كل
عيد
و أنت
لنا وطن
خاطرة

لطفي زغلول
كل
عيد وأنت لنا وطن .. يا وطني .. كيف أناجيك هذا الصباح ، بأية لغة أقف في
محرابك ، أمد يدي مصافحا ، لاثما جبينك الوضاء ، مقبلا يديك الطاهرتين ؟ . بأي
إحساس غير الأسى واللوعة . أنت ما زلت أسيرا في الأصفاد ، تهوي عليك سياط
الجلاد آناء الليل وأطراف النهار . لكنك ياوطني لم يقهرك القهر ، ولا نالت من
عزيمتك الصعاب .
كل
عيد وأنت لنا وطن ..
يا
وطني ..
هل حقا ينشق عاشقوك على عشقهم ،
فيصبح العشق عشقين ، كل عشق في اتجاه ؟ . هل حقا يتربص العاشق بالعاشق الآخر ،
فينقلب عليـه ، يدميه ، يرديه ، يسبح في دمه ؟ . كلا يا وطني ، لن ينفصم العشق
في أحضانك ، لن يكون إلا عشقا واحدا ، لأنك أنت واحد ، وستبقى واحدا .
كل
عيد وأنت لنا وطن .. وطني .. أيها الواحد الوحيد الموحد أبد الدهر . كنت وما
زلت ذلك الوحيد الواحد ، تمتطي صهوة التحدي والتصدي . لم تترجل يوما عنها . لم
تلن قناتك في خضم التمرد على طغيان جلادك . لم تكسر شموخك العاديات ولا الصعاب
. لم تنل من كبريائك ليالي الأحـزان .
لم تطأطىء هامتك الشماء إلا لله الجبار
.
كل عيد وأنت لنا وطن .. يا وطني .. واحد أنت وحيد موحد ، وحاشاك أن تكون
اثنين . أنت لا تقبل القسمة . القسمة لعنة وحاشاك أن تحل بك هذه اللعنة .
القسمة شرك بك يأباه المنتمون إليك حقا . القسمة فتنة يطفىء نيرانها المؤمنون
بك على طريق الخلاص ، الساهرون في ليالي الإغتراب والمنفى انتظارا لفجر العودة
إلى أحضانك الطاهرات .
كل
عيد وأنت لنا وطن ..
يا وطني الحبيب ، أيها الغالي المفدى ، لا يغـلو
عليك غال ، ولا يعلو عليك عال . فكم مهرك عشاقك أرواحهم وما زالوا فداء لخلاصك
. دماء عشاقك ملاحم بطولة يتغنى بها التاريخ أنشودة فخر واعتزاز . هذه الدماء
لا يمكن أن تهون . لا يمكن أن تراق سدى في غير مسارات الوصول إليك . هذه الدماء
محرمة إلا في سبيلها إليك وحدك ، ومن أجل خلاصك . هذه الدماء موعودة لك ، لا
لغير الإنتماء إليك ، لا تراق بأيدي عشاقك . فمن أحبك يا وطني لا يسفك دم حبيب
لك .
كل عيد وأنت لنا وطن .. أيها الوطن الساكن في وجدان إنسانك ، والمسكون
فيك هذا الإنسان . مازال عشاقك يدخلون محرابك أفواجا أفواجا يرتلون لك أنشودة
الحرية . هاماتهم ترنو إلى السماء بكبرياء ، تتوج جبين زمانك بغار التمرد .
ترفع الكؤوس أنخاب انتصار ، تقيم أعراسا لعيد حريتك الموعودة به الأجيال .
ويومها تسترجع الأعياد لونها المضمخ بالحرية ، المتفيء ظلال المجد والفخار .
كل عيد وأنت لنا وطن .. وأنت لنا وطن .. يا وطن الشهداء ، عاشوا رماحا تشق
أسنتها المدى إلى صدور طغاة غربان الليل الجاثمين على رحابك الطاهرة . عيون
أطفالك ، براعم حريتك يصلون لله ، وهم موقنون أن شمسك سوف تطل في الغد ، مهما
طـال الإنتظار . ويوم لامست شفاههم ثراك الطهور ، لتطبع القبلة الأخيرة على
جبينك الأشم ، استحالوا إلى مشاعل تضيء فضاءات أجيال ، خرجوا من رحمك ، وكيف لا
وهم سيخرجون يرسمون بالنور والنار ملحمة تلون زمانك بالسؤدد وتعطر مكانك
بالإباء .
كل عيد وأنت لنا وطن .. يا وطن الجرحى .. روت دماؤهم ثراك العطشان لمطر الحريـة
. وهل إلا دماء جرحاك مطر الحرية ، ينهمر مدرارا على مغانيك جبلا جبلا سهلا
سهلا رابية رابية واديا واديا . وهل غير دماء جرحاك تحمل الربيع إلى ربوعك
الخضراء ، فيتجذر زيتونك ويشمخ صفصافك ، ويشتعل ترابك قناديل عشق وياسمين .
كل عيد وأنت لنا وطن .. يا وطن الأسرى .. تمردوا على قيود عبودية هذا الزمان
الملطخة كفاه بالسواد والطغيان . أسراك أيها الوطن الأسير ، وهبوك شبابهم مهرا
لعرس حريتك . تحدوا المستحيل ركبوا الأهوال .. شقوا غبار الموت والدمار . وها
هم الآن خلف القضبان يطرزون لك من عنادهم وشاح كبرياء ، ينظمون لك من إصرارهم
مسبحة حرية ، يرسمون لغدك من سنا محياهم شمسا لا تغيب .. شمسا لنهارات وعد لا
يخيب .
كل عيد وأنت لنا وطن .. يا وطني .. آمنت أنك ستعود واحدا موحدا . عشاقك يا وطني
ما كانوا إلا موحدين متحدين في الإنتماء إليك ، في التضحية بالنفس والنفيس في
مذبح حريتك وخلاصك . ستعود واحدا موحدا ، سيدا حرا . ستفتح أحضانك الطاهرات لكل
عاشقيك . أنت ملاذهم الأول والأخير . يومها يكون العيد الأكبر ، عيد الحرية
والخلاص ، عيد العودة الكبرى إلى ربوعك الخالدة .