
رواية قصيرة
محمد نجي
انزوى
مرزوق في مكان داخل مكتبة الكلية. ظل متهالكا على مقعد مهترئ. بدا متشنج
الأعصاب . علامات ترقب وانتظار تطفو على ملامح وجهه الذي فشل في إضمار ما ألم
به في هذه اللحظة .
كانت ترن في مسامعه بين الفينة
والأخرى عبارة متكررة مرات و مرات" واش علقوا لكم؟". كانت تتناهى إليه على
إيقاعات معزوفة بسمفونية السخرية المختلطة بنفحة من الترقب و التذمر "حنا اللي
معلقين". عقبها يأتي المثل الشعبي ليمنحها تأشيرة المصداقية ( ما حاس بالمزود
غير اللي مضروب به) . في هذه الأجواء ، تناول مرزوق كتابا من الحجم المتوسط كي
ينسى زمن لحظته. طفق يتصفح أوراقه التي تنبعث منها رائحة الغمال. بها مضامين
نسجت بلغة فصيحة يستعصي فك رموزها اللغوية على القارئ غير المتمرس. سال لعاب
المعرفة عنده. لم يعبأ بما يجري هناك بالساحة مسرح تعليق النتائج التي لا تخلو
من مفاجآت تصل إلى حالات الإغماء. قال في نفسه "هذا المرجع في حاجة إلى باحث
متمرس و كفء يغوص في أعماقه" . أعجب بالمضمون وتولدت في ذهنيته رغبة الاستزادة
في التعلم. تعاهد معها إن توفرت له الظروف المواتية ليقومن بعملية تحقيقه و
دراسته وفق أحدث المناهج . فجأة، أحس أن الأمر سيظل عنده بعيد المنال . خبر
واقعه و محيطه و حسب ذلك ضربا من السراب و مسا من الجنون. نسي مرزوق نفسه التي
نقلته إلى أجواء حلم عميق . استفسره أحد الطلبة عن "تعلاق النتائج" . تحفظ على
الرد. تشنجت أعصابه بعدما تكرر الاستفسار . رد على المستفسر قائلا " أ الرفيق ،
ما المسؤول أعلم بها من السائل" . وضع الكتاب النفيس و حاول استعادة جو العزلة
و الانطواء التي خرقها الطالب الفضولي . عاد إلى عالمه الخاص و اكتشف أن
تخميناته ضرب من السراب . قال "الميزات ها هي والمنحة فين هي؟"
"لا، لا الميزة هي الميزة ولا بد أن يكون لها نوع من الفعالية" تنهد
" وهل تستوي السمينة بالعجفاء؟" قال. رغم التفاؤل ، حسب بطل الميزات نفسه فارسا
مغرورا بشجاعته. يحمل سيفا مسلولا سيكون سندا له في ساحة الوغى. على حين غرة،
تبدد غروره هذا تبدد سحابة صيف مصطدمة بريح السموم، اشتدت في يوم عاصف. انهار
جلمود الأمل عنده و انصهر تحت تأثير شدة حرارة اليأس التي أخذت ترتفع. "الحياة
مشوبة بالمكر والخداع" رأى. " مليئة بمن يظفرون بها دون ما حاجة إلى الشجاعة
الأدبية" استنتج. في خضم هذا الاضطراب و الاحتقان الناشئين عن أجواء التفاعل
بين الأمل و اليأس، ملت عيناه المغرورقتين تعبا من شدة المطالعة، الحملقة في
محيطه . أمامه، خلفه ، عن يمينه وعن شماله يخال وجوها منهكة. استولى عليها
الإعياء المستبد . الكل يتثاءب و يستفسر بعدما سيطر الاشمئزاز من طول انتظار
"التعلاق". لمح البعض و هم ينسحبون في اتجاه مطعم الحي الجامعي.
" واش النتائج تعلقوا ؟". استفسار تكرر إلى حد المبالغة. تطور التوتر الذي ألم
به . تضخم و تحول إلى يأس غزا كينونته .
فجأة ، سجلت حركة غير عادية داخل المكتبة و خارجها. تجمع نفر من الطلبة في
المكان المألوف. تضاعف العدد و شكل جمهرة لم يجد قربها موطئ قدم. لمح مرزوق
تدافعا بين الطلبة. تناهت إلى مسامعه أن النتائج التي أسدل الستار عنها، تعني
تخصصه و مستواه. ظل مرابطا في قلعة اليأس الحصينة. لم يتهافت هذه المرة نحو
اللوائح كما كان يفعل في الأولى، الثانية ثم الثالثة. تذكر تلك اللحظات من
التسابق من أجل الارتواء من وعاء التتويج. كان شغوفا بأن يكون في مقدمة
المطلعين. ظل حريصا على التتويج المشفوع بالميزة . الميزات كانت متحالفة معه و
تسعفه دائما . ارتوت عيون الطلبة من وعاء المفاجآت ، منهم من عاد إلى المكتبة
قصد تبادل عبارات التهنئة والبشاشة قد رسمت على محياهم آمالا وأحلاما . بصر
العناق الحار هنا و هناك وكأن ساحة الكلية تشهد عيدا جماعيا . ثم لمح هنالك
حالات من التذمر من الطراز الخطير، بكاء وعويل تتخلله عبارات المواساة وكأن
المشهد يوحي إلى لحظة زلزال عنيف. لم يجرأ مرزوق على الخروج إلى ساحة المبارزة
مع اللوائح المخفية المثبتة وراء شباك حديدي يقيها سخط الفاشلين و المتذمرين.
استبد به تردد شديد. كان ينسي نفسه في بعض اللحظات بتصفح الكتيب . رغب في أن
يؤجل يقين نجاحه إلى بعد حين . نظر إلى عقارب الساعة . أيقن أن وقت الزوال على
وشك الحلول. غادر مكانه على إيقاع خطى متثاقلة . مر بجانب اللوائح . توقف لحظة.
هم بالانصراف دون ما الاطلاع عليها . تشجع و جمع أنفاسه وكأنه على وشك الدخول
مع خصم كاسر في نزال خاسر. بدأ عملية الكشف على مضض. أسعفه الشباك المنيع في
تأجيل معرفة الحقيقة. ما هي إلا دقائق معدودة حتى تراجع مرزوق إلى الوراء. بدت
عليه علامات يصعب فك رموزها الإيحائية . أهي علامات الفرح بأربع ميزات متتالية
جاءت بعد جهد جهيد أم هو انسداد الآفاق أمامه . غادر المكان. برهة، لمحته إحدى
زميلاته . أسرعت إليه. ما إن دنت منه حتى قالت " نجحت بميزة حسن. عفريت أنت "
ثم هنأته على الاستحقاق . رد على عبارة التهنئة لكن في نبرة تحمل بين طياتها
سخرية مضمرة مكشوفة . بدت عليه علامات القرف من الحياة و نسي اللحظات المتميزة
التي كان يقضيها معها أثناء فترة الإعداد . تجاهلت موقفه و ما بدا على محيا ه
من شؤم و توجس من المستقبل . اسود وجهه و هو كظيم . توارى من سوء ما بشر به.
مدت جسر التواصل معه محاولة طمأنته و قالت في نبرة مضطربة " أنت نجيب يا مرزوق.
أنت اسم على مسمى. دال على مدلول. اسمك يحمل المعاني الكاملة ". حاولت استرجاع
الانسجام لكلامها الذي أصيب بتشتت. تسرب إليها يأس معدي ثم غزا كينونتها بعدما
حسبت نفسها في عداد المرشحين لمبارة ولوج المدرسة العليا للأساتذة. رغبة منها
في إخراج زميلها من حالة القرف ، قالت له :
" مرزوق، أمامنا مبارة ولوج المدرسة العليا . سنكون من الأوائل المقبولين
لاجتيازها".
ظل صامتا كصنم يناجيه من لا برهان عنده.
" الحاسوب مصنوع في اليابان لا يقبل الطرق الملتوية في الانتقاء. تمت برمجته
ليكون مع المتفوقين لأنه من اختراع أصحاب الميزات" قالت هي في جد و هزل.
كان يصغي إليها . يفكك كلامها تفكيكا در يدا .عقب الإفراغ من محاضرتها المليئة
بالأمل المفرط، قال لها :
" العلم ضاع لأن الإنسان جنوب المتوسط جعل منه مطية لتحقيق و إشباع نزواته
المادية الصرفة".
توج كلامه بانهمار دمعة من عينه اليمنى منفلتة من سد المقاومة الذي يوشك أن
ينهار ليخلف سيلا كإعصار. رسمت هذه الدمعة مسارا لها شبيها بتمثيل دالة جيب
التمام الدورية . استقرت لحظة على ذقنه الذي ارتوى منها ثم هوت في اتجاه شاقولي
تحت تأثير الجاذبية التي لا تقاوم. اعتذر على كونه مضطر للذهاب إلى غرفته قصد
حزم أمتعته. أضاف ليقنعها " يجب أن أسلم مفتاح الغرفة للإدارة". كان يبحث عن
تبريرات تقنع كل من يحاول خرق واختراق الصمت الذي وجد فيه ملاذه . ودع زميلته و
هو مشتاق إلى الإصغاء إلى وجوده في مكان ما، بعيدا عن مظاهر الأجواء الاحتفالية
المشوبة بمواقف نفسية لا تخلو من ترقب و حذر شديدين . هم بمغادرة كليته. طاف في
مختلف أرجائها و بدأ يلقي نظرة الوداع الأخيرة . رجع إلى المكتبة دون أن تصدر
منه أدنى عبارة مجاملة تجاه القيمين عليها. حالته زادت توترا. خرج منها وهو
يشيع لحظات المتعة و الاستزادة في العلم على إيقاع حسرة و ندم على الاستحقاق
الذي قد يكون مخادعا له . ود في لحظة ما أن يحرر طلب سحب الاعتراف بهذا
الاستحقاق ليوجهه إلى كتابة الشعبة. خالجته فكرة ذلك. لم ير فيه حلا مناسبا .
تمنى لو أن يوصد باب الكلية عندما يقترب منه كي يمدد فترة الإقامة برحابها. وهو
يتجه إلى ممر الخروج ، أحس بنوبات حادة .. ضيق شديد في قلبه المكلوم، شرود في
ذهنه، قشعريرة غزته غزو الموت للمحتضر بأزمة قلبية . ظن أن موكب جنازته الفكرية
قد دشنها الاستحقاق. طفقت ذهنيته تزمجر زمجرات يائسة . تخيل أن آلياته الذهنية
و مكتسباته المعرفية ستلف في كفن النسيان المظلم. أيقن انه ماسك لها في باقة
اليأس ليسلمها لتابوت النسيان، العد م و اللا جدوى مع تقادمها، ليكون مثواها
هناك في مكان ما قد يكون مسقط رأسه الذي سيعود إليه بخفي حنين. أحس انه كوفئ
مكافأ ة سينمار.
فجأة ، رن هاتفه بحشرجة و نغمة موسيقية لملحن مشهور(كان يا ما كان......) من
عادته أن يسمع بما يكفي هذه النغمة الشجية، لم يسرع للضغط على زر الإجابة.
تناول الهاتف بين أنامله ثم رد على المكالمة بعبارة مأثورة .
"ألو ألو م...ن...م...ن ...من ؟"
سمع صوت غير غريب عنه.
"أنا أستاذتك التي أشرفت على بحثك . أود بالمناسبة أن أهنك لقد نلت إجازتك بكل
استحقاق.أين أنت ..؟"
" أنا على وشك مغادرة الكلية ."
" انتظر عندي لك مفاجأة و مكافأة