مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

  مـا تـبـقـى
قصة
محمد المهدي السقال

sikal_180@yahoo.fr

القصة السورية


           رأيت
فيما رأيت ذات يوم ,
ويدي تتحسس برودة في الأوصال العطلـى ,
وجها يهل من شاشة تلفازنا المسمى وطنيا بالشعار ,
بهي الطلعة مزركش الألوان , تزينه بشاشة امرأة شبه عارية من جهة الرقبة
إلى الصدر ,
شتان بين عري الربيع المطل فجأة , و عري الخريف المتهادي أمامي صباح
مساء, كأي إنسان تحركت بداخلي ,
رغبة التلصص في بعض التفاصيل ,
لا أذكر من قال إن اشتهاء الأنثى في الحرام حرام , أظنه كان فقيها يعلن
غير ما يسر ,
ويأبى شيطان المقارنة إلا أن ينغص علي لذة الاختلاء بالصورة المتحركة ,
تتعمد أن تكسر اتصال عيني بفتنة المذيعة , *عصام* تأخر , تشير علي بيدها
اليمنى ,
أينك ؟
اخترقت مآقيها الذابلة ,
مثلي أضاعت ثلثي عمرها في الانتظار ,
غاب جسدها النحيف في عمق قتامة مدخل المطبخ , تزداد نصاعة شاشة التلفاز ,
لم تكن أوضح كما هي عليه اليوم ,
استغربت من غياب أي تجعيد ولو بالثني في حركة أو كلام ,
عيناها محارتان تغيب فيهما نقطتا بياض خلف دائرة شهباء , فوقهما حاجبان
رقا حتى لان سوادهما كأخدود في أفق السماء ساعة الغروب ,
تلقي إليك بنظرة تخطف البصر ,
يتحرك الراكد المسكوت عنه في حوارات الليل بين ضرورات اليومي في الحاضر
و حاجات الظرفي في المستقبل ,
كلما فكرت في اختبار إمكانية عودة النفس إلى النفس ,
كلما كانت لي بالمرصاد , تفت عضدي عن غير قصد ,
تذكرني باستمرار بالأزمة التي انتهينا إليها , تكثر من اللولوات التي لا
تسمن ولا تغني من جوع ,
لو أنك لم تدخل السجن ,
لو أنك اخترت طريقا آخر ,
لماذا لا تقولين ,
لو أنك بعت كل شيء ,
ثم أعمد إلى الاعتذار لها عن طيش الشباب الذي تأخر بي , فلم يبارحني إلا
ملوما محسورا , أعرف أنها أقل احتمالا مني لقهر هذا الزمن الخبيث ,
أقرأ في عينيها انتكاسة الأحلام المنكسرة , صمتها أحد , لا تلطفه سوى هذه
اللعينة الماردة ,
كثيرا ما سألت نفسي عما تكون عليه حالها وهي مستلقاة على ظهرها حينا أو
على بطنها حينا آخر ؟
تملأ الفراش من الزاوية إلى الزاوية , بالكاد تستيقظ للاستواء كي تفسح لي
مكانا للنوم ,
قالت بأنها تفضل استباقي إلى النعاس مخافة إزعاجها بشخيري الذي يدوي في
الأركان , تأخر *عصام* ,
ألن تخرج للبحث عنه ؟
كل يوم يزداد يقيني بأن حواء هي التي أخرجت آدم من الجنة ,
لعله يلعب مع أولاد الدرب ,
في مثل هذا الجو الغاضب ؟
وانقطع صوتها متدرجا بآخر الحروف نحو الممر الضيق إلى المرحاض , إذا حكت
عن زوجة رفيق الدرب القديم * الضاوي * تراها تلف وتدور حذر التصريح,
تكتفي بالتلميح إلى نجاحه في الخروج من عزلة الانفصال عن الحزب ,
حصل لابنه على منحة دراسية في *الاتحادي السوفياتي* خلال سنتك الرابعة
هناك , تقصدين قبل *كورباتشوف* ,
و يسود صمت برائحة الشفقة علي وعليها من شماتة القدر ,
أود أن أحضنها لتفجر بين ذراعي حزنا دفينا , آخر مرة حضنتها , شعرت بفيض
أنوثتها في وجه الجدار ,
منذ ذلك اليوم ,
لم تجرؤ على الاحتكاك بي , حتى في الليالي المطيرة , تظل بيننا مسافة
البعد بين الحياة والموت ,
أتأمل العشر سنوات بيننا ,
يعيدني صوت رخيم إلى الإطار ,
تمتد رقبتها منحلة إلى كتفين متوازنين ناعمي بشرة فاقع لونها , لا هي
بالبيضاء ولا بالصفراء , ثم لا لتبث أن تجد نفسك بين مقدمة صدرها المحمول
بإحكام , فترى ما يشبه القباب استدارة فوق قبور الأولياء الأحياء منهم و
الأموات ,
وشدتني أكثر , استقامتها رغم ضيق استطالة الإطار ,
فيما كانت زوجتي تعبر ما بين المطبخ والمرحاض , واضعة يسراها على خصرها
كأنها تثبت حائطا على وشك الميلان ,
لأول مرة رأيتهما معا أمامي ,
يتباطأ الظل المنحني جهة المؤخرة , فيتـكور خلفها دوائر حلزونيـة , لا
تفضي بك سوى إلى التيه ,
تجاذبني الحنين بين وجه و وجه ,
بين رقبة و رقبة ,
وبين صدر وصدر ,
انفتحت شفتاها لاستئناف نشرة الأخبار , فعلتهما ابتسامة ضيقة بحساب , دون
أن تفقد أدنى توازن بين الصوت المنبعث هادئا من طرف لسان , والصمت
المنسكب مالحا من بين ثنايا إيماءات دافئة ,
وقد انتهت وكالة الأنباء التابعة للجيش الأمريكي في العراق , إلى تصنيف
النساء دون الثلاثين , إلى ثلاث فئات ,
فئة الأرامل مما خلفته الحرب بين الفرس و العرب ,
وفئة الثكالى مما تخلفه حرب التحالف ضد شعب العراق ,
أما الفئة الثالثة فلا زالت تنتظر اللحاق بالأولى أو الثانية ,
لم أرها من قبل تهتم للأخبار , كانت الحرب دينية بين شيعة وسنة , لم تكن
عرقية بين فرس وعرب ,
كانت أذنها على نشرة الأخبار ,
إنها تتحدث عن أرامل الحرب ,
رفعت عقيرتي قليلا كي أسمعها صوتي ,
ليتها كانت واصلت ما حملته الأخبار عن مهرجان التسوق في دبي والرياض ,
صور جميلة براقة تسر الناظرين , بعيدا عن جثت متناثرة هنا وهناك ,
لم أبال بتعليقها ,
ما زالت إشراقة محياها تثـير الفحولة المهـزومة ,
نسيت كيف يكون انتصاب الذكورة في وجه العاصفة ,
جاملني الطبيب حين اعتبرها حالة نفسية , وردها الفقيه إلى العين التي
أصابتني , تقتحم علي ظلمتي ثانية ,
تبدو مصرة على إذلالي , تعود إلى بورصة المال و الأعمال , تفسح المجال
لقراءة تقرير يسيل اللعاب ,
كل المؤشرات تدل على ارتفاع مصادر الاغتناء في صحاري النفط ,
قرأت في عينيها شعورا بالاغتباط وهي ترفع بأناملها الناعمتـيـن خصلة ظلت
تعاندها , لم أدر إن كانت تتعمد بين الفينة والأخرى , انسياب الذؤابة في
تناغـم مع حركة مقدمة الرأس ,
استرقت نظرة من زاوية ضيقة ,
وجدتني أقارن بين وجهها , و وجه قدري المرتكن خلف الباب ,
بدت لي حزينة نال منها الزمن ما يكفي لظهور بثـور الكبر قبل الأوان ,
ليت نصيـبـها كان أفضل , ربما كانت تكون أجمل ,
ماذا حققت لها من أحلام غير السراب ,
صدقت مقالتي في الحب الذي يأتي بعد الزواج ,
فرهنت حياتها بمصيري المعلق بين أيدي الحكام ,
وصدقت مثلي أن الذي أنا فيه , إنما سبـبه كهـرباء التحقيقات ,
كنت مثلها أعرف أن الكهرباء يمكن أن تقتل الخلايا في الدماغ , أمـا.... ,
حين زارتني في السجن أول مرة , استعطفتها ألا تعود ثانية , خوفا عليها من
عيون العسس,
امرأة في العنفوان ,
تزور محكوما عليه بعشر سنوات ,
تخيلتها تتمسح بالحراس كي يمددوا ساعة زيارتها ,
تغير شكل لباسها في السنة الثانية ,
ينفتح الباب المفضي إلى الممر , أعاند الثقب الضيق في الشباك الفاصل ,
أجاهد في قراءة طلعتـها ,
لماذا لم تلبسي الجلباب ؟
نحن في فصل الصيف, زحمة المواصلات على مرحلتين , أنت تعرف التهاب المدينة
, هل أبدو غير محتـشمة ؟
تخترق ابتسامتها جوارحي ,
لا تخف علي ,
كل يوم تكبر في عيني , يزيد حبكَ أكثر ,
أخاف عليك , جرحكِ غائر في نفسي أعمق من مكابدة الأسر ,
لم تسألني اليوم عن أحمد ,
قدمه المعلم للأطفال ضمن النجباء , وخصه بمديح الانتساب إليك , المعلم
يعرف عن قصتك الشيء الكثير ,
أبي من فوارس هذا الزمان , ظل يرددها طول اليوم,
وأين هو الآن؟
صـار كثير السؤال عنك , لم أشأ أن أصدمه , أكدت له أنك مازلت مسافرا في
بلاد الثلج والضباب ,
خطرت لي فكرة تبرير الغياب بالبحث عن تسوية الأوراق هناك ,
أظنه يصدقني ,
يسمع مثل غيره عن العابرين إلى الضفة الأخرى عبر قوارب الموت , فرارا من
جحيم الوطن ,
كل الأخبار تتحدث عن الحصار المضروب على العرب في بلاد العرب والعجم ,
بدعوى مكافحة الإرهاب ,
أمعن في وجه المذيعة الحسناء ,
تنتفض الرغبة المكبوتة ,
أفكر في الاقتراب منها ,
تمتد يدي إلى أسفل ,
ليـتـني كنت أقوى بعد سنين الرطوبة والبرد .
------------------------
*محمد المهدي السقال
القنيطرة / المغرب