كيفي كويتي
مقال
بثينة العيسى
على
الزجاجة
الخلفية من تلك السيارة يوجد ملصق كتب عليه: كيفي كويتي!
للحظاتٍ فقط، وداخل رأسي تحديداً، كنتُ أبحث عن معنى للأمر، وهو الذي بتّ أسمعه
يومياً بطريقة أو بأخرى، بشكل مزعج وغير قابل للتفسير، الأمر الذي لخصه ذلك
الملصق في إيجاز بليغ ومثير للإعجاب: كيفي كويتي؟ وتساءلتُ .. هل ثمة عبارة
بهذه البلاغة وهذا العمق، تعكس السيكولوجية الكويتية، كهذه؟ هل قرأتم في أمهات
الكتب وبطون المراجع وعلى ألسنة المفوهين والخطباء، عبارة من كلمتين، أكثر
إيجازاً وبلاغة و "جنون عظمة" من هذه؟ وهنا تساءلتُ أكثر: ترى، ما الذي حدث
وجعلنا نؤمن بذلك فعلاً؟ متى أصبحنا بهذه القدرة على الانتفاخ؟
قد يتساءل البعض عن مدى جدية مقالة تتناول نقداً ثقافياً لملصق على زجاج سيارة،
ربما لفرطِ ما أصبح ترديد مثل هذه الأقاويل أمراً " طبيعياً " وعادياً ويصبّ
تلقائياً في واقعنا وهويتنا وقيمنا؟ أ لأن آذاننا اعتادت الأمر؟
قد يبدو الأمر تافها لكثيرين، غير جدير بمقال من نصف صفحة، ولكنني أعتقد بأن
الثقافة التي أفرزت أفكاراً من هذا النوع، وسمحت لها بأن تكون رائجة وشائعة و "
مودرن " و " كول " وأشياء أخرى، وعلامة بارزة على الشخصية الكويتية التي تشع
تكويتاً، هي ثقافة مجرمة جداً، لأنها أجازت للإنسان الكويتي بأن يفخر بما لا
فضل له فيه، وإذا كنا قد حفظنا صغاراً " ليس الفتى من قال هذا أبي " وأشياء
أخرى أخبرتنا بأن قيمتنا كبشر تنبثق من عطائنا، فمن أين جاءتنا فكرة أن
القبيلة، أو حتى الوطن، يمكن أن يكون حساباً ائتمانياً لغرورنا وتفوقنا
المفترض؟
الأدهى من ذلك، بأنه إذا كان الإنسان الكويتي يعتقد - وهو يعتقد ذلك بالمناسبة!
- بأن كونه كويتي هو من قبيل الامتياز، وأنه ولد في المكان الصحيح من العالم،
فليس من حق المرء أن يتباهى بكونه محظوظاً، ولكن المثير للسخرية حقاً، بأنه لم
يعد يحق للإنسان الكويتي أن يعتقد بأنه محظوظ، لأن الكويت كأرض للحظوظ ما فتئت
تتمزق بين عشرات الأزمات ومشاريع التأزيم، منذ الأزمة المالية وحتى الإسكانية
ومروراً بالصحية والسياسية والبيئية والرياضية وانتهاء بأزمات السير! فأيٍ حظٍ
هو هذا؟
هذا الوطن الصغير ينوء اليوم بما يكفي من الأزمات لتدمير قارة، حتى يشعر الواحد
منا بأنه يتفرج على مسلسل رمضاني، أبطاله الحكومة والمجلس والصحافة والشعب، وهم
" يتمخطرون " من أزمة إلى أخرى، والإنسان الكويتي ما زال يتباهى بما لا يحق له.
إذا كان الإنسان الكويتي يريد أن ينعم بامتيازاته الموروثة مع هذه الأرض، من
تفوق لا أساس له، ونفط كثير، وديموقراطية وضجيج وزحمة شوارع، فعليه أن (يفيق)
لنفسه قليلاً، وأن ينتبه إلى أن هذا الوطن لم يعد له، لأنه تخلى عن بلاده يوم
استكان إلى عرشه المريح واستوفد بشراً آخرين (من بلدان غير محظوظة) لكي يقوموا
بواجبه، ثم آمن بتفوقه على بقية الخلق لمجرد أنهم يعملون تحت إمرته، ثم بلغ به
الأمر مبلغ أن يتفوه بكلمة قبيحة على شاكلة " كيفي كويتي! " ..
إذا أردنا أن نستعيد الكويت بما ملكته في يوم من رفعة، فعلينا أن ندرك أولا بأن
تفوقنا المزعوم لا أساس له، علينا أن نتخلى عن (الغرور) الكويتي الذي نعتبره
أحد حقوقنا، وأن ندرك بأن الكويتي ليس " أكثر إنسانية " من المصري والهندي
والباكستاني، يجب على الإنسان الكويتي أن يحترم الآخر لمجرد أنه إنسان، وأن يرى
نفسه - بدوره - على أنه إنسان، وليس السوبرمان الذي يطير بعلم الكويت فوق أزمات
وطنه، قبل أي شيء، قبل أي عملية إصلاحية على الصعيد التنموي والاقتصادي
والسياسي
والثقافي، يجب أن نصحح فسادنا الداخلي ونعترف بأننا - أيضاً - بشرْ!
====================
بثينة العيسى – الكويت
البريد الألكتروني
المدونة
====================