



نعم
، هذا تحذير صحي بالفعل، فبعد المطبّات النفسية شديدة الوعورة
والخطورة التي تقاذفتني وتجاذبتني بالأمس، بتّ أحس بضرورة أن نحصل
على إرشادات صحية عند قراءة بعض الكتب، شيءٌ على شاكلة :
- قراءة رامبو ستجعل روحك تورق بجراحاتها ببهاء.
- قصائد السياب سبب رئيس للإحساس القارس باليتم.
- لا تقرأ سقط الزند للمعرّي، واغتصاب كان وأخواتها لمحمد الماغوط
في ليلة واحدة!
وهذا هو ما فعلتهُ أنا - بكثيرٍ من التهوّر - بدون
أن أفكر للحظة بما يمكن أن ينتج عن تفاعل هذين المركّبين المعقدّين
من أعراض جانبية خطيرة: (الاكتئاب أنموذجاً ) أو ( الوقوع في
غيبوبة فكرية ) أو (الموت بجرعة ذعر زائدة).
استيقظت اليوم وأنا أشعر بأنني " مش على بعضي "
وكلما أردتُ أن أطلق تحية الصباحِ، على أحدٍ ما .. وجدتني أردد:
غير مجدٍ في ملّتي واعتقادي .. وأتساءل عن معنى وجودي في هذا
العالم، وعن معنى وجود العالم كله فيّ، حتى صرتُ أرعب عمال النظافة
في الشوارع وأنا أرتل: سر، إن استطعت، في الهواء رويداً .. لا
اختيالاً على رفاتِ العبادِ! وفيم أنا أذرعُ الطريق الطويل إلى
سيارتي سمعتُ الأرض تئن تحت قدميّ: خفّف الوطء .. ما أظن أديم
الأرض إلا من هذه الأجسادِ! وفيمَ أنا متورطة بهذا الوعي المفرط
بحقيقة أننا نمشي " على رفات العباد " و على أجساد الأجدادِ وأن ..
اللحد قد صار لحداً مراراً، وأن الكرة الأرضية هي محض مقبرة ضخمة،
فيم أنا أدركُ تلك الفجيعة الكونية التي لا تطيقها الافتراضات
الساذجة لذهنيتي التي تطالب بعالم من السكاكر والغيوم، أقولُ فيم
أنا أعيش أقسى وأقصى حالات إدراكي لفناء وبطلان العالم .. بوغتّ
باشتباك كلمات الماغوط مع أبيات المعرّي في جغرافيا وعرة وملتبسة
وخصبة لفرط قدرة كلمات الشاعرين على التواشج والتزاوج حتى لكأن
أحدهما يؤكد حضور الآخر ويكثفه.
المعرّي من مواليد 973م والماغوط من مواليد 1934 ..
ولكن هذا الفاصل الزمني المكون من 961 سنة لا معنى له، أؤكد لكم!
أنا فأرة التجارب التي تهورت بسذاجة مفرطة لكي تقرأ الاثنين في
ليلةٍ واحدة، وظلت طوال الليلِ تتقلب على الأسئلة، الأسئلة الكاوية
كالأسيد! أسئلة الماغوط وأسئلة المعرّي التي تفاعلت مع بعضها البعض
حتى تماهت الفوارق بين الشاعرين..
بين مقولة الماغوط: " الفرح مؤجل كالثأر من جيل إلى جيل، وعلينا
قبل أن نحاضر في الفرح، أن نعرف كيف نتهجأ الحزن " وبين أبيات
المعرّي: " وشبيهٌ صوت النعي إذا ما قيس بصوت البشيرِ في كل نادِ!
" ، ثم عوداً إلى الماغوط: " أنا إنسان محاط بالرعب، خائف من
الإرهاب، خائف من المستقبل .. " وانتهاءً بالمعرّي: " تعبٌ كلها
الحياة فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازديادِ!" .. وهكذا كنتُ " دُولة
" بين الفضاءين، بين شاعر الموت وشاعر الخوف وما بينهما من.
بين عدمية المعرّي وذعر الماغوط، بين الإدراك لفناء
العالم والوعي بقبحه، بين هذا وذاك .. أعتقد ما زلتُ بأن قراءة
الاثنين معاً يشبه تناول عقارين قابلين للتفاعل لحد التحوّل إلى
سم. الأهم، أنني عرفتُ بالأمس كم يمكن لمذاق السم أن يكون حلوًا
أحياناً ..

بثينة العيسى
-
الكويت