
مقال

دلع المفتي*
يمكنك
أن تجوب العالم شرقا وغربا، وتسوح في البلاد شمالا وجنوبا، لكن ما ان تطأ
قدماك حارات الشام العتيقة، حتى تحس أنك بصدد تجربة فريدة وخاصة جدا. وأنت
تقف على أطلال دمشق سترى أبوابها السبعة، وكأنك تقرأ التاريخ من جديد، فلكل
باب قصة وحكاية، هذا الباب الشرقي الذي دخلت منه جيوش خالد بن الوليد، وذاك
باب الجابية الذي دخلت منه جيوش أبي عبيدة، وباب الصغير الذي دخل منه جيش
يزيد، وباب كيسان الذي تدلى من شباكه بولس الرسول.
امضي..فدمشق القديمة الغافية بين صفحات التاريخ ستخرج لك بدلالها وتطل عليك
محفوفة بخليط من رائحة الياسمين وأنفاس الحجارة العتيقة التي رصفت طرقاتها
منذ آلاف السنين.. وها أنت تمشي بين حواريها وتمشي معك خيالات زمن قديم.
لكن في حارات الشام العتيقة، لن تجد مقاهي القهوة (البلاستيك) ولا مطاعم
الوجبات السريعة، لا شوارع عريضة ولا مطاعم فخمة، ولن تسمع موسيقى الراب
والروك، بل ستنصت لوقع حوافر خيول الأمويين وأجراس كنيسة حنانيا وصوت مؤذن
الجامع الأموي وأشعار نزار قباني وصوت صباح فخري معجونة ضمن ميلودي رائع لن
تعثر عليه إلا في دمشق.
هذي دمشقُ.. وهذي الكأسُ والرّاحُ
إنّي أحبُّ... وبعـضُ الحـبّ. ذبّاحُ
أنا الدمشقيُّ.. لو شرّحتمُ جسدي
لسـالَ منهُ عناقيـدٌ.. وتفـّاحُ
المكان هنا حميم، كل بيت يسند كتف الآخر، والأبواب مستعدة لأن تفتح احتفاء
بأي زائر، فيما تتبادل الشبابيك نظرات الحب الخجلى وهي تهمس بحكايا عشاق
كانوا. إنها الشام التي تختال بقصب البروكار وألوانه الجريئة، وبروائح
التوابل والبهارات وخلطات الطب الشعبية. إنها الشام التي ستضم لك عقدا من
الياسمين و تشدك إلى صدرها .. تهدهدك.. وتغني لك..
يا مال الشام يما يا مالي
طال المطال يا حلوة تعالي
في الشام تشعر أنك أجمل، وتحس بقامتك أطول، في الشام، تصبح أكثر فصاحة،
ويصبح صوتك أعذب.. وإن كنت. أنثى فستشعرين أنك تضجين بأنوثتك أكثر.. فيصبح
شعرك أطول، وعيناك أوسع، سيبتسم لك المارة دون سبب، وسيرمونك بكلمات الغزل
العذبة لتعيدك إلى أيام الصبا فجأة، وسيحملون لك أغراضك وسيدنلوك على
الطريق حتى لو اضطروا أن يمشوه معك. سيمد لك احدهم وردة دمشقية قطفها للتو
من أصيص بجانب دكانه، وعندما تشكرينه سيرد عليك..»لا شكر على واجب فالورد
للورد».
في الشام العتيقة ستدخل مقهى عمره بعمر المدينة، لتشرب القهوة أو الزهورات
الشامية من يد صاحب المقهى. فهنا لا يوجد «غراسين» بلباس موحد ولغة أجنبية.
سيأتيك أبو أحمد وبيده صينية النحاس وكاس الزهورات ويقول لك بابتسامة
عريضة.. «يسعد لي هالصباح»، وربما يجلس معك لدقائق ليشرح لك تاريخ المقهى
وكيف انتقل له من جد إلى جد.
تتجول في الحارات، فتفاجئك وجوه الناس على طبيعتها.. لا رتوش ..لا زينة..
هم كما هم ببساطتهم، يفوح من مساماتهم تاريخ أقدم من «ديور» وأفخم من
«شانيل». ستسمع بائع الخضرة يغني لبضاعته، فتخرج أم سمير نصف جسدها من
الباب الموارب لتشتري كيلو بندورة الـ «ريانة وهلأ استوت». ستكمل طريقك
لتتعثر بأطفال يلعبون بألعاب لم يعد يعرفها أطفال الأتاري ومباني الاسمنت.
ستسترجع طفولتك، فتشاركهم اللعب وتشاغبهم. يتضاحك الأطفال فيما بينهم وهم
يسخرون من هذا «الشنتير» الذي عاد طفلا.
ستجذبك رائحة لذيذة، لتجد نفسك أمام كوة فرن صغير، وعند المصطبة مدت أرغفة
الخبز الحار، يتحلب ريقك، تلتقط رغيفاً لتلوكه بين أسنانك، تسحب من جيبك
قروشا لتدفع، فيحلف عليك أبو خالد الخباز مائة يمين: «ياعيب الشوم.. هَي
ضيافة». تشكره والسعادة تغمرك. تهم بإكمال جولتك، ترى محل «الحمصاني» على
بعد خطوات من الفرن، آه... صحن فول بالزيت والليمون مع رغيفك الحار.. أو
«فتة» بالسمنة الحارة.. مع بصلة و«رائحتها»، يا له من فطور.!
تترك قدميك تأخذانك أبعد في مشوارك اللذيذ.. فتسمع: «صارت الدنيا الظهر..
قومي تلحلحي» إنها أم عبدو تستعجل ابنتها الصبية لتبتعد عن الشباك وتنهي
تنظيف البيت. ترفع رأسك، تنظر إلى مشربيات البيوت الشامية المتكئة على
بعضها.. تتهامس بأسرار أهلها، هنا إذاً حيكت قصص الحب والغرام منذ مئات
السنين.. ومن وراء مشربية منها نظم نزار أولى قصائده!
يا شام إن جراحي لا ضفاف لها ...... فمسّحي عن جبيني الحزن والتعبا
أرجعيني إلى أسوار مدرستي ........ وأرجعي الحبر والطبشور والكتبا
ستصادف بائع الذرة يجر عربته، ودخان حار يتصاعد من القدر الكبير، يتجمع
الصغار حوله، كل يريد الكوز الأكبر. يمر بجانبك رجل هرم بكامل قيافته، يلبس
البدلة وربطة العنق ويزين رأسه بطربوش أحمر، تفاجأ.. فقد كنت تحسب أن
الطرابيش صارت زينة المتاحف فقط. تراقبه وهو ينزل درجتين على كتف الطريق ثم
يدخل بابا ضيقا علقت فوقه لافتة صغيرة: «حمام نور الدين الشهيد»... أشهر
حمامات دمشق القديمة. وقبل أن ترسخ بذهنك أن تلك الحمامات أصبحت للـ
«الختيارية» فقط..تسمع ضجة وربكة خلفك. تلتفت لتجد مجموعة من الشباب يحملون
شابا على أكتافهم وهم يغنون أهازيج شعبية بطريقة رائعة: «شن كليلة شن كليلة
الله يعينك على هالليلة»... تدرك أن حمام العريس على وشك أن يبدأ.
تتجاوزك سيدة محجبة «بالملاية السوداء» ذات وجه نوراني، ترافقها حفيدتها
ببنطال جينز وقميص قصير... لا تناقض في المشهد، فهنا كما يقول المثل الشامي
«كل مين معلق من عرقوبه». تقف السيدة عند الجزار، تطلب كيلو هبرة وتضيف
«جوزي جاية على بالو كبة نية اليوم.. اتوصى فيها يا أبو سامر».. ممممم.. ما
ألذ الكبة من يد سيدة بيت شامية «معدلة». بعد خطوتين تجد الحلواني واقفا
يصف حلوياته بمهارة مهندس معماري يبني برجا. الحلويات الشامية من لم
يتذوقها؟؟.. تقف لتشتري قطعة فتجد نفسك وقد حملت نصف المحل من البللورية
والمبرومة والكُل واشكر، وبين كل كلمة والثانية يلقمك صاحب المحل «ضيافة»
من حلوياته فخورا بما تصنع يداه. تعطش ..بالطبع، فيمر أمامك بائع العرق سوس
وكأنه جاء خصيصاً ليرويك من كؤوسه النحاسية شرابا باردا يعيد لك الروح.
يطرق كعبك حجارة الرومان..تتجاذبك الأصوات والروائح والمناظر. تلاحظ حمامة
تبني عشا عند بقايا نافذة، وبجانبها قطة تغفو على كتف الحارة مطمئنة أن لا
أحد يجرؤ على إزعاجها، فهي بنت الشام، ولبنات الشام مكانة خاصة..
تشم رائحة القهوة التركية من باب فتح تأهبا لاستقبال الجارات «للصبحية» وقد
انتصف النهار، تطل على استحياء من فتحة الباب لترى البيت الدمشقي كما صوروه
لك في المسلسلات.. لكن هذه المرة مأهولاً بسكان توارثوه أبا عن جد. بركة
الماء في منتصف أرض الديار تسبح فيها البطيخة وصف من الكراسي تحت فيء شجرة
النارنج، وياسمينة تسلقت حيطان البيت ناثرة شذاها في كل زاوية منه. تتمنى
مشاركتهن الصبحية، تبتسم.. تغض نظرك وتكمل.
في آخر الدرب كنيسة.. وبجانبها جامع.. تستغرب القرب بينهما.. ترى «أبونا
تادروس» يخرج من كنيسته ليسلم على الشيخ محمد وتسمعه يهنئه بولادة حفيده
قائلا: «ألف مبروك،بدنا ناكل كراوية».. فيرد الشيخ «ايه مو على راسي».
تستغرب وتهمس في سرك.. في أي زمن يعيش هؤلاء الناس؟ ألم يسمعوا الأخبار
خارج أسوار مدينتهم؟. يغمرك إحساس غريب..بأن الله أقرب هناك.
في دمشق أقدم مدن التاريخ تشاهد بانوراما لا تجدها في مدينة أخرى، فما زالت
الشواهد ناطقة على كل العصور والحقب التي توارثتها وبنت مجدها في أحشائها،
فدمشق قيل فيها من القصائد والمدائح ما لم يقل في مدائن أخرى..ألم يقل أحمد
شوقي
لولا دمشق لما كانت طليطلة ..... ولا زهت ببني العباس بغدان.
تلوح لك الشام مودعة، وأنت تخرج من أحد أبوابها، معللا النفس بأن العودة
قريبة، تسمع غناء فيروز:
شآم أهلك أحبابي وموعدنا أواخر الصيف آن الكرم يعتصر
نعتّق النغمات البيض نرشفها يوم الأماسي لا خمر ولا سهر
قد غبت عنهم ومالي بالغياب يد أنا الجناح الذي يلهو به السفر
يا طيّب القلب يا قلبي تحمّلني همّ الأحبة إن غابوا وإن حضروا
تحتفظ في قلبك بذكرى جميلة ليوم من التاريخ، وتقطف ضمة ياسمين لتعمل منها
حجابا لحبيبتك.
*دلع المفتي - سوريه/الكويت
dalaa@fasttelco.com
*
«مدينتي محجبة لكن بالياسمين» مقولة للراحل محمد الماغوط.