
قصة بقلم :

رشا المالح*
عادت
مايا إلى عملها بعد ساعتين من بدء الدوام، لتجد أكواما من الرسائل على
مكتبها تنتظر قدومها بفارغ
الصبر. تحدث نفسها ( إذا فالزمن يجري .. ساعتان فقط ورغم ذلك أجد هذا الكم من
العمل .. كأن حركة الزمن مرهونة بالربح المادي دون سواه). جلست خلف طاولتها
وشغلت جهاز الكومبيوتر، ثم نهضت لتعد لنفسها كوبا من القهوة الخالية من أي طعم.
أتى مديرها (روجر) من مكتبه حاملا كوبه
الفارغ، فأخذته منه لتعد له قهوته أيضا. سألها :
- كيف سارت الأمور معك ؟
نظرت إليه وأرادت أن تفضي بما مرت به
ولكنها أحجمت في اللحظة الأخيرة إذ لم يغب عن بالها أن مديرها أوروبي
الجنسية وأنى له أن يستوعب مصاعب الإنسان الذي ينتمي إلى العالم الثالث.
قالت باختصار :
- لا بأس
- تبدين متوترة
ابتسمت وهزت كتفيها وكأن الأمر لا يعني
شيئا لها
غير أن روجر يتابع قائلا :
- جميع تلك الهيئات الدبلوماسية يحكمها
الروتين والبيروقراطية. أدرك تماما ما يمكن إن تعانيه، فأنا في كل مرة أذهب
أصطدم بتلك العقول الضيقة المغلقة على نفسها التي لا تعرف من العالم سوى
الوثائق والطوابع والأختام.
تشاغلت مايا في تحضير القهوة وأعطته
كوبه قبل أن تفضحها تعابير وجهها. وعندما عاد إلى مكتبه تنفست الصعداء ثم
أشعلت سيجارة وتناولت رشفة من القهوة وعادت إلى العمل. غير أنها كانت ترى
على شاشة الكومبيوتر نفسها جالسة قبالة المسؤول في مكتب مدقع في الإهمال
غارق في الغبار، والوجه قبالتها خال من أي تعبير إنساني. ترى نفسها ترتجف
في حضرته ووجهها شاحب رغم الهدوء الخارجي الذي أحاطت نفسها به وتجنبها لكل
ما يمكن أن يظهر من أنوثتها.
عندما قدمت له الوثيقة وبينت طلبها في
تجديد صلاحيتها، خيم صمت ثقيل تعمد المسؤول إطالته. تتساءل (ترى لماذا تشعر
بجو من العدائية .. وكأنها متهمة تنتظر مرافعة المدعي العام الذي يعتمد
بمرافعته على المزاجية الخاصة بغض النظر عن الهدف من المرافعة). كان يتصفح
أوراق الوثيقة، وكأن كل صفحة تتضمن جغرافية أمكنة عليه أن يدرسها. ثم توقف
أمام الصفحة التي كتب فيها الحالة الاجتماعية : مطلقة، أحست بأنه عثر على
ضالته.. نظر إليها نظرات ريبة وشك وابتسامة واسعة ارتسمت على وجهه للمرة
الأولى.. هاهو يلتقط دليلا على إدانتها.
أسئلة عديدة وجهها إليها لا تمت من بعيد
ولا من قريب إلى ما تتطلبه منه مهنته. وعليها أن تجيب بما يدحض الظنون ..
عليها أن تبرر وجودها بمفردها في بلد آخر .. نجحت في تجاوز الامتحان الأول.
بينت له أنها تعمل وعائلتها تعيش في هذه البلدة أيضا. تنفست الصعداء
حينما اتخذت أسئلته منحا آخر عن سفرها بمفردها إلى بلدان أخرى.
ساعة ونصف وهي تجلس في ذلك المكان الأشبه
ببيت الأشباح تدافع عن نفسها. وحينما انتهت وواجهت الشمس مرة أخرى لم تتذمر
من حرارتها كالمعتاد . ركبت سيارتها إلى المكتب وهي غارقة في أفكارها (ألم
يكن ذلك هاجسي الدائم في البحث عن معنى الحرية .. ها أنا أتلمس أبعاد حريتي
دون حاجة إلى التبحر في الكتب ونظريات الفلاسفة).
أغرقت نفسها في العمل واستطاعت أن تنسى
وجودها إلى أن رن الهاتف ، وحينما رفعت السماعة أجابت بآلية حتى أتاها صوته
.. استنفرت مشاعرها دفعة واحدة وسرت في جسدها قشعريرة .. انه هو .. زوجها
السابق وليد ( ترى ما الذي يريده .. أية مفاجآت يخبئها لها هذا اليوم
أيضا).
بدا بمقدمة اعتادتها قبل أن يدلي بالخبر
الأساسي الذي كانت تتلقاه دوما كالفاجعة، سيما وأن الأمر يتعلق دوما
بولديها فراس وسمر، وبالأخص فراس الذي دخل مرحلة المراهقة. وبينما كان وليد
يتحدث ويتحدث كانت مايا تتساءل ( ترى لم كلما سمعت صوته أشعر بالقلق أو
بالأحرى الخوف .. كم يتلف صوته أعصابي) قاطعته قائلة :
- أرجو أن تخبرني إن كان الأولاد بخير فلدي
ضغط في العمل ولا يمكنني التحدث طويلا.
- أني آسف لإخبارك بأن ابنك فراس قد أثار
مشكلة جديدة ولا أدري ماذا أفعل بهذا الولد، لقد جربت معه كافة وسائل
التربية الحديثة والقديمة من دون جدوى.
أرادت أن تقول له بأن ما يحتاج إليه فراس
وسمر أيضا هو تواجده معهما واهتمامه بهما وبأن دورها لم يعد كافيا بالنسبة
لفراس. ولكن ما الجدوى وقد سبق وناقشت معه هذا الأمر وكانت تصطدم دوما
بقناعته بأن الوالد ليس بناطور ليحرس أبناءه، ليبدأ بعدها قصة
انشغاله الدائم في تحصيل نفقاتهم على الرغم من أنها تدرك تماما بأنه كأي
رجل شرقي يجعل من العمل ستارا لحياته الأخرى خلف الكواليس.
تقاطعه مرة أخرى وقد نفذ صبرها :
- ما الأمر ما الذي حدث
- ساعتي الذهبية فقدت هذا الصباح.
- ….
- آلو
- أسمعك
- بالطبع ابنك فراس ومن غيره .. وضعتها لدى
عودتي مساء وفي الصباح لم أجدها!!
لزمت مايا الصمت أو بالأحرى كانت ذاكرتها
تعيدها إلى طفولتها وأحداث مشابهة معها. حينما كان يسيطر عليها
حلم شراء سندويشة اللحم اللذيذة من كافتيريا المدرسة. مازالت تذكر طعمها
إلى الآن.. لم تكن تستطيع مقاومة رغبتها في شرائها أو في شراء "البوظة"
المحشوة بالفستق والمغطاة بالشوكولاته من العربة التي كانت تقف كل يوم
بجوار المدرسة. مرحلة مرت بها إلى أن أدركت معاني جديدة في الحياة لم تكن
تستوعبها في حينها ومنها الأمانة. لم يكن والداها يعطيان أمر المصروف أهمية
كبرى، سيما وأنها كانت في مدرسة خاصة بأبناء الطبقة الثرية. لم تكن حينها
تستوعب أن هناك فارقا بين الأغنياء والطبقة الوسطى، كانت ما تعرفه أنها تحب
جدا ذلك الخبز الإفرنجي الطويل وطعم اللحم مع المخلل.. رغبة قوية كانت
تدفعها بين الحين والآخر للتسلل إلى غرفة نوم والديها في الصباح واختلاس
ربع أو نصف ليرة لشراء ما بنفسها أسوة بزميلاتها.
هاهو فراس يمر الآن بالمرحلة ذاتها. وما
أقدم على فعله ليس معيارا لفساد أخلاقه كما يراها والده. أحست أن عليها أن
تتحدث طويلا مع ولدها في هذا الأمر.. والأمر لا يصل إلى حد الفاجعة ..
عليها أن تكون قريبة أكثر من اهتمامات فراس وأفكاره واحتياجاته.
وأخيرا حينما انتهى وليد من كلامه عادت
مايا إلى الحاضر وقالت له بهدوء:
- سأتحدث مع فراس وأتبين جلية الأمر
- ليست تلك هي المشكلة الأساسية التي أود
الحديث عنها ..
الهاتف يرن من جديد، تضع خط وليد على
الانتظار، تجيب مكالمة أخرى تحولها إلى المدير .. تسترد أنفاسها وتعود
إليه.
- لقد ذهبت هذا الصباح لشراء بعض احتياجات
المنزل ولدى عودتي، استوقفني أحد الجيران وأخبرني إن كان لدي ابن شاب ثم
ذكر اسم فراس. وحينما علم بأنني والده، أخبرني بأن ابنته التي تبلغ من
العمر الثانية عشرة عاما قد تعرضت إلى المعاكسة من أحد شبان المبنى الذي
نسكنه، وقد علم من الحارس بأن ابني تنطبق عليه مواصفات ذلك الفتى كما
ذكر بأن له شامة على خده الأيسر.
قاطعته مايا بانفعال :
- هذا يعني بأنه ليس فراس
أجابها وليد بفتور وهو يتابع تصعيده
الدرامي للحدث :
- قلت له ذلك غير أنني لست متأكدا، فربما
تلك الحسنة مجرد دمل في وجه فراس .. وقد وعدت والد الفتاة أن يترك لي
الموضوع بضعة أيام استدرج فيها فراس وسأعود إليه بعد ذلك.
كان الهاتف يرن ويرن دون أن تعي ما الذي
يدور حولها، ثم بدأت تتحدث من خلال أمومتها من دون أي اعتبار آخر :
- ولم تنتظر بضعة أيام .. لم لا تتحدث مع
فراس فور عودته من المدرسة .. كيف يمكنك احتمال هذا الغموض .. كيف يمكن أن
تضع ولدنا في دائرة الاتهام عدة أيام من دون أن تسعى لمعرفة الحقيقة ..
عليك أن تواجهه حال عودته أو سأتولى الأمر بنفسي .. هل تظنني سأتمكن من
العمل وممارسة حياتي بصورة عادية لأيام عدة حتى تتضح الأمور.
وأخيرا انتهت المحادثة بينهما . أعادت
سماعة الهاتف إلى مكانها وهي ذاهلة. جاءها مديرها وسألها:
- هل هوالـ
ex-husband
(زوجك السابق) من جديد
هزت رأسها بالإيجاب
- مشكلة جديدة
- نعم
سألها روجر بانفعال:
- ما الذي يجبرك على احتماله انهم أولاده
أيضا .. أنت تقومين بدورك ودوره معا.. دعيه يتحمل المسؤولية وحده
لمرة واحدة .. لقنيه درسا دعيه يستوعب مسؤوليته
حينها رفعت مايا رأسها وقالت له
- وأولادي .. انفصالنا لا يلغي مسؤوليتي
وارتباطي بأولادي
- أولادك نعم .. لكنه يدمرك ببطء .. أنت لا
تعيشين حياة عادية .. لماذا أنت التي تتولى دوما مسؤوليتهم.. لم لا تشتكي
عليه في القضاء.
- لا فائدة .. سأضع نفسي في مأزق صعب..
وأنا عاجزة بدخلي عن تسديد مصاريفهم وتلبية احتياجاتهم الأساسية ..
سيلومونني على ذلك
- لكن هناك نفقة
- سيحكمون لي بقطرة من بحر .. المحاكم
والمحامين سيجعلوننا أعداء .. وماذا أفعل إن لم يدفع النفقة أو يسدد
التزاماته تحديا لي؟ هل سأقبل كأم أن أسجن والد أبنائي بسبب المال!!
- وأنت أليس لوجودك وصحتك أهمية ؟
- روجر .. في مجتمعاتكم الأمر مختلف ومصلحة
الأولاد لها الأولوية .. أما هنا فما زال أمامنا سنوات طويلة من المعاناة .
قالت ذلك ثم خرجت من المكتب لإنهاء الحوار
و لتتمكن من السيطرة على نفسها.
حينما شارفت الساعة على الواحدة والنصف،
اسـتأذنت من مديرها وغادرت المكتب مسرعة. في الطريق كانت تقود سيارتها
وعقلها مستغرق في البحث عن أفضل وسيلة لحل هذه المشكلة. الإشارة حمراء تقف
في اللحظة الأخيرة تبتسم لنفسها بسخرية .. كم كان سهلا عليها أن تواجه أية
مشكلة تتعلق بها دون خوف أو تردد .. ولكن عندما يتعلق الأمر بابنها فهي
عاجزة عن محاربة ذلك الرعب وتلك الهواجس التي تتنامى في خيالها باطراد. أي
موقف يتعرض له فراس يجعلها عاجزة عن التركيز أو عن ممارسة حياتها
واهتماماتها بصورة طبيعية.
وعندما وصلت كانت قد رتبت أفكارها. اتجهت
في البداية إلى غرفة الحارس الذي لم يكن موجودا وبعد البحث عثرت عليه في
مكتب المسؤول عن البناء خلف المبنى. أدركت على الفور من تقطيبة حاجبي
المسؤول بأنه على دراية بالأمر. فسألته دون مقدمات عن رقم الشقة التي
تسكنها عائلة الفتاة. أعطاها المعلومات ولكن بعد أن ألقى على مسامعها
محاضرة عن القيم والتقاليد التي تحرص عليها العائلات المقيمة في المبنى ولم
يغفل أن يؤكد حرصه الشديد على أخلاقيات المقيمين في المبنى المسؤول عنه كما
لم يكن يخلو كلامه من التلميح إلى أن الأسرة المفككة لا يمكن إلا أن يكون
مصير أولادها الضياع والانحراف.. وكأنها هي المسؤولة أولا وأخيرا.
استجمعت قوتها وحاولت أن تغادر دون أن
يفارقها كبرياؤها أو يغيب عن بالها بأن ذلك المسؤول من يدعي الأخلاق
والفضيلة هو من كانت تراه على الدوام ولعدة سنوات خلت قبل انفصالها، بصحبة
نساء من الجالية الآسيوية فهو تارة خارجا من المصعد إلى الغرفة فوق السطح
وامرأة تتبعه أو نازلا منها وأمامه امرأة أخرى .. هاهو الآن ينصب نفسه
محاميا عن الأخلاق. كان عليها أن تسمع وتصمت وتكبت غضبها.
خرجت من مكتبه بحيرة أكبر، وتساءلت(ترى كيف
أطالب فراس بالالتزام وعدم الانقياد لمتع الحياة الزائفة، كيف يمكنني أن
أنجح في إقناعه وهو في مرحلة اكتشاف المحيط من حوله في مجتمع تحكمه شريعة
اللاشريعة . أي مثال يمكن أن يقتدي به.. لم أعد ذلك الرمز الذي ينشده فهو
يبحث عن صورة مثالية له في الرجل .. أين هو ذلك المثال وكل من حوله يلهث
خلف المادة واقتناص الفرص بعشوائية كوسيلة لا ثبات الرجولة .. ربما كانت
تلك ضريبة الغربة التي علي أن أدفعها .. ليس من قريب يهمه أمرنا ليس من
رقيب يخشاه الآخرون ويحرصون على سمعتهم أمامه تلك هي حريتهم .. بالتأكيد لن
يخطر في بالهم بأن أولادهم يعلمون رغم براءتهم بما يدور حولهم مهما حاولوا
إخفاء ازدواجيتهم عنهم).
وصلت المنزل ورنت الجرس. فتح فراس الباب
ودهش لقدوم والدته قبل انتهاء عملها واندفعت سمر نحوها ورمت بنفسها في
أحضانها. ضمتها مايا وقبلتها بحب يكبر يوما بعد يوم و قالت لها وهي تداعبها
:
- سأذهب مع فراس لدقائق ونعود
- بابا نائم بإمكانك الدخول
- بعد عودتي أنا وفراس سنذهب جميعا في
مشوار إلى الحديقة .. كوني مستعدة وقولي لدراجتك أن تأتي معنا.
انتحت مايا بفراس جانبا وتطرقت إلى
الموضوع مباشرة. وبعد أن روت له تفاصيل قصة الفتاة ووالدها، طلبت منه
وبهدوء إيضاحا لذلك. وقبل أن يجيبها أكدت له بأنها ستساعده إن كان له أية
علاقة بما قيل على أن يكون صريحا وصادقا معها. كانت على الرغم منها وهي
تروي له ما حدث تراقب بغريزتها تعابير وجهه بتركيز شديد، علها بغريزتها
تستنبط الحقيقة من عينيه ورفيف جفنيه.
نظر إليها فراس وضحك ثم قال:
- هل تصدقين بأنني يمكن أن أعاكس طفلة
الجيران .. أنت تعرفيني جيدا .. ولدي العديد من الصديقات والزميلات .. وأنت
أدرى بإيمان جارتنا وكيف تطاردني وتعلمين موقفي منها فكيف أشاكس طفلة
صغيرة !!
- عليك أن لا تخفي عني الحقيقة فنحن سنذهب
الآن لزيارة عائلة الفتاة ونؤكد لهم بأنك لست أنت هذا الفتى وابنتهم عندما
تراك ستحكم بنفسها
- ماما أرجوك أنا لست طفلا ، سأذهب معك
توقفا أمام الشقة ورنت الجرس. فتح لها
الباب رجل عركته وربما حملته من أعبائها الكثير. كانت الطيبة هي السمة
الغالبة على ملامحه. قدمت نفسها وابنها ثم شرحت له سبب الزيارة ، فدعاهما
للدخول إلى بيت مغرق في التواضع الأقرب إلى الفقر في أثاثه المتهالك وان
كان ينم عن دفء وأصالة عائلة تتعايش مع تحديات جنون الغلاء.
كسرت مايا الصمت في محاولة لإزالة أي شعور
بالحرج من قبل الوالد وقالت له :
- إن الدافع لزيارتنا هو حرصنا على ابنتك
التي يمكن أن تكون ابنة أي منا.. وما يمكن أن تتعرض له يمسنا جميعا، وخوفك
عليها هو خوف الجميع على أبنائه، وإصرارنا على القدوم هو تأكيد لذلك. هاهو
فراس ابني جالس أمامك.. أرجو أن تدعو ابنتك لتراه بنفسها وان كان هو سبب
الإزعاج فله حساب عسير.
وتحدث الوالد مؤكدا بان الأوصاف التي
ذكرتها ابنته لا تنطبق على فراس. حينها، أدارت مايا حوارا عاما حول القيم
الإنسانية التي تود غرسها في فراس بصورة غير مباشرة، غير أنها أحست بعد
لحظات بأنها هي الأخرى بدأت تلقي محاضرة مما جعلها تختصر في
كلامها. كانت تدرك بأنها تخوض حربا باردة في مواجهة ذلك التشتت الذي يعيشه
مجتمعها وتلك الازدواجية التي يظن أصحابها بأنه لا يمكن للأطفال اكتشافها
.. كم تعلمت وتتعلم الكثير من طفليها.
حينما خرجا أحست بأن الجزء المهم من المهمة
قد تم إنجازه. وحينما أراد فراس أن يعود إلى المنزل قالت له:
- مازال أمامنا زيارة أخرى لرد الاعتبار
ارتسمت تعابير الاحتجاج على وجه فراس، غير
أنها لم تدع له فرصة للكلام. دخلا مكتب المسؤول ودون أية مقدمات جلست قبالة
مكتبه وجلس ابنها في الكرسي المقابل لكرسيها. وقالت له :
- لقد التقيت بوالد الفتاة بصحبة ابني وقد
أكد بأن فراس لا تنطبق عليه الأوصاف التي ذكرتها ابنته، ربما عليكم التأكد
من شبان العائلات الأخرى المقيمة في مبناكم.
عادا إلى المنزل ومايا تتأبط ذراع ابنها
وهي تتمنى في أعماقها أن يكون ابنها ذلك الرجل الذي سينجح مع أبناء جيله في
المستقبل في تجاوز تلك الازدواجية التي مازالت راسخة في أبناء جيلها.
كانت سمر تنتظرهما بفارغ الصبر وحينما
وقفوا جميعا بانتظار المصعد سألت سمر والدتها :
- ماما ماذا تعني كلمة "جيرل فرند
girlfriend"
استنجدت مايا بفراس الذي تبرع بإعطائها
إجابة تناسب عمرها بسهولة أدهشتها.
وأخذتهما إلى إحدى الحدائق حيث ستتاح لها
الفرصة للتحدث مع فراس بينما تنشغل سمر بقيادة دراجتها. وحينما جلسا على
أحد المقاعد أحست مايا بالإرهاق وبرغبة شديدة في النوم إلا أنها شحذت نفسها
بقوة جديدة فمشاريع المشاعر والأحاسيس مؤجلة حتى انتهائها من مهمتها.
عندما انتهى فراس من مساعدة سمر على ركوبها
الدراجة واتجه للجلوس بجانبها ، أحسـت بالإشفاق الشديد عليه فقد أضحى
على الدوام في قفص الاتهام. وكأنه قد بدأ يأخذ دورها بعد انفصالها عن وليد
كانت حائرة خائفة من أن تكون تلك الفكرة صحيحة وبأن فراس سيلعب رغما عنه
دور المتهم أمام وليد وسيمر بنفس المعاناة التي مرت بها.. ولكن هل يمكن
ذلك.. هل يمكن أن تكون الشخصية هي العامل المشترك سواء كان الطرف الآخر
الزوجة أو الابن أو أي إنسان ضعيف في المقابل !! أفزعتها تلك الفكرة فصحتها
تعني تغيير جذري في الوضع الحالي، غير أنها طردت هواجسها من ذهنها إلى حين
لتتابع مهمتها في الوقت الحاضر .
بدأت حوارها معه قائلة:
- أنا عاتبة عليك جدا
- ألم تتأكدي أنه ليس لي علاقة بما حدث
- بلى، ولكن لماذا أخذت هذا الصباح ساعة
والدك الذهبية .. إذا كنت بحاجة إلى نقود لماذا لم تطلبها منه أو مني
- هذا غير صحيح أنا لم آخذ منه شيئا
- فراس أرجوك أن تكون صادقا معي.. هل أنت
متورط مع أحد .. ما الذي دفعك لأخذها
- ماما .. أنت تعلمين أنني أتحاشى والدي
وأتجنب أي حوار معه .. ولا أريد منه شيئا، ولم آخذ ساعته !
- أنا لا أتهمك ولكنني أريد أن تكون أكثر
حزما مع نفسك في مثل هذه الأمور .. فذلك يسيء إليك دون أن تعي أبعاد تصرفك
- ماما .. يكفي، أنت لا تصدقيني
- ولكن والدك متأكد بأن الساعة قد فقدت في
الصباح. أريدك أن لا تترد في طلب ما تحتاجه مني، ولا تنسى ذلك أبدا..
ولا تتردد حينما تقع في أية مشكلة مهما كان نوعها من اللجوء إلي وأنا
سأساعدك في حلها وتجاوزها فأنت جزء مني .. يريحني كثيرا أن تبقى صريحا معي
على الدوام ، فأنا أم والأم تحب أبناءها هكذا دون أحكام أو شروط..
- لكنني لم آخذ منه شيئا
أحست مايا بالحيرة غير أنها وصلت إلى قناعة
بأن عليها أن تقف عند هذا الحد معه. أتت إليها سمر وسألتها:
- ماما هل سننام عندك الليلة غدا عطلة
- إن كنت تريدين
- نعم .. فراس .. فراس سننام عند ماما
اليوم
- ماما، لماذا تتحدثين مع فراس أكثر مني
- لأنه يكبر بسرعة الآن
- وأنا أكبر بسرعة أيضا .. هل عندما أصبح
طويلة مثله ستتحدثين معي طويلا
- نعم وربما أكثر
كان وليد قد غادر المنزل حينما عادوا.
ساعدتهم مايا في أخذ ما يحتاجونه ليوم العطلة. كانت سمر كعادتها تحاول أن
تستأثر باهتمامها ولفت انتباهها مما جعلها طفلة عصبية كثيرة الحركة، غير
أنها حينما نامت إلى جانب والدتها حرصت على أن تضمها بذراعيها الصغيرتين
وتربت على كتفها تماما كما كانت أمها تضمها وهي طفلة رضيعة مما أشعر مايا
بعاطفة عميقة تغمرها وتزيل عنها إرهاق اليوم .
كان صباح يوم الجمعة متعة حقيقية لهم
جمعيا، ورغم أنها كانت تشعر بالتعب وبحاجة ماسة للاختلاء بنفسها إلا أن
اجتماعهم كان يضفي عليها البهجة والاطمئنان حيث بإمكانها إن تهمل الهاتف
تماما.. حتى أنها سحبت السلك من دون تردد. وفي المساء عادت بهما إلى
المنزل. فتح لهم الباب وليد .. لا تدري كيف ومض في ذاكرتها حينما رأته
أمامها أحد الأمثال الشعبية التي كانت ترددها جدتها (آنت ابني طول ما أمك
بحضني).
قال لها وليد بعد دخول الأولاد:
- هل تحدثت مع فراس
- نعم ( وسردت له ما جرى بشأن العائلة
بالتفصيل)
- ولماذا لم تخبريني بذلك بالأمس كي أطمئن
- كنت نائما حينما عدنا
- كان بإمكانك الاتصال بي في عملي
(وتساءلت لم لا يتصل بها إن كان شديد
القلق)
- هل تحدثت معه بشأن الساعة
- نعم وقد أكد لي بأنه لم يأخذها
- وهل صدقتيه (ابتسم ساخرا)
- سألت سمر فربما أخذتها لتلعب بها أو ..
سأتحدث معه في وقت آخر.
غادرت مايا وهي تود أن تختفي من الوجود. في
الطريق كانت تقود سيارتها بصورة آلية وبين الحين والآخر كانت تمسح بيدها
دمعة غاضبة تحاول التسلل من إحدى مقلتيها. كانت غارقة في تساؤلاتها (أية
حرية هذه .. كيف يمكن أن أدعي بأنني إنسانة حرة .. كيف أكون حرة وأنا أجبر
نفسي دوما على التزام الصمت حينما لا بد من الكلام .. الصمت ليس كالذهب بل
كالشوك يؤلم وخزه) تتابع الاسترسال مع أفكارها ( ربما إن رحلت إلى بلد آخر
يحقق للإنسان وجوده الإنساني أحصل على حريتي .. لو لم أكن أما لنفذت قراري
دون تردد .. ولكن هل سأضمن حريتي .. وما الذي سيحدث حينما أحتاج لتجديد
وثيقتي ؟ سأدرك من جديد أنني مازلت ضعيفة بل عاجزة .. هل سأشعر بحريتي إن
رحلت إلى العالم الأول .. يكفي أن ينظروا إلي بدونية حتى أفقد إيماني
بحريتي .. وان تجاوزت ذلك أيضا .. ماذا أفعل بحنيني لطفولتي .. كيف سأخمد
انتمائي الداخلي للغتي وشعبي وذاكرتي هل سأنسفهما أيضا .. أنا لست حرة ..
ولن أكون حرة .. لا يمكن ذلك .. ماذا يعني كل ما أقدمت عليه في حياتي وحتى
الآن إن لم أكن حرة .. أين الأمل إذا .. هل كنت أنقاد لوهم كبير .. علي أن
أفكر بحكمة أكثر ودون انفعال)
حينما وصلت إلى بيتها.. كان حلمها الأوحد
أن تلقي بنفسها على السرير، غير أنها لاحظت بأن ضوء جهاز تسجيل الهاتف يومض
تتساءل ( ترى من الذي اتصل هذه المرة) وضغطت بجرأة على الجهاز وهي واثقة
بأنه لا يمكن أن يكون وليد أو أولادها فهي بالكاد غادرتهم.
- ماما .. ماما .. وجدت الساعة
اكتفت بما سمعت وأوقفت شريط التسجيل واتصلت
بوليد. أجابتها سمر على الخط الآخر:
- لقد وجدتها بنفسي رأيت شيئا يلمع بين
الكنبة والطاولة .. وحينما حركت الطاولة سقطت على الأرض...
- شاطرة .. برافو سمر
- ماما ناتاشا عندنا سأناديها
لتتحدثي معها
- فيما بعد أريد أولا التحدث مع بابا
- آلو
- مرحبا وليد سمر أخبرتني أنكم عثرتم على
الساعة
- نعم
- إذا فراس غير مذنب
- ما الذي يؤكد .. ربما أعطاها لسمر واتفق
معها كي تضعها في ذلك المكان ..!؟
==========================
*رشا
المالح
- سوريه/الإماراتٍ