
مقال
أ. د. دنحا طوبيا كوركيس*
تحتفل
البشرية في الحادي و العشرين من شهر شباط كل عام ، باليوم العالمي
للغة الأم. وترمي هذه المناسبة إلى الحفاظ على لغة الأم والتعليم
بها وبالتالي إلى تعزيز التنوع اللغوي في بلدان تتعايش فيها قوميات
تتباين في السنتها. ولكي نفهم معنى لغة الأم
mother
tongue
علينا تمييزها عن اللغة القومية
native
language
، أي لغة الاغلبية. فإذا ما تتطابقت لغة الأم مع اللغة القومية،
تكون لغة الأم واللغة القومية واحدة، بغض النظر عن درجة الفصاحة.
كما علينا تمييز اللغة القومية بالمفهوم العددي عن اللغة الوطنية
national language
، ففي كندا لغتان رسميتان، هما الانكليزية والفرنسية، وكذا الحال
دستوريا في العراق بالنسبة للعربية والكردية. دعونا نأخذ مثال
العربي المولود من أم لا تتقن سوى العربية، بغض النظر عن دينها
وقومية بعلها والبلد الذي تعيش فيه. إذا استمرت هذه المرأة
باستخدام العربية مع مولودها، نقول بأن اللغة العربية التي اكتسبها
هذا المولود هي لغة مكتسبة
acquired
language
وهي في عين الوقت لغة الأم واللغة الاولى
first
language
. وإذا ترعرع هذا المولود في ارض عربية، ستنسب لغته العربية إلى
الجغرافيا، أي الوطن العربي، وإلى الأمة التي ينتمي إليها، أي
الأمة العربية، حتى لو كانت اصول اهله غير عربية. وإذا ما تتلمذ
هذا الطفل في مدارس عربية، أو غير عربية، لكنها تستخدم العربية
كأحد المقررات الدراسية، فأن الطفل سيتعلم اللغة العربية الفصحى،
كما لو كان يتعلم الانكليزية أو الفرنسية، مثلا. وفي هذه الحالة،
نسمي الفصحى لغة متعلمة
learned
language
، علما أن الكثيرين من الباحثين يخلطون بين تعلم اللغة واكتسابها،
مثلما يخلطون بين تعلم اللغة الثانية
second
language
(التي هي لغة رسمية، كما الانكليزية في الهند، مثلا) واللغة
الاجنبية
foreign
language
(كما هو الحال في تعليم اللغة الانكليزية في الدول العربية). ومن
هذا نفهم بأن المولود العربي الذي تحدثنا عنه تصبح له ملـَكة لغوية
عربية أشبه ما تكون بعملة ذات وجهين يمثلان اللهجة الدارجة
والفصحى، و ندعوها باللغة العربية إجمالا ونطلق على ظاهرة
استخدامهما مصطلح "الازدواجية اللغوية" (
diglossia
).
وقد يسأل من ينطق بالسريانية: ولكن ألا تعتقد بأن مفهوم لغة الأم
يتطابق مع اللغة القومية عند السريان أو الكلدان أو الآثوريين.
الجواب، نعم إذا ما رجعنا إلى الماضي، إذ كانت هنالك أمة معروفة
بجغرافيتها ولغتها الرسمية. أما اليوم، لا يجوز أن نطلق على اللغة
السريانية لغة قومية بمفهوم المواطن الذي ينتمي إلى بلد مستقل،
وإنما هي "قومية" بالمفهوم الضيق، بمعنى الانتماء إلى أقلية من
القوم بين اقوام اخرى تتعايش معها. باختصار، اضحت السريانية لغة
أقلية عرقية، وما عدا ذلك فهو ضرب من ضروب العواطف التي نقدرها.
ولكي اضرب لك مثالا حقيقيا عن كون لغتك القومية
native
language
هي العربية دوليا، ربما يتذكر البعض عملية خطف الفلسطينيين لطائرة
اسرائيلية في ألمانيا سنة 1974. كنت مع زميل لي، وهو أصلا من تلكيف
لا يعرف من السريانية شيئا يذكر، متوجهين من النمسا إلى ألمانيا
بالقطار. توقف القطار فجأة وإذا بضباط يصيحون بأعلى صوتهم: عرب،
عرب. وما أن رأوا الجوازات العراقية، طلبوا منا النزول...إلخ. على
أية حال، الفرق بين من كانت لغة الأم عنده السريانية (أو احدى
اللهجات الآرامية الحديثة) وبين العربي الذي ترعرع في احضان احدى
اللهجات العربية هو أن الأول يتعلم العربية، بينما الثاني يكتسبها.
وهذا يعني بأن العربية بالنسبة للسرياني (شريطة أن يتقن لغة أمه)
هي لغة ثانية. ومن لا يتقن السريانية اطلاقا (كالسريان الكاثوليك
واليعاقبة من سكنة مركز الموصل تحديدا)، فهو محسوب على العرب لغويا
وقوميا.
بعد هذا التقديم نسأل: من المشمول باحتفالية اليوم؟ الجواب: كل قوم
يبكي على ليلاه، حتى العربي الذي يعلم جيدا بأن اللغة العربية لن
تنقرض طالما تحدثت بها عشرات الملايين من البشر قد احتفل بمقالة في
الصحافة العربية الصادرة هذا اليوم، ولكنه يروّج للعربية الفصحى
التي ليست لغة أم بالمعنى الدقيق لأي عربي في الكون. من حق العربي
أن يقلق على الفصحى لأنها لغة أمة واحدة، وهو شعور قومي تنامى عنده
عبر قرون من الزمان جعلته وجدانيا أن يتخذ من الأمة العربية مجازا
أمّا لكل العرب. وإن كانت منظمة الأمم المتحدة حريصة ايضا على
سلامة وديمومة اللغة العربية، إلا انها قصدت بلغة الأم تلك اللغات
المهددة بالانقراض، ومن بينها اللهجات الآرامية الحديثة التي تتكلم
بها أمهات حقيقيات بعفوية خالصة، عكس من يدعي بأن العربية الفصحى
هي لغة أمه، مثلما كانت الآرامية لغة عالمية لقرون طويلة حتى حلت
العربية مكانها لأسباب معروفة لتصبح بعدئذ ثانوية جدا وآيلة للزوال
بسبب اضطهاد وقتل وتهجير وهجرة متكلميها. إذن كيف نحتفل بلغة الأم
في ظل هذه الظروف دون توفر المستلزمات وتوفير الاجواء السياسية
وبعث الحس الوطني؟ لا أطالب بأن تكون جميع اللغات العراقية لغات
رسمية يفصح عنها جواز السفر العراقي، بل أن تصبح لغات رسمية إلى
جانب العربية والكردية دون إلغاء دورالعربية الريادي وموروثها
الثقافي والديني والحضاري. إنها، وبكل بساطة، بحاجة إلى رعاية
خاصة، كتقديم تخصيصات مالية لتسجيل تراث متكلميها، على سبيل
المثال. نعم، نحن مطالبون بالحفاظ على سلامة اللغة العربية في
كتاباتنا، كنا عربا أم غير عرب، طالما كنا نعيش في وطن واحد. لماذا
نحرص على الكتابة بلغة انكليزية سليمة، مثلا، بينما لا نبالي إن
كتبنا بعربية سقيمة احيانا؟ لا شك في أن من يدعو إلى سلامة اللغة
العربية يعي جيدا بأن النشر الإلكتروني غير المقيد ساهم وسيساهم في
تدهور اللغة العربية الفصحى. ولن يكون الاحتفال بالمناسبة احتفالا
لغويا شعبيا ما لم تتخذ الاجراءات السياسية الخاصة بلغة الأم،
أولا، ومن ضمنها اللهجات العربية الدارجة، وبسلامة العربية الفصحى،
ثانيا. وأهم المطالب التي تحضرني في هذه اللحظات هي اصدار قرارات
سياسية تنص على عودة المجامع اللغوية الخاصة بالقوميات غير العربية
وتشريع قانون ينص على تشكيل لجان متخصصة لدراسة الموروث الشعبي
اللغوي بدءاً بجنوب العراق ومقارنته باللغة الآرامية ليكون بوسعنا
قراءة التاريخ الرافديني المطمور بشكل علمي. كما اتمنى من كان في
أعلى هرم الدولة العراقية أن يتحدث بالعربية الفصحى على المستوى
الرسمي اعلاميا. وإن لم يستطع المشافهة بها، فعليه أن يقرأ خطابه
بعربية لا يجر فيها ما ينصب ويرفع ما يخفض.
وكل عام ولغات الامهات بألف خير.
================
*أ.
د. دنحا طوبيا كوركيس
– العراق/الأردن
جامعة جدارا/ الأردن
الأردن في 21/2/2010
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,388880.0.html
================