مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

  محاولة للتذكر

محاولة للنسيان

قصة قصيرة

بقلم : فاطمة بو زيَّان
إتحاد كتاب الأنترنيت العرب

أبدا ،لا يمكن زرع الكلية مكان القلب …
تذكرت القنبلة التي في جيبي ..قد تنفجر في بيتي ويصبح زواجي ذكرى .. ،تحسستها، لاوقت للتراجع، سحبتها، هل يراني أحد؟ لا وقت للتردد ، تركتها تتهاوى على الأرض.. لا جدوى من التمويه: الكلية كلية،والقلب قلب.. نظرت صوب النسيان، نقطة الوصول مازالت بعيدة…
*****
وجدت رسالة الدعوة في بريدي ، قرأت برنامج المؤتمر :روتيني في معظمه و دون رغبة مني فكرت فيه: هل سيحضر؟ كان دائما يتحمس لكل ماله علاقة بزرع الأعضاء، إذن سيحضر؟ يحضر أو لا يحضر أنا لا أهتم قلت لصمتي وانشغلت بإعداد مداخلة المشاركة.. ابتعدت عن كل نقط الخلاف وعرضت أفكارا عامة، في الملتقى الأول احتد النقاش بيني وبينه حتى توقع البعض عداوة بيننا، كانت طريقتنا للتمويه وصرف الأنظار، لو يحضر ! تراءى لي يكد س قميصا أزرقا وبذلة سوداء مع الأوراق والملفات كعادته، كنت أقول له متى تطلق فوضاك؟ وكان يقول المهم هو تحقيق الغرض » ولكن النظام شيء جميل.. « يثور في وجهي، لم يكن يحب أن أعلق على تصرفاته، وكنت لسبب لا أفهمه أجد لذة في انتقاده وإثارة غضبه..أمي قالت إن الرجل لا يقبل الزواج من المرأة التي تنتقده مهما كان يحبها، طبعا لم أصدق…
-أحبك
يبتسم..
-أسنانك مسوسة
يتكدر..
-لماذا تصر على التدخين ؟
ينفجر.. ألوذ بالفرار، بعد ساعات يتصل بي ويعتذر أعاتبه قليلا ثم نعود لسيرة الحب بحماس طافح ، هكذا تعودت لكنه لم يتصل ..بعد أسبوع كتب لي يقول» تزوجت ولكني أحبك« لم أصدق، قلت مجرد مزحة من مزاحه الذي لاينتهي لكن كان للحقيقة أنياب بارزة لا تصلح للمزاح، أمضيت فترة طويلة أحلل ما حدث : هل هي صراحتي ،جرأتي، أم حبي الفائض ؟؟أمي قالت ان الرجل لا يتزوج المرأة التي تحبه، طبعا صدقتها وأعلنت لنفسي اني لم أعرف هذا الرجل لا بل لا أعرف أي رجل.. أغلقت أبواب قلبي وفتحت الباب الرسمي لأول طارق .. تنهدت بعمق،عدت أراجع مضامين مداخلتي ثم قررت أن أنام كي أستيقظ باكرا..الليل الذي كان لا يتسع لنومي وتعبي تحول إلى جحيم مزدحم بالاسترجاعات..في الصباح اكتشفت ان وجهي نسخة سيئة من وجهي الذي كان، كيف لم ألحظ كل هذه التجاعيد والارتخاءات كأنها نبتت فيه اللحظة فقط، أو كأني لم أكن أقف أمام هذه المرآة كل صباح، استفضت في وضع المساحيق كنت أريد أن أبدو جميلة وخذلتني الألوان ، أعرضت عن ا لمرآة وعني، وقلت طبيعي جدا أن تفقد المرأة بعضا من جمالها بعد الإنجاب ثم استغربت بحثي عن الأعذار هكذا .. عندما ولجت القاعة فقدت السيطرة على نظراتي وجدتني أبحث عنه بين الوجوه .. لم يحضر نظرت في ساعتي ،ثمة دقائق إذن ثمة احتمال، بدأت الأشغال إذن لن يحضر، وبقدر ما أزعجني غيابه ارتحت له أيضا، على الأقل أعفاني من حرج لقائه ثم حزنت بقدر اشتياقي إليه ثم فرحت بقدر رغبتي في نسيانه ... قرأت مداخلتي بفتور مشاعري المتضاربة، حين عدت إلى الفندق اكتشفت أني لم أسمع شيئا مما دار في تلك القاعة وكنت هناك أحاول الإصغاء بكل حواسي.. هل جئت فقط من أجله ؟بدأت أحاكمني .. قلت لماذا توقعت حضوره؟ من قال انه مازال يتذكرني؟ فلت متى كان لمشاعر الرجال ذاكرة؟ قلت متى كان للرجال مشاعر؟ قلت لماذا اهتم لحضوره أو غيابه؟؟؟ثم قلت كفى..ودعت فراغ الغرفة و تحركت بداخلي شهوة البكاء فقررت الهروب مني إلى السوق.. سأشتري هدية لابنتي الحلوة استوقفتني أو ربما أريد اقتفاء أثار خطواتنا السابقة؟ اللعنة! بعضي يمزق بعضي.. هممت بوضع المفتاح على منضدة الاستقبالات سمعت صوتا أليفا يبادرني بالتحية ، التفت ورأيته ،هل أتوهم؟ كبلتني المفاجأة.. يده ممدودة إلي.. ما هذا الفيلم العربي؟؟.. استجمعت يقظتي من دهشة طارئة وصافحته ، لاحظت أن كرشه بارزة وشعره بلون الثلج أطبقت على شفاهي كما لو اني أخشى انفلات كلام خطير مني ،ضحك،قائلا:
-تغيرت كثيرا
-بعد الإنجاب طبيعي أن تفقد المرأة بعضا من جمالها
- مازلت جميلة ،أقصد لم تعلق على مظهري كعادتك !
حركت كتفي في لامبالاة..من قال انه عرف عاداتي أو حتى عرفني ! أو يعرفني !! مشيت مثقلة بارتباكي وأحاسيسي الغامضة ، لماذا يمشي بجانبي ؟.. طريقنا ليس واحدة ،هل أذكره؟.. هل أطلب منه الرحيل؟..هل أجرؤ؟، تمطى الصمت بيننا فتمنيت أن تنقذني سيارة أجرة .. أهل أسأله عن غيابه القاسي وحضوره الطارئ لماذا لا يتكلم ؟ أنا لن أتكلم ثمة فرح بداخلي أخاف أن تعلنه كلماتي إذن لأصمت، توقفت نظرت إليه وشت ملامحي بما يمور في داخلي قال
-توقعت حضورك
كأني لم أسمع
-أنت أيضا توقعت حضوري؟
كأني لم أفهم ،
-جئت فقط لرؤيتك، أنت أيضا جئت فقط لرؤيتي !!
لا، لن أسمع أكثر، نظرت إليه في غضب مستعار ، وقلت بانفعال أيضا مستعار:
-أنا الآن سيدة متزوجة لهذا أتمنى أن تحترم وضعي
تجمدت خطواته بينما استمرت نظراتي موغلة في الاحتجاج قال في ارتباك:
-آسف ، أردت أن أقول مهما يكن نحن زملاء ويمكننا أن نكون أصدقاء
ضحك جرحي الساخر ولم أعلق ،بعد لحظات مد لي بطاقة أرقام هاتفه.. بقيت يده ممدودة في الهواء، نظرت إلى عينيه لأقرأ ردة فعله
-أرجوك ، لا ترفضي
في الزمن الماضي كان يغضب بسرعة ويحب أن يأمر هاهو الآن يتوسل .. تسلمتها بأنامل راعشة ودسستها في جيبي، عرض أن نجلس في مقهى، اعتذرت بحجة الذهاب إلى السوق لاقتناء هدية لزوجي.. ضغطت على الكلمة الأخيرة وأنا أنظر إليه رأيت الألم في عينيه - أو توهمت ذلك-ضحك جرحي وشعرت أنني حققت انتصارا كبيرا حين رفضت عرضه ، أوقفت طاكسي وودعنه، استبقى يدي في كفه، سحبتها ..هي نفسها الشحنة التي كانت تشلني في خدر لذيذ ! تجاهلت التأويل .. تجولت بين الدكاكين بخطوات مثقلة بالشرود، ثمة غزل فج يؤذي سمعي، هل أبدو مراهقة مثل مشاعري؟ بدت لي السلع متشابهة ورديئة، بدت لي وجوه الباعة كئيبة،بدوت لنفسي تائهة وتافهة .. سأعتذر لابنتي وكفى، استعجلت الرحيل.. في طريق الإياب استعدت تفاصيل الكلام المتعثر، الحركات التائهة،الصمت المرتبك والمشاعر المتضاربة أعدت الشريط إلى الأول عدة مرات.. اكتشفت أن لمحاولة التذكر إغراء غامضا.. فكرت في عرضه، هل يمكن أن نزرع الصداقة في رمادحب؟ وقلت وهل يمكن زرع القلب مكان الكلية؟ القطار يلتهم حديد السكك بنهم ونقطة الوصول مازالت بعيدة.

قصة عاشق..
بقلم: همام كدر

 "نساء سورية"


        هربا من أرقه خرج العاشق إلى يبحث عن مصدر الصوت الذي ناداه بين اليقظة والنوم ...
قلق لا ينام عميقا ، وان نام يظل قلبه صاح يحرس بقايا أمله في العودة
بحث عنها طويلا ..
في صالات السينما والمسارح ،في الأمسيات الأدبية وحتى على أبواب بائعي الصحف،
انتظرها تأتي لتمسح عن جبينه آثار الغربة وتملأ شقوق القلب بالأشجان،
نظر إلى السماء يسكنه بيت من الشعر يردده دائما وقت الأزمات:
أقلب طرفي في السماء لعله
يوافق طرفي طرفها حين ينظر
مشى والشوق يذكي في اللهيب ، تقذفه الأفكار في هوج العواصف تطرحه
بعيدا ..على شاطىء الإنفراد ، كنورس جريح سأل والدمع يجرح مقلتيه أين أنت؟
أين طوتك الليالي ؟...
علت زفرات ألمه في الفضاء وهرب من متاهة الأسئلة :
عاد العاشق الغريب إلى بيته وكان عليه أن يغادر بلاده في الصباح ..وقبل أن ينام خط على لوح قديم :
لا تجمعي هجرا علي وغربة
أن الهجر في تلف الغريب سريع

أقاصيص
بقلم : زياد محمد دعبول
"نساء سورية"

 

ملاك..

لطالما كان يحلو له دائماً أن يناديها: ملاكي..
حين باعته لأول شارٍ دفع سعراً منافساً، ودسّت سمّ غدرها في شرايينه، تألم كثيراً وهو يحتضر، لأنها خالفت أعراف الملائكة، لكن ألمه انقشع أخيرا لحظة تذكر أن قابض الأرواح أيضاً يسمى ملاك!!


حالة جنون

قزمان على كف القدر العملاق الموشّى بخلاف الأنبياء لحظة الوداع، كان يحبها كثيراً، فبكى بدمعٍ أحرق خدوده.
أما هي فقد قهقهت عالياً !! كانت تحبه أكثر .. لقد جنْت..


نخوة..

- رمى عنترة وإخوانه عقالهم يوم اغتصب الغريب أختهم وحلفوا واقسموا وأغلظوا الأيمان أن لا يضعوه على رؤوسهم حتى يغسلوا عنهم العار.
بعد نصف قرنٍ عادوا بلا عقالهم!!
لا لشيء سوى انه لم يعد يتناسب مع قصّة المارينز الأمريكية!


موهبة..


كان كلّ شيء فيها جميلاً إلا قصيدتها الركيكة والتي فرغت للتو من إلقائها على مسامع الشاعر الكبير، ورغم ذلك فقد أبدى إعجابه الكبير بقصيدتها، ثم سألها – وقد وسم وجهه بالتجهم-:هل تريدين الاستمرار في طريق الأدب؟
أجابته بحياء:طبعاً، بشرط استمرار رعايتكم الكريمة.
رسم على وجهه ابتسامة صفراء، ثم أعطاها كرته الملون الذي يحوي عنوانه وأرقام هواتفه، والألوان التي يفضلها في غرفة النوم أيضاًُ.!


لحن الحرية..


اشتراه بسعرٍ باهظ جداً، كان يهوى تلك الأنواع النادرة من الطيور، بنى له عشاً يتمنى أن يسكنه معظم البشر، قدم له كافة أنواع الطعام لكنه لم يفلح في انتزاع لحن واحدٍ من حنجرته.
بعد شهر استيقظ على صوت تغريد ساحر ، نهض مسرعاً ونظر من نافذته ثم صرخ بفرح: أخيرا لقد غنى!!
اتجه نحو العش بعد انقطاع التغريد، فتح باب القفص، كان الطير مجرد جسد باردٍ لا روح فيه.

 البنت و التفاح
أقصوصة
بقلم : جلاء الطيري
بيت الجود



      قدمى على مقربة من أنفه .. قدمه فى أنفى ...
شوارع متسخة وحفر عميقة ورائحة نتنه تجبر أنفاسى . على التمهل قليلا ..
هكذا كانت قدم أبى .. أخفى بداخلها بعض الاعواد فلا تظهر الا اطرافها .. محشورة هى بين شوارع متسخة وبطن متكور .. الأب يتوعد إن لم يكن الذى بداخل بطن الأم الحبلى ولدا فإنه سوف .. تصم أذنها حتى لا تسمع ما بعد سوف .. هذا المتكور يريد تفاحا أحمر .. وانا اريد التفاح منذ ان كنت مثله بداخل هذا البطن المنتفخ .... أريد تفاحا أحمر .. أريد تفاحا احمر .. هكذا قالت البنت وهى تهز كتف أبيها .. قام من نومه مذعورا .. احمرت عيناك من كثرة البكاء على أمك...
صرخ فى وجهها وواصل شخيره .. انحشرت ثانية ما بين شوارع متسخة وبطن متكور .. على الغطاء المهترئ الذى لا يغطى وجهها بيت وأشجار .. بيت أبيض وأشجار كثيرة دخلت البيت وتجولت فى حديقته علها تجد شجرة التفاح الأحمر ..
رأتها هناك بجانب الجدول الصغير . أشجار واشجار تحمل الثمار المشتهاة .. الأشجار طويلة جدا،،،،
وهى قصيرة جدا .،،،،،،،،،،،
. التفاح بعيد بعيد وأنا لا استطيع الوصول اليه ..
الاحجار الصغيرة تستطيع .. أخذت حجرا قذفته به .. هوى الحجر على الأرض وحيدا .. الأحجار تسقط وحيده .. أدارت وجهها لاعنه هذه الاحجار .. هذا الحجر فقط .. هكذا قالت .. قذفت به فى اتجاه ثمارها .. سقط الحجر ..
كان هذه المرة مصحوبا بالمشتهاه أخذت تفاحتها .. نظرت اليها باشتهاء مريب .. قربتها من الفم .. الأسنان تستعد للقضم
.. اللعاب يسيل ..
قدم تجثم فوقها .. تسقط التفاح
شوارع متسخة وحفر عميقة ......
.
و رائحة نتنه تجبر أنفاسها على التمهل قليلا

لقـاءُ المصيــر
قصة

بقلم : أسماء حرمة الله
الواحة

        بعد أن اطمأن قلبي على والدي وقد هجع بين أغاريد الأصيل، غطّيته بنبضي وبزهر الرّمّان ثم جمعت حقيبة سفري، لم أضع فيها غير باقة من ورد وقليل من رمال الشاطئ و من ماء البحر الذي كنت أحتفظ به وصَدَفة صغيرة ربما تحمل أسراري كلها، وامتطيت جواد الريــح...
اقتربت قليلا من المضارب، كان كل شيء هادئا..اقتربت قليلا والفضول يصنع بداخلي عطرا من الخوف..تُرى ماالذي سيفعلونه بي؟ ما هو المصير الذي ينتظرني؟ أأعود إلى مدينتي وأحاول أن أنسى أم أواجه مصيري؟ ولكن ماذا أفعل بحنيني لقبيلتي الذي رقد فيّ زهاءَ ألف حزن؟؟؟؟وهاهو يشتعل مرة أخرى بعدما أضناني الترحال وسقطت روحي صريعة الحنين...
اقتربت قليلا، وقربَ نخلة متدثّرة بالتمر، لمحتُ الشمس مختبئة، ترتب تجاعيدَ حزنها في المرآة، لماذا تخفي وجهها عني؟ ألم تعد راغبة في الحديث إليّ؟ أم أنها خائفة من أن يكون حديثي وإياها آخر عهد لنا معا؟ وتتابعت خطواتي وأنا مطرقة، أدغدغ وردة بيضاء بين أناملي، أحدّثها وهي تنثر في قلبي دفءَ الحنان، وتغسل وجهي بقطرات الندى التي خبّأتها لي صباحا، وفجأة وأنا أتابع طريقي إلى القبيلـة، لمحتُ القمر واقفا بين الغصون، لم يكن يختبئ مني، لكنه كان يكفكف دموعا اعتلت عرش وجنتيه، واغرورقت إثر ذلك بروحي بسمةٌ حـرّى، إنه يمسح سجمه بمنديلي الذي أهديته له ذات مساء..أجل، كان هديتي إليه، طرّزته له بالنجوم وبقلبي، ووضعت زهرة اللوتس بحواشيه، إنه مايزال يحتفظ به..إنه يحفظ العهد...
اقتربت منه دون أن يدري، وقد قفزت دمعة ساخنة إلى بستان قلبــي لتسقيه، والتفت إليّ والصمت يطرّز جبينه، لم ننبس معا ببنت شفة، بل ظللنا واقفين بمحراب الصمت، لاحديث بيننا سوى همس الدمع والخوف، وكأنه كان يعلم أنني أمضي إلى المجهول إلى غروب قد لا يعيدني أبدا انتقاما مني، فقد كنتُ أهوى الوقوف على صخرة الشاطئ لأراقب الشمس وهي تنزل مكرهة من خطوها، لتحلّ ضيفة على سعار الجـــرح، وقد ارتدت رداءً أحمر وفكّت ضفائرها، وأسدلت ستائر سهدها...
وقبل أن أدخل القبيلة، فاجأتني النجمة الأولى التي كنتُ أداعب خصلات شعرها كلما جافاها الكرى، كلما خضّب كفيها بحزن الغمام، جاءت تسألني العودة إلى مدينتي، وقد أهدتني إكليلها لأكون مكانها نجمة بالسماء مقابل العودة...لكن كان لابدّ من مواجهة المصير..
ودخلتُ القبيلة، ولم تكن هادئة كما ظننت، لقد كان رجال القبيلة يحتفلون مجتمعين بانتصارهم في غزوة من الغزوات، ينشدون شعرا ويضحكون، ولكنهم ماإن رأوني حتى احتبس الرحيق بصدورهم، وتوارت الضحكات مختبئة خلف وجوهٍ عابسة، وسرعان ماوجدت نارا تستعر في وجوههم كادت تنزعني عني، واقترب زعيم القبيلة مني وصرخ فيهم: لقد عادت ..ألم أقل لكم؟..
ووضعوا في يديّ السلاسل والأغلال وأقسموا بأن ترحل روحي مع أول نسمات الفجر الأولى، ولم تُجْدِ توسلات العجائز، ولا الأطفال ولاالنجمة الأولى ولاالقمر ولاحتى البحر الذي كان على استعداد لهجر كل موجه وصَدَفه ورماله من أجلي، صمّمت القبيلة على تنفيذ الحكم الذي صدر بحقي منذ الأزل، منذ أهدروا دمي، منذ ذلك اليوم الذي أعلنتُ فيه عشقي شعــرا وكسرت تقاليد القبيلة، إنهم لايعترفون بالهوى العفيف ولايؤمنون بوردته البيضاء، إنهم لم يقبلوا ذلك من رجالهم، فكيف من نسائهم؟ ولم يقبلوا بذلك، وقد كنتُ أهذي بهواي وعبيرُ السعادة يعطرني، فكيف الآن وقد عدتُ بعبير الجرح؟ كنتُ أعرف أن الموت سيكون مصيري، وقد عدت إليهم والحنين يكاد يقتلني، كنت أطمع أن أقنعهم بأن الهوى العفيف يبقى نبتة خضراء، عطرةَ الأفياء، حتى وإن شوّهوا ملامحه في زمن كهذا، إنه نورٌ قرمزي قادم من أرض الأحلام، أرض الخضرة والماء الزلال، قادم من جزيرة الصبح، يبني ولايهدم، يسكب عطرا لاملحا، في زمن رحلت عنه أناشيد الصفاء..وتذكّرت ليلى وقيسا وقلبيهما الطاهرين، وأحسست وكأن روحي غدت ريشة هائمة في سماءات الغياب..آهٍ من ظلم ذوي القربى:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة * على المرء من وقع الحسام المهنّد
حين أعلنت عشقي شعرا، وذاع ذلك بين القبائل، كنت أرنو إلى أن أعيد عهد الهوى الضائع، عهد الهوى الجميل الذي لايحتفي إلاّ بفصول الرحيق وطقوس الورد وهديل اليمام، لكنهم لم يهتموا لذلك وصمموا على إراقة دمي.، لَكَمْ وددت أن تصرخ معي الأطياف والأكوان والأشعار ، أن تصرخ معي الجبال والوديان والبحار والأنهار، لكم وددت أن تكون أمي هنا لتدافع عني كما كانت تفعل دائما، ولتخبرهم أن الهوى العامري قطوفٌ من زمنِ
النقاء، وأن ثماره أغنية يعزفها الطير على أفنان الشجر كلما "الغيثُ همى" ...
هجع الجميع وأُطفئت كل الأنوار، وبقيت وحدي مكبّلة اليدين والقدمين، تهبّ عليّ نسائم الليل الباردة، تعبث بخماري، وتقترب مني نجمات السماء، تنثر في قلبي اللوعة والشجن، لم يحزنني حالي ومصيري الذي بتّ أراه قريبا مني، بل أحزنني مادغدغ أفئدة من أحبهم، النجمة الأولى التي كنت أسهر وإياها في شرفتي أحدّثها وتحدّثني، أسمع شكواها وأضمّد بوحها الجريح، أضع معها الضوء، أرتبه في درج كل عابر سبيل دون أن يدري، والبحر، هذا الأنيس الرقيق الذي كان لي عزاءً، كان يحملني على موجه كفراشة تغازل رحيق الأزهار، أو كيمامة تفكّ ضفائر بوحها على مهل، قبل أن تخرج القصائد من طوقها ثمرا قد اشتدّ عوده ، أو كبنفسجة تتعلم لغةَ الورد لأول مرة، أو كنجمةٍ كتبت أول سطر بدفتر مذكراتها خفية، لكي لا يرحل عنها الضوء، أو كقصيدة تعلّمت كيف ترتب شطريها وتنثر فيهما بذور البوح...البحر، هو من علّمني لغة الموج والرمال، لم يكن يرتاح إلاّ حين يرتب ملامح قلبي، ليرقد فيها قرير العين والفؤاد، وقد أضناه ظلم الناس وبعدهم عنه، والورد، كان يتفتّح كل فجر فتتفتّح معه الفصول كلها، وتزهر تقاسيم الدنيا بأكملها بالرغم من آلامه، ولكنه لايبوح إلاّ قليلا، والقمر، لقد أغرق وجهه في كفيه...ماالذي سيفعله بعد رحيلي؟ إنني أخشى عليه كما تخشى الأم على وليدها، والحمامة التي ألفت شرفتي، وكانت كلما هدّها الشجن، تأخذني في رحلة إلى مضارب قبيلتها هي الأخرى لتحتفل بي حبا وإلفًا، ماالذي ستفعله الآن، ومن ذا الذي سيهدهدها في حِجره، كرضيع يتعلم ابتسامة الرحيق؟ والشمس التي تعوّدت أن تطرق الشرفات المغلقة، وبيدها باقات النرجس، وبيدها الأخرى حفنة من البسمات، أين سترقد، وقد كانت تطرق باب قلبي لتنام في أفضل حجرة من حجرات نبضه، كلما خاصمها النهار وطردها من جنته؟ والفجر، من سيحمل إليه الجرّة التي يملأها الطلّ بالشوق، في الموعد نفسه، حين تكمل دقات القلب دورتها، ليبثّ الأزهار لواعجه؟ فقد تعوّد أن أصنع له كل يوم جرّة من الصّدّف المغطّى بالياسمين ..أحملها له على كتفي ، من بيته إلى بيت الورد الذي لا يستيقظ صباحا إلاّ إذا لامستْ أهدابَه الرقيقة قطراتُ الندى الحلوة، يغسل بها كل ماعلق به من أحزان المساء وأشجان الشتاء...

وقفوا جميعا قربي، والصمت أيضا ظلّ واقفا معهم يرمقني، وقد أُسقِط في يده، ربما يفكرون في إنقاذي من هذا المصير الذي بات محسوما، ولكنهم يعلمون أنني لم أحبّ يوما الهروب من قدري، حاولوا قدر المستطاع أن يقنعوني بالهرب، فهاهو البحر يقسم لي بأنه على استعداد لسجن الملح بكل الأصداف التي تزيّن بوحه، كما سبق أن طلبتُ منه ذات وجع، حين عصرتني آهاتُ الجرحى، والورد أقسم أن ينزع عن جسده الشوكَ للأبد لكي لايتأذى أحد أبدا، كما طلبتُ منه ذات جراح، وقد كنتُ أول من نَزَفَ على يده، واليمامة أقسمت أن تعلّم الناس كلهم لغة هديلها، كما طلبتُ منها ذات شتاء، حين أحزنتني قلعة الوحدة التي ينفي فيها الحزانى أرواحهم بعدما فقدوا صفاء العهد الجميل، والنجمة الأولى وعدتني بألاّ تضنّ على أحد بضوئها كيفما كان وجعها، ومهما غالبها النعاس أوأرهقها المطر، كما طلبتُ منها ذات خريف، حين أشعلت روحي ملامحُ الشحوب التي سكنت قلبَ طفل..حلمَ بالضوء وارتحال حلكة الخوف عن دربه، والقمر، وعدني هو الآخر مثلهم جميعا بألاّ يحجب سناه عن المارّين، حتى وإن ألحقوا به الأذى، وبأن يكون متسامحا لأقصى حب، كما سبق أن طلبتُ منه ذات بوح ، لكي تظلّ الوردة البيضاء التي زرعها البحر بقلبه، مبتسمة الأسارير، مشرقة، تسقي العشاق دوما من رحيقها العذب...
سعدت بحبهم جميعا، ولكنني لم أستطع أن أهرب من مصيري، فهل يغني حذر من قدر؟ وهل أتعبَ روحي غير الترحال المتكرر والقلبُ يئنّ من وجع النوى، والنحول يرتديه، والشوقُ يكتحل به؟ أليست قبيلة بني عامرهي التي علّمتني لغة الهوى؟ وكيف أرسم على تقاسيم روحي قصائد الورد، لتكون لي درعا ضدّ الرماد ؟
حتى وإن كان الرحيل قدري، فسأستقبله باسمة الثغر، باسمة الفؤاد، ويكفيني أن الهوى كان أغرودة روحي، سافرت بي على أجنحة الخيال وأكمام الأزهار وسقتني رحيق القصيد، بالرغم من قسوة الأحباب وظلمهم...
وأنا أهمس بهذه الكلمات، اقترب مني البحر يجرّ أمواجه جرا، متهالك الخطو، منهار القوى، ونزع السهم الذي غرسه في غفلة مني حبيبُ الأمس، فانهمل النزيف زلالا يسقي أرض القبيلة، وغارت عيناي وغارت بي الروح، ومرّت أمامي سنواتي تحتسيني، فكادت أن تلفظ أنفاسها الأخيرة قبل أن تلفظني، ولمحت أنفاسي متقطّعة كجراح عمري، وصوتي المبحوح يذكر آخر نبضة اشتعلت عند المغيب، ويذكر أول نسمة حنان صافية هدهدت سهري والبحر، كل ليلــة، على مشارف ضوء جديد، اقتحم قلعة أســراري الجريحة، لأول مرة، بعد مرور ألف حزن...
حاولتُ أن أسأل البحر واليمام والورد والقمر والنجوم والشمس الرحيلَ لكي لايعذّبنا الفراق، وحاولت أن أضع بين أيديهم باقات ضماد، أحضرتها من بلاد العجائب، ولكنني لم أستطع، إذ سرعان مافضحتني دمعة حرّى غسلت وجهي، فأعتَقته من بسمة طائشة، لكنني سألتهم تنفيذ ماوعدوني به، بالرغم من عدم امتثالي لشرطهم، كي ترقد روحي مطمئنة...
وأطلّ الفجر أخيرا، وأطلّت معه ابتسامة الرحيل، وأغمضتُ عينيّ لبرهة، أتوسل إليهم الرحيل لكي لايزداد عذابي ، فماأحببت الوداع يوما، ثمّ فتحتهما مرة أخرى، وكانوا قد رحلوا أخيرا..ولكنهم تركوا لي جرارا من السجم المراق، ووجدت قصائد طويلة كُتِبَت بمداد الروح وحبر الألم، ووجدت ماأثلج صدري وأعاد إليّ زهرة الجلنار، بالرغم من نداء الرحيل المرّ، وجدتُ قلب البحــر، أجل، لقد ترك لي قلبه في باقة من الصّدَف النائم، وعليه إكليل من الورد، أبى البحر أن يكون قلبه لأحد غيري بعد رحيلي، الآن أعلم لماذا كان البحرغيورا عليّ ، والآن أدركتُ أن الوفاء لم يكن إلاّ نبضة من نبضات البحـر، تاهت منه ليلةَ كان يجمع بوحه في حقيبة السرّ.، فأدركه الصبـــح قبل أن يخبّئها، فرحلتْ كالطّير تغرّد هنا وهناك...
وبينما كنتُ غارقة في همسي وروحي تستعدّ للقاء المصير، تجمهر رجال القبيلة حولي، ينتظرون تنفيذ الحكم الذي صدر ضدي منذ ألف حزن، ووقف زعيم قبيلة بني عامر يحدّق فيّ صامتا، وألفيتُ بتقاسيم وجهه لوحات أخرى غير التي رأيتها ليلة أمس...تُرى، هل سيعفو عني؟ هل رقّ قلبه أخيرا؟؟؟..
.

  تكات الخريف

أقصوصة
بقلم : صابرين الصباغ

الواحة


               في قلب الليل .. أسمع تك تك .. تكَات خفيفة كصوت طرقات حبَات المطر على زجاج غرفتى.. لسنا فى الشتاء.. بل يعيشنا أغسطس.
أسترق السمع .. تكَات لاتتغَير..قلت لعلها الساعة.. تلك المزعجة خاصة فى الليل التى تصمت نهاراً وتثرثر عندما يجن الليل.. نهضت من فراشى وأخرجت منها البطارية.. وتنفست الصعداء.. سأستطيع الآن النوم بلا إزعاج!!
وأغلق عيناى.. وفجأة تك تك!! وأنظر للساعة .. ماتت عقاربها!!
فدفنت رأسى تحت وسادتى . لكن الصوت يتسلل ليطعن أذنى.. فشققت صدر غطائى.. ونهضت أتتبَع أثر الصوت.
ذهبت إلى المطبخ أتحسس صنبور المياه المزعج ومددت يدى فى فوهته قلت لعله يهاب الظلام وبدأ يخاف
ويعرق قطرات مياه تصدر تكات خوف لكننى وجدته جاف لا قطرات عرق ولا حتى لعاب يسيل من فمه.. وأسير فى اتجاه الصوت !!
ويشتد الصوت كلما اقتربت من الكرسى العتيق.. رفيق عمرى..وتعلوا تلك التكات أكثر فأكثر..
أربت على ظهره وأحادثه.. أتذكر يوم اشتريتك..كنت تشع شباباً ورونقاً.. تقف وسط الأثاث متباهياً مختالاً.. والآن ينخر السوس عظامك ..فتتآكل.. وتموت.
أعذرنى صديقى..يجب أن أتخلَى عنك .. حتى لا يتفشى مرضك فى باقى الأثاث..
وأقذف برفيق عمرى من النافذة .. وأنا أبكيه.. وأنتظر لأجد أنه قد غاب الصوت بغيابه..فأطفىء الأنوار.. وألوذ إلى فراشى.. وما هى إلا لحظات..
وأسمع تك تك !!!

 

  دانتيـــــــــــــــلا
قصة قصيرة

بقلم : سمير الفيل

الواحة


         كان يوم إجازة لها وسط دولاب العمل ، فرأت أن تنتهز الفرصة لتسترخى فى سريرها . لاتطبخ ، لا تغسل ، لا تنفض السجاد . .يوم من الأيام القليلة التى تمنح جسدها المتعب فرصة الراحة ، والخمول اللذيذ .
إستلقت تتمرغ على سريرها العريض بلون " الماهوجنى " المحبب إلى قلبها ، والذى يذكرها بأعماق القارة الأفريقية . هى لاتريد أن تتذكر أى شىء . كل ما يهمها أن تعيش فى فضاء كونى بلا حدود . ليست مستعدة للحديث مع أى كائن يعكر عليها صفو وحدتها . لذلك قررت أن تعيش اليوم فى عزلة ، وتستمتع بوحدتها كأنها تعود إلى رحم الأم ، حيث السكينة والهدوء .
لو رن جرس التليفون فلن تتحرك . ولماذا التليفون أيضا ؟ ستقطع كل صلة لها بالعالم الخارجى . لن تفتح لبائع اللبن الكهل حتى لو ظل يطرق الباب بقبضة يده ، ولن تطل من الشرفة لتتفقد نباتاتها الخضراء فى الأصص الصغيرة . فقط ستهب الآن لتسدل الستائر على النوافذ . مهمة لن تستغرق سوى لحظات .
فى طريقها لتسدل الستائر الفستقية واجهها بصورته . كان يرنو إليها بهدوء محبب تعرفه . نظرته الواثقة تسمرت فى عينيها الواسعتين العسليتين ، فمدت يدها ومسحت الزجاج ، لاحظت بعض الغبار الخفيف ، فشعرت بالحرج .
مدت يدها لتنتزع الصورة بإطارها الذهبى المموج . عادت إلى السرير الذى كان يقاسمها إياه قبل سفره إلى الخارج منذ عام كامل وبضعة شهور . بهتت وهى تشعر بدموعها تنحدر دون إرادة منها ، ثم وهى تحدثه عن العصر الجليدى الذى غزا قلبها منذ ودعته فى المطار .
سمعت ضحكته المجلجلة ترن فى أرجاء الغرفة ، وصوته الأجش الخشن الذى يمكنها أن تميزه من ألف صوت يواسيها . هى متأكدة أنه استدار بوجهه نحو الشرفة ، بل سبقها ليشغل مقعده ، وقد رأت ان تتبعه ، و تفتح النوافذ ثانية ؛ فهو يحب صخب الشوارع ، نداءات الباعة ، ضجيج أطفال المدارس ، قامت وأعدت فنجالين من القهوة التركى العتيقة !

 يوميات طفلة ريفية

قصة
بقلم : د.احمد سعدالدين ابورحاب

العربي الموحد

( 1 )

وقفت منزوية فى احد اركان الحوش الضيق لمدرستها الإبتدائية .. كانت تخشى ان تصيبها الكرة التى راح زملاؤها الأولاد يتصارعون عليها بوحشية وفرح .
تجمعت زميلاتها بعيدا تحت شجرة التوت الكبيرة .. تحركت ببطء وهي تنظر بحذر الى الكرة الطائرة هنا وهناك , اتقاء لإصابة قد توجعها .
سقط غلام على الأرض صارخا .. نظرت اليه بدهشة ..ضحك منه ولد بدين .. وقف فورا وهجم عليه غاضبا ..اشتبكا فى معركة ضارية , بينما مرقت هي بسرعة متجهة الى داخل مبنى المدرسة , ودقات فلبها تتلاحق بتشوّف .
فى الداخل .. تجمع عدد من الأولاد حول مائدة تنس الطاولة .. اثنان منهم كانا يتبادلان بحيوية قذف الكرة بالمضرب .. استندت الى جدار بعيد , وراحت تتابع بشغف , حريصة على الا يبدو عليها ذلك .
ازداد حماس الأولاد .. امعنوا فى التحلق حول المائدة .. لم تعد ترى شيئا ..اكتفت بالسماع .. لم تكن متحيزة لأحد الولدين , ولكنها كانت تشعر بنشوة الصراع تسرى فى شرايينها المشوقة .. دق الجرس .. تحرك زملاؤها بسرعة وصخب .. سارت هى مع زميلاتها بخطوات متاطئة خجول .
فى حجرة الدراسة , كانت تعرف كل اجابات الأسئلة الى يوجهها المدرس , ولكنها لا تحاول الإجابة , الا اذا وجه اليها السؤال مباشرة , وحيئذ كان الأولاد يضحكون بسخرية كلما هنأها المدرس على اجابتها الصحيحة .. لم تكن تعرف السبب !


*****


فى الطريق الى المنزل , كانت تسير ببطء , متأملة الأحجار الصغيرة المتناثرة على الطريق الترابي .. كانت أمنيتها القديمة ان تركل حجرا بحذائها الصغير , كما يفعل الأولاد .. ولكن هيهات .. ماذا سيقول الناس ؟
سارعت ببطء .. تختلس النظر إلى الأشجار الشامخة على حافة الترعة .. يداعب عينيها حجر صغير على كومة من التراب .. تتمنى ان تركله بحذائها .. تتخيله طائرا فى الهواء .. تتوقف متظاهرة بربط رباط الحذاء .. تنظر حولها بحذر .. ترى ان الوفت مناسب ,, تستعد برفق .. تشاهد رجلا ضخما يمتطى حمارا هزيلا , قادما نحوها من الجانب الآخر من الطريق .. تعدل عن المجازفة .. تستمر فى المسير .


( 2 )

تكنس فناء المنزل الترابي .. تحمل صفيحة وتملؤها من الطلمبة الصدئة .. تبذل جهذا فوق طاقتها لترفع الصفيحة المملوءة فوق رأسها , تعجز .. تفرغ قليلا من الماء وتعاود المحاولة .. لا أمل .. تعض على شفتها السفلى بينا تروح تحرك الصفيحة يمنة ويسرة , متقدمة بها نحو الفناء خطوة خطوة .. اخيرا تصل .. تقف مفكرة فى أسلوب سهل لرش الفناء .. لو أمكنها ان تحمل الصفيحة لترش بها مباشرة , لانتهى الأمر بسهولة .. وفى النهاية لا تجد امامها الا ان تفعل ماكانت تفعله كل يوم بدون انقطاع .. تحضر كوزا صغيرا مثقوبا و تروح ترش الماء  به .
ابوها يمر عبر الفناء متجها الى خارج المنزل .. يصيح بها ان تنتهى بسرعة من الفناء , وترش قليلا من الماء امام المنزل .. امها من غرفة الفرن تنادى عليها بصوت غاضب لكى تحضر بسرعة لتلقم الفرن من اعواد الحطب الموجودة فوق السطح .. تهرع الى اعلى تاركة صفيحة الماء .. تروح تجمع الحطب .. يصاب اصبعها الصغير بخدش .. تتأوه بصوت خافت .. تروح تمص اصبعها لتخفف الألم .. تدور بنظراتها فى ارجاء السطح بلا هدف .. تشاهد حجرا صغيرا يرقد فوق ارضية السطح الطينية بلا مبالاة .. تنظر اليه كما لوكان هناك سرٌ بينهما .. تقترب منه ببطء .. تحرك قدمها لتحكم التصويب .. تركل الحجر ركلة موفقة , تطير به الى باب السطح , حيث تقف امها التى وصلت توا لتتعجل الحطب .. تنظر الأم بدهشة .. تسألها عما اذا كانت قد اصيبت بالجنون .. تعرك اذنها بقوة حاثة إياها على سرعة احضار الحطب .. تحمل حزمة الحطب الكبيرة والأعواد تلاحقها بالوخزات هنا وهناك .. تفكر ان تقلل من حجم الحزمة , ولكن امها ستتهمها بالتكاسل والتبلد ..تهبط السلم الضيق غير المسوّر بحذر , وهى تحبس دمعة تريد ان تفرّ من عينيها الجميلتين .

( 3 )

قالت امها بوجوم لجارتها :
- سنتان كاملتان منذ ان سافر الى الخليج .
ثم استطردت بفخر :
- ولكنه جمع مالا كثيرا .
ترد الجارة بلا مبالاة :
- الحمد لله !
تجلس فى زاوية الفناء تقرأ فى كتابها المدرسي .. تتراقص الحروف امام عينيها .. تفكر بأن المال الكثير الذى جمعه والدها , لابد أن يعود عليها بالكثير من الفوائد ..تحلم وهى ناظرة الى الحائط الطيني .. ثوب جديد .. ربما ثوبان ..حلوى .. قلم حبر (غير معقول طبعا ) ..تقفز الى مخيلتها منظر دمية جميلة شاهدتها فى احدى المجلات المصورة.. تنظر حولها خشية ان يكون احد قد اكتشف افكارها السخيفة .. تدس رأسها فى الكتاب .
تصرخ امها فيها , لكي تكف عن المذاكرة , وتقوم لإعداد الشاي لها ولضيفتها .. قبل ان تختفى فى المطبخ , يلاحقها صوت أمها بألا تنسى اعداد كوب من الشاي لشقيقها الأكبر الذى يستذكر دروسه فوق السطح .

( 4 )

فى المدرسة الإعدادية .. تقف مضطربة فى طابور الصباح .. فى الفصل لاترفع عينيها عن السبورة السوداء .. يدهشها ان تشعر بالخجل من زملائها الأولاد , رغم انها تعرفهم فردا فردا منذ الطفولة , ولكنها تقريبا لم تتبادل الحديث مع أي منهم طوال عمرها .
فى الفناء تجتمع ومجموعة من الزميلات فى احد الأركان .. يتظاهرن بأنهن لايتابعن مباراة الكرة الدائرة بحماس بالغ بين الأولاد ..بين الحين والحين يحمر وجه احداهن بلا سبب , وتدير ظهرها للمباراة .. يدق قلبها عندما يتعالى هتاف الأولاد بسبب الضربة الموفقة الى قام بها احد اللاعبين .
تعود الى المنزل شاعرة بالفرحة , وبنوع من الإنبهار المسبق , لأنها ستشاهد التليفزيون .. منذ اشترى والدها هذا الجهاز الساحر , وهى لا تنفك جالسة امامه رغم محاولات امها المتكررة لمنعها ..اما اذا كان ابوها فى الدار , فإن احدا لايجرؤ اساسا على ادارة الجهاز العجيب .. لا تعرف لماذا يشترى ابوها جهازا لا يحب البتة مشاهدته !
شاهدت فيلما عجيبا وغريبا .. والد يجلس طفلته على ركبتيه .. يداعبها .. يسألها عن الهدية التى تريدها .. وتمتلئ الشاشة بمنظر اخاذ لعروس جميلة وكبيرة , ترتدى فستانا احمر , تغلق عينيها وتفتحهما .. تحملق بدهشة .. هل هذا ممكن ؟!
تحلم فى المساء بالعروسة .. هل يمكن ان يشترى لها والدها واحدة ؟ ولكن اين تباع هذه الأشياء ياترى ؟ انها لم تشاهد شيئا كهذا قط فى اي دكان من دكاكين القرية ؟
تسأل امها سؤالا عابرا - تحشوه باللامبالاة – عن كيف يستطيعون صنع عروسة تفتح عينيها وتغمضهما .. تشيح امها بيدها فى ملل , وتأمرها ان تسرع بإعداد المائدة , فقد اقترب موعد عودة شقيقها من المدرسة الثانوية التى يذهب اليها كل يوم فى المدينة .. تعد الطعام وهى تشعر بالحسد لأخيها الذى يتمتع بركوب القطار مرتين كل يوم .
تتخيل نفسها جالسة فى القطار , وهو ينفث دخانه فى الهواء , ويصفر بمرح .. تتأمل من نافذة القطار الحقول والبيوت وقطعان الماشية المتناثرة هنا وهناك وهى تزركش الكون بألوان رائعة .. وفى احضانها تقبع بوداعة عروسة جميلة , ترتدى ثوبا احمر نظيفا وتغمض عينيها وتفتحهما بكل رقة .

( 5 )

عندما حصلت على الشهادة الإعدادية , قرر ابوها ان تبقى فى الدار .. كان هذا متوقعا .. لم يبد عليها أي شعور , وهى تسمع والدها يقول لأمها :
- هذا يكفى .. نعم , هذا يكفى !
لم يوجه احد اليها اية كلمة .. صعدت الى السطح بعد الغذاء ,,جلست فى ركن تتأمل سرب الحمام , يطير هنا ويقع هناك .. وفجأة راحت تبكى.
فى الصباح تعللت لأمها بأنها ذاهبة لحش بعض البرسيم للخروف ..هرعت الى المدرسة .. كانت متلهفة لمعرفة درجاتها فى الإمتحان , وكانت متلهفة لمعرفة ترتيبها بين الزملاء والزميلات .
شعرت بالفخر عندما اخبرها احد المدرسين , بأنها الثالثة على المدرسة .. سألها المدرس عما اذا كانت ستلتحق بالمدرسة الثانوية أم التجارية .. كان من رأيه ان المدرسة التجارية افضل , لأنها فى المدينة القريبة , بينما تقع المدرسة الثانوية فى مدينة ابعد .. لم ترد .. عادت الى المنزل لاهثة .
قالت لأمها وهى تلهث :
- اخبرتنى زميلتى بأن ترتيبى الثالث على المدرسة .. على كل المدرسة ..الأولاد والبنات .
اشاحت أمها بيدها بلا اهتمام .

( 6 )

تجلس فوق السطح .. منهمكة فى تنقية كمية لا تريد أن تنتهى من الأرز .. تتعالى اصوات الصبية وهم يلعبون فى الطريق .. يتواثب عصفوران على مقربة منها ..تتذكر قصيدة عن العصفور كانت مقررة عليها فى المدرسة .. تلاحظ انها بدأت تنساها .. تتنهد .. منذ تركت المدرسة لم يتح لها قراءة اية كلمة .. حتى الصحف لاتدخل الدار .
فى المساء ايضا كانت تصعد الى السطح ..تتأمل النجوم وتتنهد..كانت تشعر بالحزن يسيطر عليها بلا سبب واضح .
تسمع صوت ابن خالتها داخلا الدار لزيارة امها .. تبتسم .
تسمع صوت ابن عمها داخلا الدار لزيارة ابيها .. تتجهم .
بينما كانوا متحلقين حول النار يشوون قناديل الذرة .. قال ابوها موجها الحديث لأمها دون ان يلتفت اليها :
- تقدّم الي ابن خالتها وابن عمها طالبين يدها .
يخفق قلبها .. تتشاغل الأم بوضع قنديل على النار .. يقضم ابوها قنديله مستطردا ببساطة :
- طبعا ابن العم أولى .
يسود الصمت القاعة .. ولا يسمع إلا صوت القناديل وهى تشوى على النار .

( 7 )

تتزوج ..
تنفذ نصيحة أمها والتى ملخصها الإستسلام .
لا تفهم شيئا !
تمر الشهور .. تعتاد الأمور شيئا فشيئا .. تربى دجاجها الخاص ..وتطعم جاموستها الخاصة .. وتنجب إبنها الخاص .
الولد ينمو بسرعة .. لاتستطيع ملاحقته ..متمرد عنيد .. كلما نصحته برقة صرخ غاضبا :
- انا رجل !
تستسلم لفوضيته .. تقريبا لا تعرف عنه شيئا ..يلعب طيلة النهار فى الشارع .. ولا يأتى الا ليأكل ..ايوه يصطحبه كل ليلة ليقابل الزوار معه فى المضيفة .

( 8 )

تنقلب الدار رأسا على عقب .
هرج ومرج .. اناس كثيرون يدخلون ويخرجون .. ابوها قتل فى معركة .. تصرخ .. تلطم ..تنوح .. ابنها عند احدى الجارات .. امها تسترجع كل أوجاع الحياة ..عيناها تحرقانها من فرط البكاء ..بوليس .. زوجها يزمجر .. اجتماعات متوالية ..مناقشات حادة ..الثأر الثأر ..تنهمك فى اعداد أباريق الشاي لعشرات الرجال المجتمعين فى المضيفة ..تسمع عن معركة بين عائلتها وعائلة القاتل .. تضم إبنها إلى صدرها خائفة ..يدفها بعيدا عنه ..زوجها يظل طيلة الليل ينظف بندقيته غير المرخصة .. يخرج قبل الفجر .. لايعود ثانية .
تذبل اعواد البرسيم ..
تتوقف المياه عن ممارسة الحب مع الحقول ..
قُتل ثلاثة من الخصوم ..
تشعر بالفخر ..
قتل ابن خالها ..
تموت جاموستها ..
تموت امها ..
ينهرها ابنها بغلظة طالبا سرعة إعداد الشاي للرجال فى المضيفة .. ابنها يصرخ مزمجرا .. صوته يتسلل الى داخل الدار كالعاصفة .. يقبضون على ابنها فى مركز الشرطة .. يفرجون عنه بعد ثلاثة أيام .
معركة هائلة ..
يهجم رجال الشرطة على الدار يفتشون عن اية اسلحة غير مرخصة .. يحصلون على مسدس صدئ .. ابنها يهرب .. لاتعرف إلى أين .
وحيدة على السطح تجمع أعواد الحطب ..
وحيدة امام الفرن تزج فيه بطاجن اسود به قطعتا لحم ..
وحيدة تزدرد اللحم ..
وحيدة تنام .

( 9 )

ترقد على فراش المرض ..
تتحلق حولها عمتها وخالتها وقريبات كثيرات وجارات ..
يرفضن أن يحضرن طبيبا .. كل الأطباء لصوص ..
يعددن لها مشروبا ساخنا من بعض الأعشاب نصحت به إحدى العجائز ..
تشرب بصعوبة ..
تتمدد بصعوبة ..
تسعل بشدة ..
تموت !

الميت

قصة قصيرة

بقلم :  سامي محمود طه
موقع حَماه


((يسود اعتقاد لدى بعض الناس أن روح الميت ترفرف في العالم الذي عاش فيه أربعين يوماً قبل أن تنتقل إلى حيث قدر الله، ترقب، ترى، تسمع، وعندما تغادر، تكون قد حملت عن عالمها صورة لا يكدرها زيفٌ)).‏



*****

متثاقلاً ينقل خطواته، باتجاه بيته، حيث تنتظره أفواهٌ وألسنةٌ أصبحت مطالبها رتيبة يحفظها عن ظهر قلب، تصارعت في رأسه رغباتٌ كثيرة، رغبة في الراحة، رغبة في القدرة على التلبية، رغبة في الصدق حتى مع أفراد أسرته، وربّما رغبة بالموت إن كانت الرغبات الماضية بعيدةً المنال.. وفي صخب رغباته، أثناء اجتيازه الشارع الأخير المفضي إلى بيته، سمع، أحسّ، ربّما... وربّما لم يكن لديه الوقت الكافي...‏
المهم ساد هرج ومرج... وجثّته ارتمتْ بقوةٍ صاعقةٍ على أرض الشارع وثوانٍ قليلة كانت كفيلة بتحوّل الشارع إلى تجمّعٍ كبيرٍ للناس الذين شقّ صفوفهم رجال الشرطة للمباشرة في إجراءات تحقيق بحادثٍ مروري أزهق روح رجلٍ...‏
أشياؤه تناثرت بين أرجل الناس، وهو واقف، تطلّع باستغراب إلى الجمع. نظر إلى سائق السيارة التي صدمتهُ. في المرّات الماضية عندما كان يشهد حادثاً مرورياً كان يشعر أحياناً بالغضب، بالاشمئزاز، بالحزن.. إلا أنّه هذه المرّة كان بعيداً عن الغضب والاشمئزاز.. أحسّ بالشفقة، هزّ رأسه وتابع سيره.. ولم ينتبه لمتابعته أحد.‏
والأمر الذي أدهشه كثيراً أنّه عندما يمرّ بأحد معارفه في الشارع ويحيّيه لا يتلقّى رداً.. وأكثر من ذلك فإنّ أحداً لم يكن ينتبه لمروره في الحي، كان خبر موته قد ألفَ ألسنة الناس في حيّه، ابتسم ربّما سخرية.. وتابع سيره.. أحسّ بقوة غريبة تملكّها الآن فقط إنه يستطيع القفز مسرعاً، بل الطيران، وأن يرى الناس ولا يروه، وعندما كان يستعدّ لقرع جرس باب بيته أدرك أنّ من القوى التي تملكّها الآن قدرته على دخول البيت دون أن يفتح الباب فانسلّ داخلاً عبر باب بيته، ودُهِش لأن الأفواه الفاغرة واسطوانه المطالب لم تدهمه هذه المرّة.. وشعر بحزنٍ لأن أحداً من أفراد أسرته لم يكترث لوجوده.. وفي تلك اللحظة كان خبر موته قد وصل إلى الأم والأبناء الذين يجلسون منتظرين وصوله، فقرّر أن يستوطن سقف بيته أربعين يوماً يراقب ما يجري...‏
وفود المعزّين تقاطرت، وأجواء الحزن ألقت ظلالها القاتمة على البيت، وكم أسعده صدق حزن زوجته وأبنائه.. رأى فيهم مثال الإخلاص والوفاء.. كانت زوجته تمزّق الصمت الذي تفرضه رهبة الموت بنشيج حزين مضطرب، وذكرٍ مستمرٍ لفضائل كانت موجودة في شخصه وأخرى لم يعرفها إطلاقاً..‏
أمّا أبناؤه فقد احتاج حزنهم جهود الأقارب لمواساتهم...‏
أسبوع مضى، والدموع بدأت تشحّ، ونار الحزن تخبو والضحكات تحطّ رحالها بعد غياب، على وجوه أسرته... أثاره ما رأى... أثارته أحاديث زوجته التي لم يعد محورها... أثاره قرار ابنه البكر أن الميت لا يرافق، والحي أبقى ورغبة ابنته في مشاركة رفيقاتها رحلتهنّ بعد شهر إلى الساحل للابتعاد عن أجواء الحزن... فقرر أن لا ينتظر أكثر من ذلك. فكر أن يحزم حقائبه، ويحمل أشياءه ويغادر إلى غير رجعة... أذهلته رؤية زوجته وهي تحمل حقيبتين حوتا ملابسه كاملة وقدمتهما إلى فقير سائل طارق الباب... إلا أنه تذكر أن من القدرات الخفية التي تملّكها أنه لا يحتاج إلى ملابس، أو نقود، ولا لأية أوراق ثبوتية.‏
كان هذا آخر عهده بهم، نزل من مكمنه، وسار بينهم، توقف، نظر إليهم واحداً واحداً، ودّ لو أنه يستطيع التخلي عن كل القوى التي امتلكها حديثاً... أحس بشوق عارم لطلباتهم، وأفواههم الفاغرة... عندما همّ بالرحيل أحزنه أن أحداً لم يلتفت إليه... وعلى باب بيته، حيث لا حاجة لفتح الباب ألقى نظرته الأخيرة... كان الابن يرسل صوته عبر سماعة الهاتف إلى... وابنته تتصفح جريدة يومية، أما زوجته فقد أباحت لدمعتين مغادرة عينيها... نظرت باتجاه الباب، ثم إلى صورته المعلقة قبالتها... وسارت خطوات متثاقلة نحو غرفتها... بينما انسلّ هو عبر باب البيت وسار خطوات قليلة ثم حلّق بعيداً بعيداً...‏