روايات خالدة
ملء الجيب من الجاوادر
رواية :
أرشيبالد جوزيف كرونين

ترجمة و عرض
:
رشا المالح
ولد
الروائي الاسكوتلندي أرشيبالد جوزيف كرونين في عام 1896، واشتهر باسم أ. جيه.
كرونين، وكان الابن الأوحد لوالديه. وقد خيمت ظلال الحزن والموت على طفولته
بوفاة والده ومعاناة الفقر. صارعت والدته الحياة بمفردها لمدة عامين ثم عادت
إلى منزل والديها.
وأرسل كرونين للدراسة في أكاديمية دومبارتون على نفقة خاله. انضم إلى جامعة
مدرسة جلاسكو للطب، وتخرج منها في عام 1919. وخلال الحرب العالمية الأولى خدم
كجراح في البحرية الملكية، وبانتهاء الحرب عمل كجراح على متن سفينة متجهة إلى
الهند ثم انتقل للعمل في عدد من المستشفيات.
وبعد زواجه من زميلته في الجامعة الطبيبة أجنيس ماري جيبسون، غادر كرونين
وزوجته اسكوتلندا واستقرا لفترة وجيزة في تيغتي قرب المناجم في جنوب ويلز.
وقد شكلت تجاربه تلك قاعدة لعدد كبير من رواياته التي كتبها في فترة لاحقة مثل
«النجوم تنظر إلى الأسفل» ونشرت في عام 1935 و«القلعة» ونشرت في عام 1937 والتي
جعلت كرونين شهيرا في الولايات المتحدة، كما ألهمت المخرج الأميركي كينغ فيدور
لعمل جزء منها فيلما سينمائيا.
وفي عام 1925 منح كرونين الماجستير من جامعة جلاسكو، وعلى أثرها مارس الطب في
ويلز ولندن. وحينما تعرض لأزمة صحية في عام 1930 توقف عن ممارسة مهنته وبدأ
بكتابة روايته «صانع القبعات».
ومن أهم رواياته التي تتناول علاقة الإنسان مع ضميره والصراع بين الطموح المادي
والواجب الإنساني والتي تتسم بمسحة دينية، رواية «ملء الجيب من الجاودار» وهو
من الأعشاب القريبة من الشعير.
تدور أحداث القصة حول طبيب يدعى لورنس كرول، وهو شخصية تعيش ليومها ولا يعنيه
ما يدور خارج محيط عالمه الخاص.
كان يعتقد بأنه حقق نجاحا كبيرا حينما تمكن من العمل كطبيب لعيادة في منتجع صحي
في إحدى مدن سويسرا الصغيرة لعلاج الأطفال من أمراض الرؤية.
كان يعتقد أن حياته اكتملت في تلك العيادة حيث تتوفر سبل الراحة والرفاهية إلى
جانب التعامل مع عدد محدود من الأطفال، وذلك جل ما يمكن أن يطمح إليه في حياته
كلها، مقارنة بحياة التقشف التي عاشها وساعات العمل المتأخرة التي تكاد تصل
الليل بالنهار مما استنزف طاقته سيما وأن معظم مرضاه كانوا من العاملين في
مناجم الفحم إلى جانب زوجاتهم الهزيلات.
لم يكن يشوب سعادته الحالية أية منغصات سيما وأنه ارتبط بعلاقة حميمية مع امرأة
سويسرية جميلة تدعى لوتي، وتعمل موظفة في مطار زيوريخ، وإن كانت تفتقر العلاقة
في نظره إلى العاطفة أو الحب من طرفها. كذلك الأمر مع مسئولة المنتجع الممرضة
مولر التي كانت تتعامل معه بصيغة الأمومة المشوبة بقليل من الشك بشأن قيمته
الإنسانية.
كان راضيا سعيدا بانسلاخه عن الماضي إلى أن وصلته رسالة من وطنه ومن صديق
طفولته القس فرانسيس إينيس الذي كان لا يزال يعيش في جنوب ويلز حيث نشآ معا منذ
الطفولة وحتى مراحل الدراسة الجامعية.
فتحت تلك الرسالة باباً في ذاكرته اعتقد بأنه أحكم إغلاقه منذ زمن بعيد. وفوجئ
بأن الماضي لا يزال حيا في أعماقه بكافة أحداثه.
فكاثي التي كانت حبيبة صديقه فرانسيس في الثانوية بعرف الجميع ومباركتهم
لزواجهما في المستقبل، تتزوج لاحقا من زميل لهم يدعى دافيغان وهو شخصية جلفة
غير متعلمة ولا يميزه سوى امتلاك عائلته للمال من خلال أعمال المقاولات، بعد
خيبة أملها في حبيبها الذي انضم إلى لاهوت الكنيسة ووفاة والدتها التي لم تترك
موردا اقتصاديا.
أحب لورنس في تلك الفترة كاثي والتي بادلته الإعجاب وإن لم يجد لديه الجرأة
لمصارحتها سيما وأنه لا يملك ما يقدمه لها ماديا.
ومن الشخصيات المحورية في الرواية والتي لم يكن لها حضور بارز في الأحداث وإن
شكلت العصب الرئيسي للحبكة القس العجوز كانون، الذي يتعرف عليه القاريء في
البداية من خلال تواصل الفتى لورنس معه. وقد راهن عليه القس في تلك الفترة آملا
في انضمامه إلى الكنسية عوضا عن صديقه فرانسيس وذلك لما يتمتع به من مزايا
كالجرأة والقوة والشهامة.
ولدى وصول كاثي وابنها المنتجع تبدأ الحرب العلنية بين الإثنين وتكسب كاثي
الممرضة مولر إلى صفها في البداية، وتتفاقم الأزمة حينما تقرر كاثي البقاء في
المنتجع والعمل فيه. يستنكر لورنس الأمر سيما بعدائها العلني له فيحاول البحث
في أمر وفاة زوجها المفاجيء ويطلب تقريرا عن الحادثة من الاسكتلنديارد. ويبدأ
كل منهما بتهديد الآخر.
وعلى هامش تلك الأحداث تتوثق أواصر الصداقة بين الطبيب لورنس وابن كاثي العليل
ويعلم من خلال بعض المحادثات بالسر الذي عاهد القس كانون على الاحتفاظ به
لنفسه، مما يثير فضول الطيبب ويؤكد قناعته بأن هذا السر يتمثل في قتل كاثي
لزوجها والد الطفل.
إلا أنه مع مرور الأيام ومن خلال تلميحات كاثي بأنها تملك المزيد من الخبايا
التي يمكن لها تهديده بها، يدرك فجأة وبعد لقائه بالطفل ومن خلال النظر مصادفة
إلى وجهه في المرأة حقيقة الأمر وبأنه الوالد الحقيقي لابن كاثي، وذلك من وحدة
تعابير الوجه بينهما.
وضمن تلك الأجواء المشحونة بالكراهية والتوتر يكتشف الدكتور لورنس بأن ما يعاني
منه الطفل هو اللوكيميا. وحينما تؤكد التحاليل المخبرية في مستشفى مختص صحة
استنتاجه يستعيد مجددا احترام مسئولة المنتجع الممرضة مولر.
وحينما يتعرض الابن في إحدى الليالي لنزيف حاد وبعد تبرع الطبيب بدمه لإنقاذه،
يذهب الأخير لسكن والدته بهدف تطمينها على نجاة ابنها. وحينما يجلسان على
انفراد تنهار الأقنعة وتتجلى الحقيقة ويبدأ العتب والبوح وتدرك كاثي بأن
الرسالة التي بعثتها إليه تخبره بحملها منه لم تصله أبدا.
كما يفاجأ الطبيب بأن كاثي أحبته بصدق ولا زالت تكن له ذات المشاعر وإن اتهمته
بالأنانية واللامبالاة بالآخرين. وفي الصباح تدخل الممرضة غرفتها لتفاجأ
بوجودهما معا في السرير. فتستنكر الأمر وتبين بأنها إن تسامحت مع الطبيب لكونه
رجلا أعزب فإنها لن تغفر لكاثي ادعاءاتها بالإخلاص لزوجها الميت سيما وأن ابنها
كان على فراش الموت.
وتتخذ القرار بوجوب ترحيل الأم وابنها في اليوم التالي. وفي المطار وقبل
مغادرتهما ينتحي الابن بالطبيب جانبا ويبوح له بالسر عرفانا له وتأكيداً
لصداقته وثقته به.
يفاجأ لورنس بحقيقة لم تكن في الحسبان، وهي أن والد الفتى قرر الانتحار ورمى
بنفسه من سقالة البناء الذي كان يعمل على تشييده حينما كانت الأم والابن
برفقته. ويدرك لورنس بأن شكوكه واتهاماته لكاثي باطلة.
وبعد مغادرتها يعود لورنس إلى شقة لوتي في زيوريخ في انتظار عودتها من العمل،
وهناك يكتشف خيانتها له مع عدد من الرجال.
يغادر بيتها وهو مشتت الفكر والبال ويسير على غير هدى ثم يأخذ الترام متوجها
إلى العيادة، ولدى وصوله في وقت متأخر ومع كثافة الثلوج يلجأ إلى الكنيسة وهناك
تبدأ صحوة الضمير، ويقرر العودة إلى وطنه حيث يلتقي بالقس كانون ويتزوج من كاثي
ليعيش حياته آخرى بتصالح مع ضميره.
===============
رشا المالح
rmaleh57@hotmail.com