
أقصوصة
راشد أبو العز*
مقدمة :
وسط الحديقة المثمرة قد نجد أحيانا نَـبتـة شيطانية !!
مللت من كل الصور المتحركة والأحاديث السياسية الصاخبة كصخب الأغاني
الهابطة ، و المشاهد الحزينة الباكية و كل المشاهد الجريئة الساخنة . فضغطت
زر الريموت بعنف لأغلق التلفاز !!
ويبدو أن أصابعي ضلت الطريق في الظلام للزر المنشود فلم ينغلق الجهاز ،
وإنما تحولت أنا للراديو دونما إرادة مني !!
إنبعث صوت أنثى تتحدث بلغة أجنبية " غير مفهومة " ..
مرت دقائق عديدة وما زالت المرأة تتحدث وأنا لا أعلم عن أي شئ تتحدث !!
فداخلني شعور غريب لم يراودني من قبل ..
فلقد ذاب توتري وكأنه كتلة من الجليد تنساب عليها قطرات من ماء دافء ..
ومازالت المرأة تتحدث وأنا لا أفهم ولا أحاول أن أفهم ..
ومازال جليد الهَّمْ ، وكل توتراتي كأنها جبل عال ، وراح يذوب رويدا رويدا
. حتى تلاشى !!
وما زال صوت الأنثى ينساب دونما أن يقحم عقلي في عناء الفهم !!
وبدا عقلي وكأنه تسطح وإرتخى وتمدد ثم سكن . أو كأنه تلاشى !!
شعرت بأنني أطير في الهواء محمولا على وسائد ناعمة من حرير تفوح منها روائح
كتلك التي نشتمُها ونحن نتمسح برؤوسنا وأيدينا في سياج الأضرحة !!
حالة عالية من النشوى ليس لها مثيل ولم أصل إليها من قبل ..
ومازالت الأنثى ترطن و تتحدث وأنا لا أفهم عن ماذا تتحدث !!
فكانت تتحدث بلغة غير مفهومة !!
( لا تقولوا : عرفنا يا سيدى .. جيب من الآخر!! )
وفجأة إنفتح باب حجرتي بعنف ، ووقفت "هي" دونما أن تعُبر لداخل حجرتي .
تأمرني وكأنها تسألني :
ـ ألن تنام ؟!
بالونة مُلونة تطير في الهواء في إنسيابية ، وفك رباطها فجأة ، فخرج الهواء
منها محدثا صوت كالفحيح المختلط بالصفيرالحاد ، وراحت البالونة تدور في
حركات دائرية وبيضاوية سريعة ومتوترة حتى سقطت وهوت !!
كنت أنا هذه البالونة التي هوت !!
فطارت النشوى من رأسي وتبخرت ، وهويت للواقع بعنف وإرتطام ، وسؤالها الآمر
بدا كالصفير الحاد الذي يزلزل أسناني و كل كياني !!
همست أنا بصوت يائس وخضوع : هيا لننام !!
سحبتني من يدي !!
فأغلقت أنا التلفاز بعنف" حرصت كل الحرص ألا تراه " ، وأغلقت هي باب الحجرة
بلطف حرصت هي أن أراه ، و بعد أن خرجت معها معصوب العين مشدودا من يدي
وكأنني أساق لمصير لم يتحدد بعد !!
أوكأنني أساق لإحدى غُرف التعذيب والتهذيب !!
وما إن إقتربت أنا من غرفتها حتى " توقعت " نيتها من هذا الضوء الخافت
المنساب ، وما إن دلفت للداخل حتى " تيقنت " من المصير !!
فقد كانت تصدح موسيقى حالمة !!
مازلت أنا كالبالونة التي فرغ منها الهواء عنوة وعلا الصرير في أذني فطغى
على تلك الموسيقى الحالمة !!
تمنيت أن يعود لي صوت هذه الأنثى ذات اللغة " الغير مفهومة " ، حتى أصل
لقمة النشوى !!
وخطر لي خاطر غريب ..
لماذا لا أجعلها الآن ، وفورا .. تتكلم بلغة " غير مفهومة "؟ !
حكيت لها قصة التلفاز والمذياع ، وذلك البرج العالي من النشوى و الذي صعدت
إليه على درجات صوت أنثى غير " مفهومة " !!
وتتكلم بلغة غير مفهومة !!
كانت تجيد " هى " الإنجليزية وبعض الألمانية و التي لا أجيدها . فهي لغة "
غير مفهومة " لي !!
وبرطمت "هي" بالألماني ، وأنا مغمض العينين ، أهز يدي لتستمر أو أهزها
لتخفض صوتها قليلا ..
وأخذني الحماس و رحت أنا أتكلم أيضا " بلغة سواحلية " تعلمتها من "
شِرْوِّعْ " ..
وشروع هذا صديق صومالي عاش معي بعض الوقت عندما كان يدرس في القاهرة ...
و أما المنظر الآن ..
حجرة إضاءتها خافتة و تنبعث منها الموسيقى الحالمة ، و رجل وامرأة يتحدثان
معا بلغة غير مفهومة " ألماني وبربري " طلبا لحالة عليا من السعادة !!
ولم نستمر طويلا في هذا الذي نفعله .. فقد أخذتنا " كريزة " من الضحك
الصاخب ..
ثم رحنا نتهامس ..
ونتعاتب ..
ونتلاشى . بلغة كانت ..
صاخبة و مفهومة !!
===================
راشد أبو العز – مصر
===================
تعقيب
أخي المبدع راشد
لا أدري لماذا تحاول التملص من أروع ما خطه قلمك ، أو تتهرب من المداخلات و
كأن ما كتبت كان زلة قدم ، ترى استفزاز القارئ كان هدفك ؟ ثم متى كان شيطان
الأدب ينتظر مناسبة أو يأبه لظرف حتى لو كان تعيسا ؟
أضم رايي إلى رأي الصديق عبد الهادي شلا في تحليله و أثني على تعقيبات و
مداخلات الإخوة الزملاء ، ثم أعود لتهنئتك على هذا العمل الرائع ، و دمت
متألقا في المقدمة
نزار