.

الأدب 1/E

ضيوف "العربي الحر"

المقال الأدبي

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

لغة الأم و اللغة القومية

الجزء الثاني

مقال :

 

الأستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس*

       في الجزء الثاني من موضوع "لغة الأم واللغة القومية" المنشور على موقع عنكاوا (الرابط في ادناه)، سأحاول الاجابة على مجموعة تساؤلات وردتني من عدة اشخاص، أهمها ما يلي:

1. يقصد بالتعبير الانكليزي mother tongue شيوعا اللغة الأم، وليس لغة الأم (كما جاء في أصل مقالي)، فهل من فرق بينهما؟

2. تعلمنا بأن اللغة الأم هي اللغة التي يتعلمها الإنسان من بيئته التي ولد وترعرع فيها بغض النظر عن قوميته. وقد تكون للإنسان أكثر من لغة أم كالأكراد والتركمان والسريان مثلاً ممن ولدوا ونشأوا في بيئة عربية وثقافة عربية فتجدهم يتكلمون العربية ولغتهم القومية معاً وبنفس الطلاقة.  هل من ايضاح لهذه الاشكالية؟

3.  إذا كان ثمة لغة أم، فأين لغة الأب إذا؟

4. لو افترضنا أننا حققنا الحكم الذاتي، فهل يمكن أن نقول أن لغة الأم بالنسبة للكلداني، مثلا، هي الكلدانية لأنه اكتسب الكلدانية من أمّه بغض النظر عن خلفية الأب وأن قوميته (الخاصة) ستصبح هي السريانيّة (لأنه سورايا) ويتكلم باللغة السريانية (سورث )؟

5. وبما أن اللغة الرسمية المشتركة لقوميات شعبنا الثلاث كانت وما زالت هي السريانية، فهل ستكون اللغة القوميّة الرسمية (العامة) للأمّة السريانية التي تتكون من عدة شعوب (الكلدان السريان الآشوريين) هي التسمية التي من المفروض أن تطلق علينا؟

6. إذا كان الجواب بالايجاب، هل يمكننا من الآن فصاعدا اطلاق هذه التسمية اللغوية على القومية السريانية (سورايي) طالما نطقنا باللغة السريانية كلغة رسمية يعرفها العالم (مثلما عرفها قبل سيطرة اللغة العربية عليها) لتصبح لغة قومية ( خاصة ) للشعوب الأصلية؟ أي، لما كانت اللغة هي مرآة الأمة، فلماذا لا تكون اللغة القومية (الخاصة بشعبنا) هي السريانية وتكون التسمية القومية لشعبنا "السريانية" كتحصيل حاصل، كما هو الأمر بالنسبة للعرب ولغتهم، مثلا؟

قبل أن اجيب على هذه التساؤلات، ارجو أن يكون معلوما لدى جميع من يقرأ ما اكتب عن أي شأن من شؤون شعبنا بأنني اتجرد من العواطف تجاه س أو ص تماما. سأبدأ بالحقائق على الارض كالتالي:

لغة الأمة العربية = اللغة العربية (بكل لهجاتها) = اللغة القومية = اللغة الأم = لغة الأم بالنسبة للعربي، أي أن:

  mother tongue = native language

أما اللغة التي ترعرعت عليها (ورضعت منها) قبل نزولي إلى الشارع والتحاقي بالمدرسة لم تكن عربية، وإنما كانت اللهجة الكلدانية (السهلية، نسبة إلى سهل نينوى) التي لم تكن والدتي تعرف غيرها في القرية. هذه هي اللغة المكتسبة التي يجب أن نطلق عليها تسمية لغة الأم

 (mother tongue). أما العربية، فقد تعلمتها من المحيط الخارجي. ولو افترضنا بأنك كنت ابن محلتي (وكنا بنفس العمر وأمك تتكلم العربية حصرا) ستكون افضل مني (بفارق زمني لا يقل عن سنتين أو ثلاث سنوات) باستخدام العربية. لماذا الفرق بيني وبينك؟ السبب هو أنني  كنت اتنقل ما بين عملية استكمال "اكتساب" الكلدانية في البيت (تحت تأثير الأم بالدرجة الاساس، ومن المحيطين بي، ثانيا، بضمنهم الأب) وبين "تعلم" العربية من اولاد المحلة، اولا، ومن ثم المدرسة، ثانيا. تصوروا بأنني رسبت في الصف الثالث الابتدائي عندما انتقلت من قرية باطنايا/الموصل إلى بغداد. والسبب هو سيطرة لغة الأم على اللغة الأم، أي اللغة القومية أو الوطنية (العربية)، التي لم اتحرر منها إلا بعد سنتين من تعلمي للغة العربية.

What's your mother tongue? ولو سألني ضابط في أحد مطارات الغرب:

(الآرامية، لغة المسيح)،  Aramaic, the language of Christ :  سأجيبه 

علما أن الآرامية سبقت المسيح بقرون، ولن أقول "الكلدانية". والسبب هو أن الكلدانية مجرد لهجة من لهجاتها وغير مدرجة في شجرة العائلة الدولية للغات التي تدرس في الجامعات. ولكن سأقول بأن لغة أمي هي "الكلدانية" حتما لو سألني أي عربي او سرياني.

What's your native language? : ولو سألني هذا الضابط

    Arabic سأقول:

في حين أن جواب العربي سيكون "العربية" لكلا السؤالين، التي هي بالنسبة له "لغة الأم" و "اللغة الأم" في عين الوقت دون أي تمييز بينهما. وما ينطبق عليه، ينطبق على سريان مركز الموصل (وبضمنهم الكلدان الذين عاشوا في بغداد والبصرة خاصة) ممن لا يعرفون من السريانية شيئا بسبب الضغوطات الاجتماعية التي تعرض لها آبائهم وامهاتهم، خاصة فيما يتعلق بتسمية اطفالهم بأسماء عربية، إذ اضحت اسماء مثل ججو وميخا وطوبيا ومرقس ودنحا وقرياقوس مثار سخرية. ولهذا يتهمون بأنهم استعربوا. ومع ذلك، يستطيع اللغوي أن يميز بين عربية الكلداني أو السرياني أو الآشوري وعربية العربي. ولكن الفروقات تختفي كتابيا، وقد يتفوق متكلم السورث على العربي في استخدام العربية الفصحى، والامثلة على ذلك لا حصر لها.  

ولمزيد من التوضيح، ساقلب الآن المعادلة التي اشرت اليها في الجزء الأول. تخيل إعرابي أو فارسي عندما كانت الآرامية اللغة الرسمية في عموم بلاد آرام لغاية اعلان العربية اللغة الرسمية البديلة للدولة الاسلامية. ولنفترض أن هذا الاعرابي أو الفارسي سافر إلى بلاد  الروم أو الاغريق، خاصة إذا كان مندوبا من دولة آرام (وقس على ذلك سفيرنا السرياني في السويد حاليا). لو سُأل هذا الاعرابي أو الفارسي من اين قدمت وبأي لغة تخاطب ابناء بلدك، لقال لهم من بلاد آرام وأعلن عن لغته الرسمية، أي اللغة الأم (القومية أو الوطنية)، بأنها الآرامية، بغض النظر عما تكون عليه لغة الأم التي يتخاطب بها مع ذويه وأبناء قومه ممن يشكلون أقلية في بلاد آرام.

لنفترض أن مشروع الحكم الذاتي لشعبنا تحقق. في هذه الحالة، سيكون هنالك ناطق رسمي باسم شعب له حدود جغرافية، أي حكومة مصغرة ولغتها الرسمية "السريانية"، كما هو الحال في ما يسمى بـ "كردستان" العراق ولغتها الكردية، ونتغاضى عن الخصوصيات في استخدام اللهجات. وإذا ما حدث ذلك ضمن ما يسمى بـ "الفيدرالية"، يجب أن تكون العربية والكردية لغتان رسميتان في الدستور الاقليمي، وذلك بسبب توزع شعبنا بين العرب والاكراد (والتركمان). ويجب أن ينص دستور العراق على ذلك. وطالما كان العراق جزءاَ من الوطن العربي، ستبقى العربية هي اللغة القومية (بالمفهوم العام) للبلاد كلها في التعامل الدولي، وتصبح السريانية (أو الاقدم منها، أمها الآرامية) هي اللغة القومية (بالمفهوم الخاص) لقوم يقطنون اقليما ضمن دولة اسمها العراق.

أكرر مرة أخرى فأقول بأنني كلداني واتكلم اللهجة الكلدانية التي اكتسبتها عن والدتي (رحمها الله) قبل أي انسان في الدنيا. وبما أن هذه اللهجة هي احدى اللهجات السريانية (لفظا وكتابة)، ستكون السريانية بالنسبة لي هي لغة الأم. وبما أنني اعلم بأن السريانية (بمختلف صورها) هي امتداد للآرامية، ستكون الآرامية بالنسبة لي هي اللغة الأم، أي اللغة المظلة، وهي مرادفة للغة القومية (بالمعنى العام إذا توفر لها وطن، كما اسلفنا). وبناء على هذا الفهم، علينا التمييز بين لغة الأم واللغة الأم (اللغة القومية) لأن الثانية ترتبط بأرض مؤطرة بحدود جغرافية معلومة دوليا ومثبتة على خارطة. أما زوجتي، فهي آثورية وتتكلم اللهجة الآثورية، لكنها منتمية إلى الكنيسة الكلدانية وجنسية والدها (رحمه الله) ايرانية، لكن لغته القومية (اللغة الأم) كانت فارسية ولغة أمه آثورية. إذن لغة الأم التي اكتسبتها زوجتي من أمها (وممن حولها في العائلة) هي الآثورية، وهي ايضا احدى اللهجات السريانية (أي الآرامية الحديثة). وما اكتسبه اولادنا هي لغة أمّهم (أي اللهجة الآثورية). وهذا يعني بأن اللغة الأم (وليس لغة الأم) بالنسبة لي ولزوجتي وأولادنا واحدة، وهي الآرامية الحديثة دون أدنى شك، لأننا نتفاهم فيما بيننا. المشكلة القائمة بيني وبين زوجتي هي القومية، فهي تصر على أنها آشورية (من سلالة آشور) بينما أنا لا زلت ابحث في بطون التاريخ عن مزيد من الحقائق، وإن كانت كفة اللغة مرجحة عندي، أي الآرامية، لأنها مازالت حية، وإن تعددت لهجاتها، بينما ليس هنالك شىء اسمه اللغة الآشورية سوى تلك التي نجدها في الألواح والرقم الطينية التي خلفتها الحضارة الآشورية، أو ما تتداوله الاقلام والألسنة عاطفيا. ولو قارنت لهجة زوجتي (الأورمية الأصل) بالآشورية المنقوشة، سنصل إلى نتيجة مفادها أن لغة زوجتي لا تشبه اطلاقا اللغة الآشورية المنقوشة، وإنما هي آرامية بحتة. ولما كانت الحقائق على الارض تفيد بأننا نتكلم السورث، علينا أن نتشبث بكوننا سورايي (أو سوريايي)، أي بالعربية "شعب سرياني"، إلى أن تثبت الدراسات العلمية عكس ذلك، وهذا ما أشك به. إننا "سورايي"، ليس لكوننا مسيحيين (وإن كنا نطلق لفظة سورايا أو مشيحايا على أي مسيحي)، ولكن لأننا نتكلم السورث. إذن التسمية القومية للغة (بالمفهوم الخاص) تستند في تبرير اقرارها على اللغة المشتركة بشكل اساسي.

 

كان الأخ السائل يستأنس برأي عما إذا كنت أقر بمبدأ انتشار اللغة السريانية كلغة قومية، كما كانت في سالف عهدها، أي قبل احلال العربية محلها. اعتقد بأن الجواب بات واضحا. شخصيا، لا أود الدخول في معمعة الحكم الذاتي لشعبنا، وإن اشرت اليه باقتضاب في اعلاه مقارنة بالحالة الكردية. لست من انصار الحكم الذاتي في سهل نينوى، لأسباب جوهرية عديدة، ولكن يمكن تلخيص موقفنا اللغوي كالآتي: إن لغة شعب العراق القومية (بالمفهوم الوطني العام) هي العربية، وعلينا الحفاظ عليها، وأية محاولة ترمي إلى توطين اللغات العرقية، ومنها الكردية، هي بمثابة طلاق بائن محفوف بمخاطر انفصالية على المدى البعيد.  لنفترض أن مشروع الحكم الذاتي لشعبنا تحقق، أسوة بالأخوة الاكراد. في هذه الحالة، سيكون هنالك شعب له حدود جغرافية، أي حكومة مصغرة ولغتها الرسمية "السريانية"، كما هو الحال في ما يسمى بـ "كردستان" العراق ولغتها الكردية. وإذا ما حدث ذلك ضمن ما يسمى بـ "الفيدرالية"، يجب أن تكون السريانية لغة رسمية في الدستورين الاقليمي والفيدرالي. ويجب أن ينص دستور العراق على ذلك. ولكن طالما كان العراق جزءاَ من الوطن العربي، ستبقى العربية هي اللغة القومية (بالمفهوم العام) للبلاد كلها في التعامل الدولي، وتصبح السريانية هي اللغة القومية، أي اللغة الأم (بالمفهوم الخاص) لقوم يقطنون اقليما ضمن دولة اسمها العراق. وفي ضوء ما تقدم، أقول بأنه علينا الحفاظ على التنوع اللغوي وإثراءه، ولكن ليس على حساب العربية التي عاشت معنا قرونا طويلة وسجلت تراثنا الوطني بكل فخر. ستبقى اللغة السريانية لغة الثقافة القومية (اللغة الأم، بالمفهوم الخاص كما اشرت) لشعب سرياني ينطق بالسريانية شاء أم أبى، ولكنها لن تحل محل العربية كلغة قومية (بالمفهوم العام) على مستوى العلاقات الدولية وفي أروقة الأمم المتحدة والجامعة العربية، على سبيل المثال لا الحصر. وتبقى لغة الأم هي اللغة الشعبية الحية التي نتخاطب بها مشافهة بين اقراننا.

=========================

*الأستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس – العراق/الأردن ، جامعة جدارا

http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,388880.0.html

http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,390669.0.html

dtgorgis@gmail.com

=========================