
أقصوصة
هنادي زحلوط
القصة السورية
عندما ولد زغردت النساء و تمتمت والدته المتعبة ( الحمد لله , خلقة كاملة ),دون
أن يلتفت أحد إلى بكائه المتواصل !
في يومه المدرسي الأول وقف بين زملائه في رتل طويل يتقدم ببطء , كانوا يستأصلون
دماغ التلميذ قبل دخوله الصف , سأل
- لماذا ؟
أجابه الأستاذ الواقف بجواره
-لأن استعمالك لدماغك سيؤدي لإلحاق الأذى بباقي أعضاء جسدك , ولكن لا تقلق يا
بني , سنحشو رأسك بما ينفعك في حياتك .
ووضع الأستاذ يده على رأس الطفل مداعبا دماغه الذي سيرمى بعد قليل في سلة
المهملات !
مهرجانات كثيرة وخطابات عصماء شهدها خلال دراسته , كان يتوجب عليه أن يصفق دوما
وبشكل حاد ومتواصل , لكن يديه الهزيلتين لم تحتملا فسقطتا أرضا من شدة الإعياء
اثر إحدى نوبات التصفيق !
بحث كثيرا عن عمل بعد أن أنهى دراسته , وأخيرا حالفه الحظ في إحدى شركات القطاع
العام حيث كانوا يطلبون أمينا للمستودع , كان ضمن شروط القبول ألا يكون لدى
المتقدم لسان أو عينان أو أذنان , صرخت معدته به فألقى بحواسه جانبا و أسرع
ليكمل الأوراق المطلوبة !
بعد أن تزوج ضاقت به الحال وهزل أطفاله فقرر التبرع بكليته , أحس بعد خروجه من
المستشفى فراغا مخيفا داخله , استقصى الأمر فاكتشف أن الدكتور قد استأصل جميع
أحشائه وأرسلها للمختبر ليحددوا له أيّها الكلية بعد تحليلها نسيجيا !
خرج إلى الشارع وكل قطرة في دمه تصرخ لاعنة هذا الدكتور , وقبل أن يدرك الأمر
كان رجال يحيطون به ليجروه إلى وجهة مجهولة , وعبثا حاول أن يفهمهم عن أي دكتور
يتحدث , وكغصنين يابسين نحيلين تهشمت رجلاه وسقطتا اثر فلقة عاصفة !
صدر عفو شمله في إحدى المناسبات الوطنية , ولم يكد يصل إلى الشارع حتى شاهد
مسيرة تجتاحه لتملأ السماء بعبارة واحدة ( بالروح , بالدم ...) , انتفض الكرم
العربي داخله ودبت فيه النخوة ولم يرض إلا أن يكون أول المتبرعين بروحه ودمه !
في الآخرة وقف بين يدي الله
- ربي , لم يبق لدي سوى هذا القلب المليء بالإيمان .
- أيها الكاذب !
- أنا ؟ ولكن كيف ؟
- أنسيت أنها أخذت منك قلبك منذ كنت صغيرا أيها العاشق الولهان ؟
الآن انه لا شيء , نعم لا شيء , رحل صوبها مسابقا الريح و ممنيا النفس بمعانقة
كل خلية فيها , فلا أحد بعد اليوم يستطيع تقييده أو حتى امساكه !