مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

مدينة من بلور
قصة بقلم : احلام خالد

الشام



الانثى تنهض من سبات عميق.. من غيبوبة صمت..
ثائرة على كل شيء.
في عينيها لمعة غريبة.
تنظر حولها. تسير.. الساعات تهدر مثل قطار لا يأبه.. يدوس ما يراه امامه..
الانثى تنهض.. تتفادى القطار..

تقترب من نوافذ الغرفة.. تفتحها.. يتسرب نور باهر، اشتاق ان يدخل غرفا نسائية منذ الاف السنين.
يَدخل النور طفلا منتشيا.. يحضنها.. يلتف حولها.. يُقبل جسدها.. يدخل روحها.. ويغسلها من غبار الزمن.
جميلة هي هذا الصباح، بثوب شعاعي بهي.. مثل مدينة بلور.. يتلألأ وجهها.. تشع عيناها.. يطلع من جلدها ينبوع نور.
مدت يدها تتحسس جسدها.. تمر فوق تلال خضراء، مخملية الملمس.. ما استطاعت يد ان تلمسها بحنو دافئ، ليس شهوانيا فحسب.. بل بحنو انساني جميل.. يلمس واجهة جميلة لعالم سري عميق.. لأحاسيس بركانية هائلة قد تنفجر في كل لحظة.
من كل الابواب خرجت.. دون وجهة خاصة..
***

طرقات المدينة كما هي.. بزعيقها المباغت.. بجنونها البشري. الناس غادية رائحة.. دون ملامح.
كل امرئ يحمل على اكتافه ألما يزداد عبئا.. يتكاثر.. حتى لتراه شجرة ألم تسير على الأرض.
"يا إلهي.. ألم يستفيقوا بعد.. أتراني أول من استفاق هذا الصباح؟؟؟"
تتقدم بخطوات واثقة في الطرقات. المدينة تعج بالبشر.. اقدام تحفر الأرض ذهابا وايابا.. دون ان تعلم ان كانت تسير لهدف.. او تدق في الأرض غضبا ليس اكثر.
بركان الثورة والشهوة.. يتقدم بين الناس.. يسير باحثا عن نفسه.. يريد ان يكون. ماذا يكون؟؟ لا يدري..
تقف بين الوجوه.. تنظر فيهم. عن اي وجه تبحث؟؟؟
يد خفية تأتي.. تمسكها من معصمها.. تشدها اليه.. يسير الى جانبها. تنتفض بادئ الأمر.. ثم تسلم نفسها لتيار الحياة.
"قد يكون فارسي.. جاء يدق ابواب قلبي.."
تسير معه من شارع الى اخر.. دون اكتراث لعيون متسائلة.
كان يتكلم طوال الطريق.. يغرقها ببحر كلام.. لم تصل قطرة واحدة الى روحها. كلامه كان تحنيطا لها.. لا غير.
قررت ان تكمل السير معه.. قد يكون ظلما ان تحكم عليه من كلمات، ربما تعلمها من اجيال سابقة كي يستميل امرأة اليه.
وصل معها نهاية الطريق.. بعدما ظن انه غسلها بكلام مقدس. دنا منها. وضع يديه على وركيها.. رفعهما نحو ثدييها.. واحتضنها بعنف.
انتفضت بين يديه. ابتعدت عنه.. نظرت اليه بدهشة.. بدا وجهه دون وجه.. صار حجمه يصغر.. يصغر.. حتى صار عقلة اصبع.
هربت منه بسرعة.. ليس لديه ما تبحث عنه.. لم تكن يداه فرشاة ترسمها بحنو انساني جميل. لا بد ان تستمر.. قد يكون هنالك رجل ينتظرها خلف الأفق.. يحضنها بحب.
انطلقت من جديد في طرقات المدينة.. الرجال حولها ينظرون اليها.. واجهة فقط.. لا يرون ابعد من جسدها.
ألسنتهم تلهث وراءها.. انها انثى.. انها امرأة. كل واحد يلقي حبلا اليها.. يتحول فجأة الى صياد!!
تركض وتركض بين الوجوه.. وجوه دون ملامح.. عيون مغلقة.. وكأن الناس ما زالت نائمة.. وحدها اليوم استفاقت.. الناس تغط في سبات عميق. تصرخ ملء قلبها: "استفيقوا........................"
نساء تقف خلف الابواب.. تنظر اليها باحتقار. "امرأة خارجة عن قانوننا.. عليها ان تعود الى بيتها.. الى مصباحها السحري.. تغفو فيه الف سنة جديدة".
رجال يضحكون. تارة يصيرون واعظين.. يقتربون منها، يطلبون منها ان تعود الى طبيعتها.. طبيعة المرأة ان تعيش في غرفة الصمت.
واخرون يربتون على كتفها.. يقولون انهم يحبون المرأة المتحررة.. وعيونهم تخفي شهوة جامحة يودون افتراسها في كل لحظة.
هي تركض بين الطرقات.. بين الغام اسئلتها.. كل خطوة تفجر الف دهشة.. تفجر الف خيبة.. ضحكات الناس تتعالى.. يلهثون خلفها دون تفكير.. جسد امرأة امامهم.. اي غنيمة هذه؟!

ظلت تركض خائبة.. لا احد يلمح نورها. فجأة، توقفت عن الركض. أتتها فكرة مباغتة.. خلعت ملابسها. امسكت سكينا. قطعت ثدييها.مزقت فرجها. مزقت جسدها. فتحت ذراعيها وادارت وجهها لحشد كبير لحق بها..
عرضت جسدها المشوّه لهم.. واجهة متكسّرة.. لم يستطع فارس ان يرى ما بداخلها من جمال.
توقفوا جميعهم عن الركض .. اصطدموا بانثى ليست انثى..
جمعوا خيبتهم. اداروا ظهورهم. وعادوا من حيث اتوا.
هي استمرت بالسير.. عارية من ملابسها.. ومن "انوثتها". تفجر نهر نور من صدرها.. ارتسمت على محياها بسمة رضا.. واطل من عينيها بريق..