مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

  مأساة أديبة

من الادب الممدري

قصة بقلم : محمد البقاش*

              تسكن زينب حيا شعبيا قذرا، بيتها الذي من خشب وزنك خـــال من الدوافع الإنسانية، بل ومجتمعها أيضا، لها تسع إخوة، أبوها حمال لا يكاد يرجع بخمسة دراهم إلى بيته، أمها تعنى بالبيت والطبخ، وأي شيء تطبخه ؟ وأي شيء تنظمه في بيتها ؟ لم يكن لهم حتى ما يناموا عليه، يضطجعون على الأرض، وقــد تمضي عليهــم أيــام وهــــم لا يأكــلون إلا الخــبز التي كـان يأتي به& زينب بكر أبويها، تكبر إخوتها بعشر سنوات، خاطرها يتقطع إربا إربا، عقلها يحتضن مكــنونات العبقريــة، ولا مجال لإســاءة الظــــن بنبوغها وأمارات ذكائها، لا مجال لاعتبارات سوء التغذية فكأن لا دم لها يشبه دم الناس، فالفقر ليس فقر الدم، والجهل ليس جهل النــــفس، والخمول ليس خمول الجسم، والأمراض ليست أمراض البشر .. صادفت زينب فيلسوفا يسكن حيها، تعرفت إليه بما كان يقدمه لهـا من نقود اثر تسخيره لها، ترجع إلى أمها بدرهمين يوميا ، بــــــادرت أمها على تشجيعها وحثها على ملازمة الفيلسوف غاضة طرفها عــن دسائس القوم، ورمي الفيلسوف الأعزب بالتفاهات، سن لها الفيلسوف طريقا وأمرهــا أن تســير علــى هداه، بدأ يلقنــها دروسا فــي اللغـــة والأخلاق والتاريخ والأ زودها بكتب ثمينة، ومعارف من شخصه جليلة، وما أن أصابـــت الفيلسوف مصيبة المــوت وهو في الخمسين من عمره حــتى خـــلف الدنيا وراءه، اهتزت زينب لفجيعتها فيه، رثته بأشعارها ودموعهـــــا وعابت على الموت فعلتها تلك .. لم يخلف الفيلسوف من حطام الدنيا إلا قطعة من رغيف يابـــــــس يشفق على خبز شكري الحافي ، خلف ثلاثة أقلام وتراثه، وبقي مدينا لصاحب الكوخ بأجرة الشهر الذي توفي عنه وهو لم ينقض بعد .. قبل أن تباغته الموت كتب وصية تبين أنها لزينب يقول فيــها : " أيتها البنت المظلومة : أوصيك أن تأخذي كل ما كتبته، ولتحتفظــي به، ولتذيعيه في الناس، فاني ما خشيت نشره، وانما خشيت علـى مصرعي إزاء تفكيري المستهدف، لأن الحاجة ماسة لبقاء المفكريــن بعيدين عن غياهب السجون، وعن الموت إلا الموت الطبيعي، لأنهــم يراعوا أحوال الحاضر ويعالجوه، ويقودوا سفي& حفظت زينب ما ورثته عن معلمها، اختارت طريقا لإذاعته، بدأت تنشر في الصحف والمجلات مقالات في الأدب والتاريخ والأخــــلاق والاجتماع، تنشر بعضا مــن الدواويــن الشعرية، ظلت أمينــة علـــى تراث الفيلسوف، توقع ما تنشره له باسمه، وما أن قرأ الــــــناس ذلك حتى بادروا إلى طلب المزيد من خلال الرسائل التي كانوا يوجهونهـا إلى الصحف والمجلات التي كان بعض مضــي وقت استقلت زينب بإنتاجــها وإنــتاج الفيلســــوف، فأخرجت مجلة جديدة تحت عنوان : " التفتح "، بدأت تنشر فيها مــــا شاءت، ولكن في هذه المرة بدأت تعترضها صعاب من طرف النظـام والمحافظين، أخرجت فلسفة وسياسة، شرعت تكتب عن أختها المرأة في العالم، تركز على طيشها وانسياقها وراء خبث الرجل الذي أبـــى إلا أن يجعل منها دمية يتلهى بها، آنذاك طــ&# لما اطلع المعتدون علــى تراث الفيلــسوف وعلى نتاجـها الفكـري والأدبي ألفوه يسمن ويغني لدرجة الاكتناز، ولكن كل ما فيه هو لهـــم ولغيرهم إلا أن أكثره كان عليهم وليس لهم، بحيث كان تراثا إنسانيـــا لا أنانيا أو فرديا .. كان أستاذها يكتب للخاص والعام، اقتفت أثره في الكتابة فأشبهته، فخاف المناهضون للفكر من تأثيره على الناس وخاصة الشباب، لــــم تمح من ذاكرتهم هيئة سقراط وهو يعلم تلاميذه، ثم انتهوا إلى نتيجـــة حصلت مع تراث ابن رشــد، أحرقوا ذلك التراث العظــيم، وحــذروا عبر وسائلهم الإعلامية، وعبر أجهزتهم الاستخباراتيــة مــن زينـب، يعلمون مدى استيعابها & شغف الناس بالأديبــة زينــب شغــفا عظيــما، وما أن علموا بمــا أصابها من استبداد المستبدين وطيش المعتوهين ، حتى هرعوا إلـــى السجن يزورونها، ويقدمون لها ما شاءت مما تريد إلا القلم والـــورق والكتاب، فاغتاظوا جميعا وانقلبوا سخطا على وضعهم ودولتهم .. انهالت على بيت الأديبة زينب رسائــل عديدة من أنحــاء العالـــم، ولكن لا أحد يرد عليها، ولا خبر حتى في صحيفة أو مجــلة، كل مــا كان من أمرها أن أبناء حيها هم الذين عرفــوا ما أحاط بالأديبــة مــن أذى بليغ، وألم نفسي فظيع، ولكن النبأ انتشر.. أضحت زينب معلمة الشباب حتى أن شابا ذا نبوغ لم يصبر علــى هذا الحال فاضطر إلى ملئ بطــن خبزة بأوراق وقلمين عــزم علــى تقديمهــم لأستاذتــه في الســجن، فــعل ونجح بعدما أخفق فــي المـرة الأولى، لم ينجح إلا بتقديم رشوة لسجان، توصلت زينب بما قدم لهـا، كادت تطير فرحا، بدأت تكتب في تلك الأوراق وتضع في مؤخرتهــا اسم وعنوان سعــيد، وكلمة قصــيرة تطـ طالت مدة سجن زينب، حوكمت بعشر سنوات بحجة المس بأمــن الدولــة، ولكنها كانت فــي غايـة الاطمـئنان إزاء الكتابة الســرية لمـا أخبرها سعيد في زياراته المعهودة، احتفظ الشاب بكل ما توصل بـــه من زينب، كنفه بروحه وقلبه، وهكذا في ظرف سنوات ثمانية إلى أن أفرج عن زينب قبل مضي السنوات العشر المحكومة بها ، كـان الإفراج باتفاق على مشروعات ليست من الإنسا& بعد بضعة أشهر على العمل الدؤوب، وإنجاز العديد من الــلقاءات الفكرية والثقافية، تأهبت زينب للرحيل، استعدت للهجرة، فـــــزورت جواز سفرها، وغيرت معالم وجهها مستعينة بالمكياج والبـــيـــــوكا، وبعدما ودعت طلابها وتلامذتها راجية منهم ألا يصحبوها حتـــــى لا يفتضح أمرها ويفشى سرها، رامت ميناء المدينة يصطحبها سعــــــيد لوحده، ثم ودعته، و رجع سعـيد إلى أصدقائـه فرحا نشطـا تعلــوه البشاشــة والتـــفاؤل فأخبرهم بما اكتمل لزينب من توفيق، فارتاحوا جميعا، ورام كل منهم عمله .. كل ما كان من أمر زينب أن مخبرا كلف بمراقبتها منذ أن غادرت السجن حتى كاد يحصي عليها بعمله نفسـها دون أن يشـعر بـه أحـــد، وما أن رآها تركب الباخرة حتى هرع إلى رئيسه يعلمه بأمره .. اتصل رئيس المخبرين المحليين بمن يلزم، ثم أخبره الخبر، فتـلقى الضوء الأخضر، وأطلق يده في أمر المهاجرة سرا .. بينما الباخرة تمخر العباب، ولم يبـق على رسوهـا إلا دقائـق بعـدد توابع الشمس، تلـفن لقائد الباخـرة فإذا به يؤمـر بالتوجه نحـو ميـنـاء مدينـة باكية مخدوشة في كرامتها، توجهت الباخرة إلى العاصمة عبر بحــر لجـي، ولما عـلــم المســافرون بتحــول مركبهـم عــن وجـهتــه رجــت أنفاسهم، وأبدوا سخطا وحنقا على هذه الفعلة، ولكنهم طمئنوا اطمئنانا زائ& ما أن علمت زينب بهذا حتى تساءلت تقول : " أيكون هذا حقـــا ؟ أصحيح هو ؟ لا ، لا شــك أنهــا أكذوبــة ، ولكــن حســبي الله ونعــم الوكـيل " .. لما استقرت الباخرة في الميناء جيء بالمخبر فدلهم على زينـــــب بكل سهولة رغم أن اسمها في لائحة المسافرين هو آمنة، تم إنزالهــــا الباخرة، وسير بها، ولكن إلى أين ؟ .. سارت الباخرة إلى حيث كانت قاصدة، وسيقت زينب، ولكن إلـــى أين ؟ ساقوها واقتادوها إلى المشنقة .. نفذ فيها حكـم الإعـدام دون حكــم محكمة بعـد أن خلـفت طلابا هـم أعلام المستقبل ورائدوه .. ماتت زينب ولم يمت فكرها ، قضت زينب بعدما بلغـت الرسالــة، رحلت وقد أدت الأمانة . -----mohammed_bakkach@hotmail.com

Granada