
قصة
جبران الشداني
كنت
أمر على تلك الكنيسة مرتين في اليوم ،مرة حين ادخل زقاق
الحشاشين صباحا ، و مرة حين اخرج منه مساء .. لم يحدث يوما أن وجدت ساحة (
لا
كاتدرال ) خالية .. حتى خلال صباحات شهر فبراير حيث تنخفض درجة الحرارة
أحيانا إلى
تسعة تحت الصفر.. فقد كنت أجد ذلك العجوز الياباني أمام لوحته غير المكتملة
و
أصباغه الرمادية الكثيرة ، و أصابعه الدقيقة التي لا تتوقف ،إلا لتشعل نصف
سيجارة
،يسحبها في العادة من الجيب الخلفي الأيسر للجينز . كان يدخن فقط في فبراير
..و
يصاحب - ايلويسا - في نفس الشهر..
و ايلويسا مومس عمومية كما اخبرني رفائيل
بانع الجواهر في كايي ارميتا
....لكني
لا اعتقد بأن للأمر أية علاقة بالجنس..و إنما
بالسحر..مثلما هو الحال مع - أوكيتا - الذي ظل بعيدا عن بلده ،يرسم الكنيسة
خلال كل
هذه السنوات دون ان يكمل ابدا لوحته
..
كنت احلم دائما بان أتوقف ذات مرة
لاختلس النظر من خلف ظهره لهذه اللوحة المستحيلة ، وربما تكلمت معه
قليلا.ليسر لي
بحكايته ..خصوصا ان الكنيسة كانت في الحقيقة باردة و بشعة ..و اشبه بكتلة
عملاقة من
الاسمنت الرمادي بلا أبواب و بلا نوافذ
..
خلال فبراير إذن يكتري- أوكيتا - بيتا
صغيرا، تتقاسمه طالبتان مغربيتان ..انه بيت أنيق ، رتب أثاثه بعناية
باستثناء
الأحذية القذرة التي تجمعت في الشرفة الشرقية، والتي أخفيت هناك لأنها
رجالية ،
تذهب الفتاتان للنوم عند صديقيهما ، تاركتين في الغالب ثيابهما.. و و القط
الصغير-
بيكي - لمدة ثلاثين يوما، وأول ما يفعله الرجل هو جمع فراش البيت و وضعه في
مكان ما
,
بل انه يخلي الغرفة المجاورة للباب من كل أثاثها ، ويرميه فوق الأحذية ، ثم
ينشر
عدة الرسم في كل مكان ..و يوصد عليه الباب ،ثم يفتح النافذة و يتأمل
الكنيسة..
تظل صاحبته في الغرفة الأخرى ..مع القط - بيكي - و هذا هو كل شيء
.
.........
أفكر بأن - أوكيتا – كان دائما في حاجة الى شخص يمر خلفه و هو
يرسم ..أو إلى عاهرة يمكن ان تتلصص النظر الى لوحته رغم كل احتياطاته
..لأنه فقط
يرسم كي لا ينهي لوحاته ..و كي يخفيها عن الآخرين..
لا احد في غرناطة رأى ما
رسمه..و لا احد يعرف لماذا يجب أن تكون اللوحة في غرفة مغلقة و المرأة في
غرفة أخرى
مفتوحة....
تعقيب
أخي المبدع
جبران الشداني
أعرف شخصا مستمرا بكتابة رواية
ابتدأها منذ خمس سنوات و حتى الساعة لم ينجزها ،مساء كل يوم ، يتوجه إلى
غرفته
مغلقا خلفه بابها ، و يجلس خلف الحاسوب ساعات طويلة ، يطبع و يطبع ، دون أن
يرى ما
انتجه النور..و هكذا هو بطل قصتك
..
"و
لله في خلقه شؤون
..."
*****
القصة سلسة الأسلوب و مشوقة حتى
الحرف الأخير و لا تخلو من لقطات خلفية تصويرية
متقنة
أخي
الكريم
لقد أفضت و أجدت ، سلم يراعك و دمت
مبدعا متألقا
نزار