-6-
كنوزأثرية
تبددت على يد الغزاة
واللصوص
هرم كاو فيجو في
البيرو
قلعة
من الغموض والأسرار
بقلم :
علي محمد
عن البيان
عندما شاهد عالم الآثار البيروفي ريغولو فرانكو
أطلال موقع «ايلبر وجو» لأول مرة عام 1990، أصيب باحباط كبير فلقد كان المشهد
مليئا بمئات الحفر التي خلفها لصوص نهب الآثار وراءهم، لكنه لاحظ وسط الركام
شيئا بعث في نفسه الأمل، هو جزء من لوح مزخرف يصور رجلاً بالحجم الطبيعي يلتف
حول عنقه حبل.
ويقول فرانكو: «بعد ذلك تولد لدي شعور بأن هذا المكان لا
يزال يخبيء الكثير من الاسرار».
من مجرد النظر من الاعلى الى هرم كاو فيجو المبني من القرميد لا يظهر الكثير عن
روعة وفخامة ماضيه، ولقد أدت الفيضانات في هذا المكان الذي يقع بجانب حقول قصب
السكر وشاطيء المحيط الهادي على مدى قرون طويلة الى تحويل الهرم الذي كان
بمثابة كاتدرائية مهيبة في عصر الموتشة الى كومة من الحجارة. لكن تحت السقوف
التي بنيت لحماية هذا الموقع، عثر الحفارون على شبكة متداخلة من الحجر والمصاطب
المزينة بالرسومات الجدارية النابضة بالألوان.
وعلى طول شريط يمتد لمسافة 300 ميل على الساحل البيروفي تنتشر عشرات الاهرامات
الطينية التي كانت بمثابة مراكز دينية في منطقة الوديان القاحلة حيث شعب
الموتشة قرى للصيد والزراعة وصنع الحلي والأواني الفخارية الرائعة. وبمرور
الزمن نهب المستكشفون الاسبان وغيرهم معظم كنوز الاهرامات، ولم يعثر علماء
الآثار سوى على قليل من الذهب في هرم كاو فيجو لكن المناخ الفني الفريد هناك له
تأثير السحر على الانسان كما يقول فرانكو الذي يتوقع ان يبقى لفترة طويلة في
الموقع.
وربما كانت الزخارف الفنية المتقنة في هرم كاو فيجو آخر ما أبصرته عيون السجناء
في عصر الموتشة، حيث كانوا يساقون وهم عراة ومكبلون بالاصفاد والدم ينزف من
اجسامهم الى الساحة الاحتفالية، قبل ان يدخلوا الى الهرم ليشهدوا مصيرهم الاسود
في افظع طقوس الاضاحي في التاريخ، حيث كان يدنو منهم كاهن مكتس بالذهب ليذبحهم
من رقابهم واحداً تلو الآخر، في حين تقدم كاهنه بجمع الدم في قدح ذهبي لكي
يشربه الكاهن.
ويعلم الباحثون الاكاديميون تفاصيل هذه الاحتفالات الدينية من خلال دراسة
النقوش الفنية من حضارة الموتشة مثل رسوم السجناء العراة التي اكتشفت على أحد
جدران ساحة هرم كاو فيجو. كما تظهر عظام القرابين البشرية المدفونة تحت ساحة
الاحتفالات علامات تشير الى تعرضهم لتعذيب شديد واعدامات فظيعة. ولايزال الجدل
دائراً في الأوساط العلمية حول ما اذا كان هؤلاء السجناء من السكان المحليين أم
من أسرى الحروب الاجانب.
وقد كشف ريفولو فرانكو وفريقه النقاب عن اجزاء من لوحين فنيين ربما يساعدا في
تفسير ديانة شعب الموتشة. وتصور النقوش المكتشفة خليطاً من الشخصيات من بينها
محارب ورجل يضع تاجاً مخمساً على رأسه يعتقد انه يجسد كوكب الزهرة ويقول فرانكو
ان اللوحة الجدارية ربما كانت بمثابة تقويم لضبط مواعيد الطقوس الاحتفالية.
وعثر العلماء في الموقع ذاته ايضاً على اوان خزفية ذات موضوعات دينية، اذ يصور
احدها كاهناً يستخدم السحر لعلاج امرأة مريضة. ويعتقد فرانكو ان الكاهن والمرأة
كانا في حالة نشوة مترافقة لفقدان جزئي للوعي بسبب تناولهما جرعات من خلاصة
نبات صبار سان بدرو الذي لا يزال العرافون البيروفيون المهلوسون يتناولونه حتى
يومنا هذا.
ويقول عالم الآثار جيوي كويلتر الذي يقود بعثة حفر جديدة في الموقع هذا الصيف
ان شعب الموتشه كان يضيف مستويات جديدة للاهرام من حين لآخر وكانوا يدفنون
الشخصيات البارزة في اجزاء الهرم القديمة قبل تشييد حجرات جديدة فوقها، وهو ما
ساهم في حماية الاعمال الفنية في الحجرات السفلية من الفيضانات لانها كانت
مسدودة بالطين.
ولاحظ علماء الآثار وجود دلائل تشير إلى حدوث زلازل وفيضانات ربما دمرت شبكات
اقنية الري التي لعبت دوراً حيوياً في مزارع الموتشه، ما اضطر قبائل الموتشه
إلى الرحيل عن قراهم في الوديان الساحلية في القرن الثامن. حيث تشتتوا بعد ذلك
في انحاء البلاد ولم يعرف عن مصيرهم شيئاً.
وبعد زوال الموتشه اصبحت اهراماتهم تعتبر اماكن مقدسة لدى الحضارات التي تلتهم
في المنطقة، وهو ما يؤكد وجود قطع احتفالية واقنعة نحاسية من القرن التاسع في
مدفونة تحت اطلال اهرام كاو فيجو، ولا يملك العلماء الا ان يتحسروا على الكنوز
الاثرية القيمة التي نهبت من هذا الموقع، لكنهم في الوقت ذاته يواصلون العمل في
الموقع وهم على يقين بوجود المزيد من الحجرات والالغاز المبهمة التي تنتظر من
يكشف النقاب عنها تحت الارض.