|

قصة
مجدي السماك
يمشي
مثلما يمشي أي عجوز ببطء وهدوء يمشي ، في فمه ثلاثة أسنان صفراء وضرسين ،
إحداها سوّس منذ زمن .. هو طويل مع بعض التقوس في ظهره ، يتكأ بما تبقى له من
قوة على عكاز مقبضه معقوف ، أما طرفه الآخر فمحاط بقطعة معدنية ، ينقر بها
الأرض مع كل دبة من دباته المتعاقبة بثبات كأنها محكومة لسلطان إيقاع إرادته ،
يدقق في الطريق بنظرات ثاقبة لعينين صغيرتين مستديرتين ، كي يشحذ ما لديهما من
قدرة على الإبصار لاقتحام عباب الدجى ، هي ظلمة قاسية بعد قصف إسرائيل لمحطة
الكهرباء في غزة .. أنّى وليت وجهك فثمة عتمة يمدها الليل بعناد كئيب وصمت
قاهر.. أو قهر صامت .
هو ذاهب على عجل تدفعه غريزة الحب الكامن في قلبه المرهف المرهق . حاول أن
يسارع الخطى بأنفاس قد أخذت تئن حتى تمزقت و كادت أن تضيع بين صدره و الظلمة ،
جلس لبرهات على قارعة الطريق ريثما يسترجع بعضا من أنفاسه و يسترد شيئا من
عافيته .. عاد يمشي ببطء كالسلحفاة ، العتمة سيدة الدنيا .. في الظلمة تتساوى
العيون ، مبصرة كانت أم عمياء ، خضراء أو زرقاء أو سوداء ، لا فضل لعين على عين
إلا بالنور . يريد الوصول للمشفى بأسرع وقت للتأكد من حقيقة الخبر الذي سمعه
بالإذاعة المحلية ، خبر زلزل أعماقه و دك روحه دكا .. لقد سمع اسم حفيده مصاب
بقذيفة إسرائيلية إصابة محرجة ، تم نقله على إثرها إلى غرفة الإنعاش ، حفيده
البالغ من العمر ثلاثة سنوات ، يتمنى أن يكون الخبر خاطئا أو أن أذنيه كذبتا
عليه ، قلبه يتمنى أن يكون الاسم مطابق لاسم حفيده صدفة ، لكن الصدفة لا تأت
إلا لمن يستحقها ، يا للجحيم إن كان ما سمعه صحيحا .. لكنه يخشى أيضا أن يكون
الشخص المصاب ابنه أو حفيده أو أي شخص آخر من أقاربه .. صار باله مشغولا و ذهنه
مشتتا و المشي بطيء .. الظلمة شاملة تتمدد على الدوام و تزحف .. الأسماء تتشابه
في النور و العتمة .
بلغ منتصف الطريق .. تحت إبطه كتابا نسي إبقاءه بالبيت ، و هو ملازم له على
الدوام كأنه عضوا من أعضاء جسمه أو طرفا من أطرافه .. ارتطمت قدمه بحجر صلد
كبير، ترنح ليقع لكنه اعتدل بعد لحيظات من فقد توازنه . سقطت نظارته أرضا و فلت
العكاز من يده المرتجة الممسكة به بضعف ، و تحرر الكتاب من تحت إبطه ليحتضن
الأرض .
التقط نظارته ، ثم ركع ثانية ليلتقط الكتاب و العكاز فسقطت النظارة . عاود
الكرة ليلتقط النظارة فوقع الكتاب و فلت العكاز.. وهكذا استمر دواليك ما أن
يلتقط شيئا حتى يسقط شيئا آخر .
أصبح كأنه في وسط دوامة و قد تلبسه الإرباك و دهمه التوتر.. بات في حيص بيص.
اختلطت عليه الاتجاهات و لم يعد يميز الشرق من الغرب ، الشمال من الجنوب ،
الأمام من الوراء ، لا يدرك إن كان في منتصف الطريق أم في بدايته أم في نهايته
.. تسارعت أنفاسه وتلاحقت كأنها في سباق للوصول إلى انفه و فمه المفتوح على
آخره لابتلاع حاجته من الهواء .
مر بجواره شاب قوي البنيان كالحصان ، ساعده في وضع النظارة والتقط له الكتاب و
العكاز ثم تابع مسيرته .. وصل إلى المشفي و تأكد أن اسم حفيده هو المدرج ضمن
قائمة المصابين في غرفة الإنعاش ، شعر و كأن عظامه تتكسر كمن يسقط عن صهوة جواد
جامح .. منعه الطبيب من الدخول إلى الغرفة حيث يرقد حفيده بلا وعي .
جلس في صالة الانتظار واضعا رأسه بين كفيه ، تدفقت الدموع شلالات مريرة على
خديه حتى أغرقتهما ، شعر كأن الدنيا ملصت من بين يديه لتسقط بعيدا في بئر بلا
قاع .. بات يحدث نفسه بلا وعي و بلا كلمات : لقد قتلت إسرائيل ابنه - والد
الطفل - في نفس اليوم الذي ولد به الطفل .. كان يوم فرحة و غم ، بهجة وكرب ،
موت وحياة ، كأن الموت قد سرق الأب كي يفسح المجال لقادم جديد إلى دنيا ضيقة لا
مطرح فيها لمولود آت .. لكن لماذا الطفل ابن الثلاثة أعوام ؟ لمن سيفسح المكان؟
أم تراه يهدد امن إسرائيل ؟ هل سيبقى الطفل على قيد الحياة ؟ و إن بقي ترى
سيكون طبيعيا أم معاق ؟
لم يعد قادرا على ملاحقة أسراب الأسئلة المتعاقبة التي تتفجر في نفسه كقنابل
عنقودية ، ولكنه انتبه للوجوه المكدرة حوله و قد خطف الموت عزيزا عليها أو
اقترب بإصاباته العميقة القاصمة من أجسام حية أصابتها الدنيا من قبل بسهامها
المسمومة .. بدت له الدنيا لا تعطي إلا لتأخذ .
عاد من المشفى متبعا نفس الطريق ، في منتصف الطريق سقط العكاز من يده فركع
ليلتقطه فوقعت النظارة و سقط الكتاب أرضا .. كلما ركع ليلتقط شيئا يسقط آخر.. ،
كأن الدنيا لا تسمح إلا بالتقاط إحداها ، العتمة تحاصره من كل الجهات و تطوقه
بإحكام لا يتزعزع . في الظلمة تتساوى الأشياء و تتشابه تماما.. لا فضل لعقل على
عقل إلا بالنور.. مرت قربه فتاة شابه و ساعدته في وضع النظارة والتقطت له
الكتاب والعكاز.. استمر يمشي حتى ابتلعته العتمة .. في العتمة تتشابه الأشكال و
الألوان .. عتمة قطع الكهرباء تختلف عن عتمة القلب و النفس و العقل .
قبل أن يصل بيته بقليل وقعت النظارة وانكسرت ، تابع مسيره يتحسس الطريق بكلتا
يديه و قدميه .. تحولت أطرافه إلى قرون استشعار عديمة الجدوى في ظلمة حالكة و
نفس مكسورة و قلب موجع بأهوال و خطوب .. يحاول السير بقوة البصيرة الخالدة
الكامنة في النفس البشرية التي لا تظهر دوما .. ما أن وصل البيت حتى رمى بجسمه
الطويل على كنبة عتيقة و مدد جسمه عليها كالميت .. جاءه خبر بالهاتف بأن حفيده
سيظل حيا ، لقد أنقذ الأطباء حياته .. لكن بلا أطراف .
Magdi_samak@yahoo.com
تعقيب
لقد أدمعت العين و عصرت الفؤاد يا أستاذ مجدي .
تسير القصة على عدة محاور : محور الشيخ و ما يجده من صعوبة في تلمس طريقه في
عتمة فرضها العدوان المستمر ؛ محور القهر المتمثل بالقصف الآسرائيلي و ما خلف
من دمار للبنية التحتية و ما تسبب من ضحايا بشرية ؛ و محور التداعيات العقلية
القلقة و التي توالت في دماغ الشيخ ابتداء من استشهاد ابنه وصولا إلى احتمال
فقد حفيده ذي الثلاث سنوات .
سارت المحاور الثلاثة متوازية و متناغمة بمهارة حرفية تدفع كاتبها الأستاذ مجدي
ليكون في المقدمة .
تصوير دقيق بيد مرهفة و نص ناجح بجميع المقاييس ، دمت يا أخي مجدي و دام
إبداعك .
نزار
______________________________________________________________ |