
أقصوصة

عمر علوي ناسنا*
الطفلة
الشقراء التي تلعب معي هناك، سأعرف فيما بعد أنها
صارت عاهرة.
لاأستطيع أن أتصور حياتي بدونها ، أنهي فطوري بسرعة كما لو
كان عقابا ، وأركض في اتجاه جارتي الشقراء الجميلة، وأسمع
دائما نصف جملة وأنا في
الدرب فأعرف أنها الشق الثاني من لعنات أمي.
نلعب
ماذا نلعب اليوم
لعبة
الغميضة
من يختبئ أولا
وأذهب للإختباء، أختار دائما الاختباء في
منزلهم،أختار دائما مكانا جديدا، أحيانا أكتشف أشياء غريبة
وأنا لابد في مكان ما
حيث لا أحد يراني، الأب يلعن كل شيء وهو هناك في غرفته، يلعن
رب الدنيا الشرموطة،
وأحيانا أجده يبكي، الرجل الضخم الذي أتمنى لو أكون مثله في
وقفته وفي هالة
الكبرياء التي تشع من عينيه يبكي، وأتذكر كلام أبي كلما لحقني
عقاب أمي: الرجال لا
يبكون يا بني.
لماذا يبكي جارنا إذن يا أبي؟
لم يكن أبي يجيبني كان يضمني
إليه بقوة ويغير الموضوع دائما، فأشعر كأني واقف هناك شحاذا لم
يظفر بشيء.
يومها
اكتشفت وأنا في العتمة أن الأم كانت تقول وهي تنتحب: يا ربي ما
بقي شيء
نبيعه.
لماذا يبيعون أثاث بيتهم؟
ولا تجيب أمي ، ولا تضمني، كانت تصرخ لا
أريدك أن تضيع وقتك في بيت الجيران، هل تريد أن يتهموك
بالسرقة؟
كنت أحتمل
لعنات أمي ، بعضها يضيع في البيت وبعضها أركض فلا يصلني إلا
قليل منه حين يبتلعني
بيت الجيران، لكني لم أحتمل أن تمنعني أمي من اللعب مع جارتي
الشقراء الجميلة، امتد
ذلك لأسابيع واصطحبتني أمي لزيارة أقاربها وبقي كل تفكيري في
الدرب.
وأخيرا
عدنا، ركضت والشق الثاني من لعنات أمي يطير مع الغبار الذي
ينجال حولي وأنا اركض
نحو بيت الجيران.
نلعب
ماذا نلعب
لعبة الغميضة
من يختبئ أولا
وأذهب
للإختباء
وأنا أدخل بيتهم لم تغمض الصغيرة عينيها خلافا للعادة ، فقلت
محتجا
:
لاتغشي
كانت سحابة من الحزن تسكن عينيها حين دخلت البيت، لم أجد مكانا
أختبئ
فيه، لم يبق سرير أندس تحته ولاصوان أتكور حول نفسي في جانبه
كان النهار يجلد بسياط
نوره كل شيء وكان الفراغ وحشا بألف رأس ورأس.
دخلت الشقراء الجميلة وصاحت : ها
وجدتك ، دوري الآن لأختبئ، أغمض عينيك.
أغمضت عيني، كان الفراغ الفظيع الذي
اكتشفته يربض خلف أجفاني، وسحابة الحزن التي سكنت عيونها
الجميلة كأنها مشدودة إلى
أعماقي، فتحت عيني بعد مدة، ودخلت بيتهم، لم أجد جارتي الشقراء
الجميلة،لم أكن
بحاجة للبحث عنها كانت كل الغرف فارغة ، لاشيء تختبئ خلفه،
دخلت الغرف بسرعة ولهوجة
وقلبي كأنه يريد أن يخرج من صدري.
بحثت كثير فلم أجدها بحثت في الدرب وفي بيتنا
وفي الحارة ، وحل المساء ومساء آخر وآخر وآخر....وتكاثفت
المساءات فأغمضت عيني
لأبحث عنها
===========
*عمر علوي ناسنا - المغرب
maoaloui@gmail.com
===========
تعقيب
أخي المبدع عمر
النص رائع بقدر ما هو مؤلم
لعبة الغميضة
تمثل عالم الطفولة
و فراغ المنزل من أثاثه يمثل غدر الحياة بالنسبة لعاطل عن
العمل
و النتيجة متوقعة في تحول تلك الطفلة البريئة إلى مومس
سلم يراعك و دمت
متألقا
نزار