مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 لوحةٌ  و بـزّة مـتـّسـخة
قصة بقلم : إنشراح حمدان

الحوت

             من خلف زجاج الواجهة بدت بعض ملابس رجالية معلقة على جدران المحل، تتوسطه منضدة خشبية متعبة مستطيلة الشكل مجردة إلا من بعض خطوط وأشكال رسمت على سطحها البني بالإضافة إلى شريط قياس ومقص ودفتر وقلم مكافحين.
على جزء من الجدار الجانبي علت لوحةٌ لصورة رجلٍ تبدو عليه أمارات الوقار والإباء محاطة بإطارٍ ذهبي اللون أرهقه تراكم الغبار.
في الركن القريب من الواجهة يجلس صابر على كرسيه الذي فقد إحدى قائمتيه الخلفيتين منكفئاً على ماكينة تئن من توالي السنين، يرتدي أسمالاً حانقة على جسمه النحيل ذي الرأس الكبير بوجه حنطي يتخلله بهاق اختبأ جزءٌ منه تحت لحية يميل لونها إلى الرمادي.
هاهو منهمك في عمله يترقب ندف القدر مستذكراً بطولات السروج الخوالي، تارة يقص خيطاً وأخرى يحبك طرفاً من قماش أو يغير الخيط طبقا للون الثوب أو يفرط خياطة لا يكنّ ولا يتثاقل وكأنه آلةً مبرمَجة.
رغم رثاثة حاله إلا أن ومضة سعادة تعلقت بأهداله استقى سناها من ربيع قلبه فحمد الله على نعمائه وراح يترنم بأهزوجة قطعها صوت بوق قريب، نظر خلال الزجاج فإذا بمركبة فارهة تقف أمام الباب، السائق تحيط بوجهه الأسمر كوفية بينما سيدة شقراء تجلس في المقعد الخلفي موجهة عينيها الزرقاوين نحوه، تشير بسبابتها أن يأتي إليها.
تسارعت خفقات قلبه وتعرق جبينه، راح يتلفّت حوله ربما غيره المقصود بالإشارة...
خرج بنصف إرادته متجهاً نحوها وبحروف مرتجفة بالكاد طاوعته قال :أمرك سيدتي، ماذا يمكنني أن أقدم لكِ؟
بنبرة آمِرة أجابته: أريد أن تخيط لسائقي بزّة، سأدخل لأختار التصميم.
وقعت كلماتها كصاعقة عرّشت على نفسه صقيعاً أشعره بجرح الكبرياء، وتذكر العهد الذي قطعه على نفسه بألا تدخل المحل سيدة، فلازالت قسمات وجه جده حاضرةً في مخيلته وهو يقول لوالده: "إذا دخلت المحلَّ سيدةٌ فإنها تشق ربيعَ الأرض بسيفها، وتسقيه من أودية الخرافة؛ فتنبت بقول الخوف في أوحال الهوان "
ماذا باستطاعته أن يفعل؟
تلمّس في شتاته أشلاء شجاعة منهكة وقال: لا تكلفي نفسك عناء الدخول سيدتي، سأحضر لكِ أحدث التصاميم وأجملها لتختاري وأنتِ مرتاحةٌ هنا.
قبل أن يعطيها فرصة الرد دخل مسرعاً وفي لمحة خرج يحمل مجموعة من البزّات الجاهزة يعرضها عليها.
أشاحت بوجهها مومئةً عدم استحسانها.
رجع ثانية وأنزل جميع البزات عن الجدار إلا واحدة تركها متعمداً لثقته أنها لن تعجبها فتصميمها قديم جداً وقماشها متسخ بمرور السنوات، عاد مسرعاً، لم تنظر إلى ما أحضر وقالت: لا يروق لي شيئ منها.
حدث نفسه : أليس هو مَن سيرتديها! لمَ لا أسأله؟
استشعر فرجاً قريباً وتوجه إلى السائق: إليكَ آخر التصاميم وأكثرها طلباً لهذا الموسم، أليست جميلة؟
طأطأ الأخير رأسه وقال: الأمر لسيدتي، هي تفصّل وأنا ألبس.
نزلت السيدة من المركبة رافعة أنفها وقالت بغطرسة: أسمعت؟ أنا صاحبة القرار هنا ولي الخيار، سأدخل المحل وأختار بنفسي ما يروق لي.
وهو يرتجف خوفاً: ولكن المحل غدا فارغاً من التصاميم سيدتي.
لم تأبه به وتقدمت باتجاه المحل
سبقها إلى الباب هلِعاً بقدمين لا تحملانه.
توسطت المحل وأشارت إلى البزة المتبقية
بوَجَل: هذه قديمة جداً ولن تعجبك سيدتي
بعنف: أنزلها
مد يداً مرتعشة إلى الجدار حيث تتكئ البزة على حمالة خشبية معلقة بمسمار أثقلته طبقة من الصدأ الأزلي، بحركة هزيلة أخذ يحررها من نتوءات الحمالة الشائكة بها، وما إن خلصها حتى نَسلت منها جماعاتٌ تشبه الصراصير هربت في كل صوب.
صاحت السيدة فرحةً: رائع، أختار هذا التصميم
جذبت الكرسي ذا الثلاث قوائم وجلست عليه مردفةً: سأبقى هنا ريثما تنتهي من صنعها.
صرخ صابر صرخة مَن رأى وجه (ميدوزا) ، وراح ينكمش ويصغر ويصغر حتى غدا بحجم صرصار ثم قفز واختبأ في جيب الجاكيت.

 الراقصة

قصة قصيرة بقلم : نهيل عصفور

------------------------------------------------------

       رقصت وأبدعت فى رقصها , أجساد تلقى تحت قدميها المخضبتين بالحناء وخلخال ذهبى يزين أحدهما ، قدمان يتمنى أعظم الرجال تقبيلهما  

لكنها كانت تشعر أنها أسيرة هذا الجسد المثير ، فجنون رقصاتها تثير شهواتهم المتوحشة الكامنة تحت جلودهم الباردة ، كم تود لو تخلع عنها هذا الرداء وتلقي به فى صندوق ذكرياتها وتحكم إغلاقه وتلقيه من على جرف عذابها , أفاقت من أحلامها لتجد أحدهم يمسك بيدها  ويقبلها بنهم

يريد أن ينقض على ما تصل إليه شفتاه العفنة , أبعدته عنها و ركضت إلى غرفتها  لتغير ثوبها الملتصق بجسدها كما لو كان جلداً ثانياً  يتقاسم تفاصيلها ،خلعته و ألقت به  فى خزانه ملابسها كما لو كانت تلقى به فى الجحيم .

لم تنتبه إلى الشارع الفارغ من المارة فى هذا الوقت من الليل ،  فتابعت سيرها تريد أن تستنشق بعض الهواء النقي بعيدا عن زفارتهم و أنفاسهم المعبقة برائحة السجائر و الخمر ؛ مشت طويلا تريد أن تنال من  هذا الجسد أكثر فأكثر , تريد أن تنتقم منه لانه سبب عذابها وشقائها فى هذه الدنيا , وصلت لمنزلها فى ذاك الحى النائى بعيدا عن أنظار الغرباء في ذاك المكان القذر التى تمقته , ولجت إلى داخل بيتها الصغير التى تتشاطره مع صديقتها الوحيدة , طالعتها هدى بإستنكار :

- ما بك يا ياسمين لِمَ ارى نظرات الحزن تملأ  هاتين العينين الجميلتين؟

-  لا شىء يا هدى لا شىء ، لا تهتمي .  

خلعت ملابسها ودست هذا الجسد الفاحش تحت المياه الباردة تريد  أن تطهره من شهواتهم السوداء المتناثرة عليه فركته بكل ما أوتيت به من قوة تريد أن تنسيه كل ما مر عليه من عذاب .

أرتدت قميص نومها الابيض الشفاف، طالعها وجهها الابيض فى المرآة ، ملامحها الطفوليه و عيناها  الجامحتان  و جسدها الغض يجذب مخالب الذئاب الحادة اليه لتغرز شهواتهم المكبلة داخل أجسادهم فيه , دست هذا الجسد فى سريرها و سرحت فى سقف الغرفة إلى أن  غابت فى دنيا أحلامها

الوردية التى تعيش فيها بعيدا عن واقعها الدامى .

كانت تنام على جذوة صدره العارى كل ليلة وتقطف عناقيد شفاهه وتنعم بدفء أنامله على جسدها , كان هو الوحيد الذى تسمح له بأقتحام حصنها المنيع ، كانت ترى فيه قمرها المنير الذى يلمع فى عتمة ليلها الحالك ،

عروساً بثوبها الابيض تتهادى على عرشه المخملي لتقسم على المذبح أنها ستكون له وحده ؛ هزتها  هدى بقوة لتسحبها بعيدا عنه , أعادت الغطاء مخبئة رأسها تحته ، تريد العودة إليه قبل أن يرحل .

- ياسمين أرجوك أفيقى أحدهم يسأل عنك فى  الخارج.

- ما بك يا هدى اتركينى كى أعود إليه .

- ارجوكِ يا ياسمين ثمة من يسأل عنك ، أفيقى ، فهو لا يريد أن يغادر قبل أن تقابليه بنفسك ، تململت فى سريرها ، و أخيرا قررت أن تغير ملابسها لترى من يريدها و لماذا !!! فى هذا الوقت المبكر من النهار .

ولجت إلى غرفة الضيوف طالعها وجه وسيم قمحى البشرة ترتسم ملامح القلق عليه ، نظرت مطولا لهذه الهالة العظيمة التي تخيلتها فوق رأسه فشعرت أنها أمام إله من ألهة اليونان القديم ،عيونه السوداء ليل حالك تغرق فى عتمته , مدت يدها مصافحة فسرى تيار لذيذ فى جسدها .

- تفضل بالجلوس لو سمحت يا ....

- أدعى أحمد , أحمد كمال .

- أهلا يا سيد أحمد هل تكرمت و أخبرتني عن سبب زيارتك لى فى هذا الوقت ؟

- كما ذكرت لك سابقا أدعى احمد  , ابى كمال حسن ، الم تسمعي بهذا الاسم من قبل ؟

- المعذرة منك يا أستاذ احمد لا , لا أعرفه !

- إلتفت إليها والشك يملأ مقلتيه السوداء

أكدت له بأنها لم يسبق لها أن سمعت به ثم أضافت :

,- ولكن ما علاقتى بك أو بأبيك يا سيد أحمد ؟

- أبى يريد أن يراكِ قبل أن يموت

-  يريد أن يرانى أنا ؟  قلت لك سابقا أنني لا أعرفه !

- أنه أحد الذين يخرون تحت قدميكِ كل ليلة يا ياسمين .

اكفهر وجهها وصمتت لا تعرف ماذا تقول له ، فهى حينما ترقص لا تنظر إلى وجوه من حولها بل تؤدى جنونها ببراعة ثم ترحل عن هذا العالم من غير أن تأبه بكل هذه الاجساد الملقاة تحت قدميها كل ليلة .

نظر مطولا إليها و كأنه يريد معرفة جوابها عن طلبه,أكدت له بكل ثقة :

- أسفة يا سيد أحمد فأنا لا أختلط برواد الملهى ، فقط أؤدى عملى وأرحل ، لا أعير انتباهاً لأي أحد .

- سأدفع لكِ اى مبلغ تطلبينه مقابل أن تزوريه فهو على فراش الموت .

- ما لدى قلته لك أنا لاتهمنى نقودك يا سيد أحمد .

رمقها بنظرة شك كادت تشطرها نصفين .

ثم تراجعت قائلة :

- حسنا يا سيد أحمد سوف أذهب فى وقت لاحق ، فقط اترك لى العنوان ولا أريد أى نقود منك أو منه .

 - بل ستأتين معى الان ، رجاءً .

- الآن هل انت مجنون ؟ لقد استيقظت لتوى من النوم وانا متعبة جدا واريد أن أنال قسطا من الراحة .فقط سجل لى العنوان ، و سأذهب لزيارته لاحقا أعدك بذلك .

- الا تدركين ما أقول ؟ أبى على فراش الموت ويريد أن يراكِ الان !

ترددت ياسمين , ثم استسلمت إليه ، و كأن سحر عينيه أسكتت كل اعتراضاتها ؛ وقفت , أحست أن شيئاً  بدأ  ينمو في داخلها يوسوس لها بالبقاء معه أطول فترة ممكنة .

- انتظرنى هنا سأعود بعد لحظات , طالعت وجهها  فى المرآة وآثار التعب ظاهرة تحت  عينيها ، وضعت بعض المساحيق كى تخفى هذه الآثار، تعطرت كأنما تود لو يستنشق عبيرها الأخاذ ويضمها إلى جذوته المشتعلة , أفاقت من تخيلتها الحمقاء وذهبت لملاقته فى غرفة الضيوف ، نظر مطولا إليها ثم أشاح بنظره بعيدا عنها كأنما يهرب من شبح أقترب منه قائلا :

- هيا بنا .

ركبت إلى  جواره فى  سيارته الفارهة , كانت أول مرة تجلس فى سيارة مثلها نظر باستغراب لها وكأنه غير مصدق لنظراتها الفاحصة لهذه السيارة الفخمة ظانا أنها تعبث به كما تعبث بغيره ، و لكن عيونها الجامحة وجسدها وملامحها الطفولية توحي بعكس ذلك .

نفض غبار الشك من عقله وتابع المسير إلى أن وصلا إلى مبنى فاخر تحيط به حديقة كبيرة رائعة الجمال ، تقدمها مشيرا لها بالدخول ، نظرت حولها بتمعن ، شعرت أنها تحلم , لكنها قريبا سوف تغادر هذا الحلم ولن تعود إليه .

ولجت إلى احدى الغرف الفخمة ، كان هناك رجل عجوز يرقد فى مخدعه الوثير طالبا منها الاقتراب أكثر ، نظرت إلى  أحمد مترددة ، و لكنه أومأ إليها بالاذعان إلى طلبه .

أشار إليها بالجلوس إلى جواره فجلست على  مضض ، فأمسك يدها ولكنها سحبتها من بين انامله ، إلا أنه نظر إليها بحنو وعطف فأعادتها إليه ؛ ثم لمحت شرارت تخرج من عينيه تخترق جسدها الغض وتحرقه , ارتعشت لوهلة من هذه النظرات ، و انتبهت أخيرا أن والده يحادثها ويمدح فى جمالها الاخاذ تبسمت له وشكرته ،استأذنت منه كى تغادر لان لديها عمل الليلة فى الملهى

- انتظرينى فى الخارج لو سمحتِ يا ياسمين سأوصلك بعد قليل لمنزلكِ , فاعترضت :

-  لا داعى لذلك أعرف طريق العودة

- فقط إنتظرينى فى الخارج .

 اسكتتها نظراته , جابت الرواق بأقدام قلقة تريد الرحيل عن هذا القصر تريد الهرب بعيدا عن عيونه الفاحصة , ما الذى جعلها تذعن لطلباته ؟

أسئلة كثيرة جابت عقلها الصغير , ولكنها لم تجد الاجابة

قررت الرحيل فلم يعد بمقدورها الانتظار أكثر , همت بنزول الدرجات ولكنه استوقفها قائلاً :

 - ألم أطلب منك الانتظار ,

- لكنك تأخرت ولدي عمل الليلة فى الملهى

- هل تسمين ماتقومين به عملاً ؟!!!

اعتراضت على لهجته الساخرة .

- لا أسمح لك أن تخاطبنى بهذه اللهجة المقللة من شأن عملي .

ضحك باستهزاء ثم أجابها :

- حسنا سأوصلك إلى المنزل.

 أراد أن يضع يده على كتفها ولكنها ابتعدت عنه خائفة من نيرانه المهددة بإحراقها فى أى لحظة .

 هبطت الدراجات سريعا هاربة من القصر كأنها تهرب من جحيم يتربص بها  , ثم ركبت بجواره وأشاحت بنظرها بعيدا عن جحيمه

و أخذت تشغل نفسها بمشاهدة المبانى الفاخرة المترامية على طول الحى هذا الأنيق الراقي .

لم تقارن بين الحى الذى تسكن فيه و بين هذا الحى الفخم  فلم تكن من النوع الذى يأبه لتلك الامور , لو أرادت ذلك لباعت جسدها منذ وقت طويل , لكنها حافظت عليه كأى فتاة ترغب بتسليم روحها وجسدها لمن يسلبها قلبها,  و لكن ذلك إن هو إلا من نسج مخيلتها الواسعة ، فمن يرغب بالارتباط بفتاة مثلها , سؤال يقطع روحها الطاهرة إلى أشلاء .

وصلت منزلها و فتحت باب السيارة تريد الهروب منه ، و لكنه أمسك بيدها مانعا ، نظر إليها مطولا بعينيه الحارقتين :

- لى حديث طويل معكِ يا ياسمين , و لكن هل هذا هو اسمك الحقيقى

أم أنه مزيف مثل هذا الثوب الكاسي لجسدك الفاحش ؟

سحبت يدها من بين أنامله الناعمة العابثة ثم فتحت باب السيارة وخرجت مسرعة .

تركها ترحل وهو على يقين أنها لن تفلت من بين براثنه الحادة ذات يوم .

  الجسد المخضب بالدماء

 قصة قصيرة بقلم : نهيل عصفور

كانت تركض فى غابة من الاشواك تحيط بجسدها الغض من كل جانب فتدميه و يتسخ رداؤها الأبيض بدمائها الحمراء و كأن طيوراً حادة المخالب غرزت فيه ؛ فتتوالى صرخاتها لتصحو من نومها لتجد نفسها تقبع فى سريرها و جدران الغرفة تضيق بها كما أنفاسها المتلاحقة .

حلم يعاود الظهور كلما غطت فى نومها العميق حتى باتت تكره

هذه الوسادة التى تريح رأسها عليها و هذا السرير الوثير الذى

يتمنى أى انسان أن ريح جسده المتعب عليه ؛ باتت تنفر حتى من هذه الجدران التي اضحت ضيقة موحشة تتخيلها مخالبا تريد أن تنقض عليها فى أى لحظة ، تقوقعت على نفسها وجذبت أطراف الغطاء لتغطي به عينيها ,

حتى أنها أرادت أن تختفى من وجه الارض كي لاترى هذا المسلسل الدامى يلاحقها كلما غالبها النوم وكبلها بسلاسله المخملية لتقع فريسة كابوس يدمي ثوبها الابيض .

نظرت إلى معصمها لتتفقد كم من الوقت قضت داخل كابوسها الاحمر ،

لن تجعله يسيطر على أفكارها الضبابية لن يحيل عالمها الابيض الناعم إلى شفق أحمر دامى .

استسلمت مجددا إليه بعد أن داعب جفونها بأنامله الناعسة ، طمأنها أنها له مهما هاجمتها شياطانه الحمراء .

أفاقت على صوت عصفور يغرد قرب نافذتها لتلملم كسلها وتنهض من أحضانه الناعمة لتقابل والدتها فى الرواق ، تطبع قبلة حانية على وجنتها الناعمة :

- صباح الخير يا أمى

- صباح الخيرات ياعشتار مابك استيقظتِ باكرا هذا اليوم ؟

- هو من أيقظنى

- من هو يا حبيبتى ؟!!!

- العصفور همس لقلبي بأعذب ألحانه ، داعب شغافه ليتودد له أكثر فأكثر يا أمى .

- لِمَ لا أجلب لك فطورك ؟

- حسنا يا أمى لا بأس

جلست عشتار لتتناول ما أعدته أمها لها ، و لكنها كلما نظرت إلى فنجان قهوتها الصباحية تتذكر كابوسها الاحمر فينقبض قلبها وتصبح شاحبة الوجه كأنها رأت شبحا أمامها .

نظرت أمها مطولا إليها و قد غاص قلبها بين قدميها من شدة قلقلها عليها

- ما بك يا حبيبتى ؟

- لاشىء يا أمى ، لاشىء لا تقلقى علي أنا بخير، أنا بخير

رددتها وكأنها غير متأكدة من معناها الحقيقى ، تريد أن توجز كل آلامها ومعانتها فى هذه العبارة البسيطة ( لا تقلقي ) و لتطمئن هى أيضا في داخلها على نفسها الضائعة التائهة .

هكذا شعرت منذ رحيله عن نافذتها ، و كأن الشمس غابت عن سمائها و السعادة  سُلبت من جسدها فأضحى كالجثة الهامدة ، يتلقى الطعنة تلو الطعنة

 

هجمة سوقية

قصة قصيرة بقلم : د. رضا صالح خليفة

 

              كان الرعب والهلع أهم ما يميز الحركة داخل السوق فى هذا اليوم الذى لا ينسى ؛ قادتنى قدماى إلى هناك.. رأيت هرجا و مرجا ؛ فقد كبست شرطة المرافق مصحوبة باللودر ذى الذراع الطولى وقد دخل إلى الطرق الضيقة التى تفصل المحلات عن بعضها؛ يسبقها رجال أمن مركزى بزيهم الأصفر الباهت المميز , فوق رؤوسهم خوذ لونها أخضر داكن مغبر , وفى أيديهم هراوات ؛ انتشروا فى السوق كالجراد ، كان الباعة يتدافعون أمام طاولاتهم ، توجهت فى تلك اللحظة إلى سوق السمك ؛ الكل يتجه بنظره إلى اللودر الأصفر وقد وقف كالمارد يدخل من أول الطريق يرفع الكباش إلى أعلا يبدو مثل ذنب العقرب وقد استعدت للمصارعة . الكل هائج فى حركة سريعة يحملون طاولات السمك والجلمبو والثوبيا بلون حبرها الأسود ذى البريق اللامع تحت ضوء الشمس ، بعض السيدات البائعات يحملن الطسوط والجرادل المليئة بأسماك البساريا والشخرم والهليلى والجلمبو والجندوفلى , وقد تدافعن  وهرعن إلى داخل المحلات الضيقة ليخبئن بضاعتهم فيها ، تماما كتجار المخدرات أو كيوم الحشر ، بعض الطاولات تسقط من التدافع ؛ يتناثر منها السمك على الأرض..

سألت أحد الباعة وقد وقف مذهولا؛  وهو يوجه نظرة إلى العفريت الأصفر الذى بدأ هجومه على التندات المعدنية الحامية من حرارة الصيف والإجهاد وضربة الشمس وفساد الأسماك ..

ما الموضوع ؟

نظر إلىّ نظرة شك وارتياب ، ثم سكنت أساريره ؛ وقال لى :

كما ترى ، الله ينتقم منهم ..

هل أنذروكم ؟

لم يقل لنا احد شيئا ..

المفروض أن يكون هناك أكثر من إنذار قبل الإقدام على هذا الفعل

لمن تقول هذا الكلام يا أستاذ ؟

فى تلك اللحظة كان اللودر العملاق قد اقترب منا ؛ وقد تجمهر حوله أفراد الأمن المركزى بهراواتهم الغليظة , يحومون حوله ، انتشروا  ليوسعوا  له الطريق ؛ حتى يتمكن من إسقاط البروزات والزوائد والخروجات من واجهات المحلات ، ليزيل التند ويقضى عليها  قضاء مبرما؛  التوى الحديد والمواسير وتقرقع الصاج ؛ وسقط على الأرض ركاما وقد انخلع من الحوائط خلعا

صار المنظر رهيبا ، وقد امتلأت أرضية السوق ببقايا المواسير والقماش و الصاج والحصر المصنوع منه التند ؛

اتجهت إلى شارع آخر داخل السوق؛  كان اللودر قد أنهى مهمته فيه ، بانت إمارات الأسى والخنوع على وجوه الباعة ..اشتريت ما تيسر ؛ وأسرعت إلى الخارج فرحا بالنجاة .!!