكر بدايات قرضه للشعر و تأثير الشعر القديم على موهبته
الشعرية جاهليا كان أم أمويا أم عباسيا أو أندلسيا .
ثم انتحى بنا نحو ثقافة الشعب الجزائري الفولكلورية ، من إكرام
الضيف ، إلى أنواع المآكل و المشارب إلى اللهجة الجزائرية و أصولها
العربية أو الفرنسية .
ثم تحدث باقتضاب عن زواجه من إحدى العائلات الدمشقية ، و إنجابه
لولديه وسيم و نبيل ، ثم عرَّج بنا إلى رحلاته المتعددة مع أسرته
الصغيرة التي قام بها حول المتوسط ، مرة مخترقا البحر الأبيض
المتوسط إلى أوربا ( فرنسا – إيطاليا – يوغسلافيا – بلغاريا –
تركيا – فسوريه ) و مرة عبر البلاد العربية ( تونس – ليبيا – مصر –
ثم إلى سورية عن طريق البحر ) و مرة ثالثة عن طريق ( اسبانيا حيث
زار الأندلس و قصر الحمراء في غرناطة – ثم عبر مضيق جبل طارق إلى
المغرب فالجزائر ) و مرة رابعة إلى فرنسا و إنكلترا ؛ واصفا كعادته
بإسهاب ما راقه من مناظر و ما حصل عليه من معارف و ما عاناه من
متاعب .
و جاءت لحظة وداع الجزائر في
الفصل الثاني و العشرين
الذي عنونه :
" حفل تكريم "
كان ذلك في شهر تشرين ثاني/نوفمبر عام 2000 ، أي بعد أن قضى في
الجزائر ثمانية و ثلاثين عاما، حيث أقيم حفل تكريمه على مسرح
" ثانوية مالكي عز الدين"
و حضرها لفيف من المسؤولين الإداريين و التربويين في الولاية و
أولياء الأمور ، و التلاميذ المتفوقين .
و مما قاله مدير الثانوية
:
" مصلح الأشقر هو الشمعة التي احترقت ليضيء لطلابه في مدينة
"عزابة " دروب الحياة مستهلكا ربع حياته ، تمر الأجيال أمامه و هو
ثابت في مكانه ، و حق لمدينة "عزابة" أن تاتي اليوم للمشاركة في
هذا الوداع ، هي عزابة التي أحبها و كان يسميها في أشعاره "عزابة
الزهراء" ، حيث افتتن بجمالها و كتب عنها الكثير ……… ضيوف "مالكي
عز الدين" ، اسمحوا لي باسمي و باسم الأساتذة فيها و باسم جمعية
أولياء التلاميذ ، أن نقدم شكرنا لهذا المربي الذي لم يغادر
الجزائر إلا بعد أن وضع الحجر الأخير في قمة الهرم . "
و بعد أن القى الأستاذ مصلح كلمته الوداعية ، قُدمت إليه
شهادات الشرف و هدايا عينية متنوعة من مختلف الجهات
التربوية و الإدارية .
و في الفصول الأخيرة
الثالث و العشرين حتى الثامن و العشرين
، يبحر بنا في عوالمه الخاصة من هواية الرحلات التي لم تكن دائما
موفقة ، إلى دواوينه الشعرية ، إلى مشاكله الصحية و تغلبه عليها ،
إلى رحلته العائلية إلى المغرب .
ثم يحكي لنا قصة هجرته إلى الولايات المتحدة ، مخصصا جزءا كبيرا
لوصف مدينة ماديسون عاصمة ولاية وسكنسن : بحيراتها ، شواطئها ،
شتاؤها القاسي ، ربيعها الجميل ، أشجارها و أطيارها ……
ليختتم كتابه في
الفصل التاسع و العشرين
بكلمة تقريظية لأحد أصدقائه
===========
·
الكتاب من عيون أدب المذكرات.
·
نقلنا الكاتب فيه على متن قطار عمره ، من محطة إلى محطة ، بأسلوب
سلس و منهج السهل الممتنع .
·
برز فيها المؤلف الأستاذ مصلح الأشقر، كإنسان يحمل الكثير من الحب
لمدينة دمشق التي نشأ فيها ، و الكثير من الشوق لمدينة
"عزابة"
التي قضى فيها ثمانية و ثلاثين عاما مع بعثة تعريب الجزائر
السورية ، و الكثير من الود لمدينة ماديسون التي قيض له أن يقضي
بينها و بين دمشق بقية عمره ، و الأهم من هذا و ذاك الكثير الكثير
من العشق لقريته
"السموعي"
الفلسطينية التي هجرها و أهلها مرغمين .
=========
*مصلح الأشقر بقلمه :
·
ولدت في مستشفى صفد بفلسطين عام 1940.
·
جسمي هنا في مواقع الإغتراب.
·
و قلبي في دمشق مرتع الفتوة و قد تزوجت من إحدى عائلاتها.
·
و عقلي في الجزائر التي قضيت فيها جزءاً كبيرا من عمري.
·
حصلت على الثانوية في دمشق و درست فيها لمدة سنتين.
·
التحقت بالبعثة السورية لتعريب الجزائر.
·
حصلت على شهادة ليسانس بالأدب العربي من جامعة قسنطينة في
الجزائر.
·
هوايتي الأولى قرض الشعر و يليها الكتابة نثرا ، كما أهوى السباحة
و الكرة الطائرة و التصوير و المراسلة.
=========
*
الاسكا : من الحلويات المجمدة ، بوظة أو أسكيمو أو آيس كريم أو
حليب مجمد
=========
*مصلح عبد القادر الأشقر