الأدب/ك

صفحة الأديبة الكويتية بثينة العيسى الخاصة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 


 


 

 

كلامنا

<<هو اللي يمشيْ>>!

كتاب : نعوم تشومينسكي

قراءة : بثينة العيسى*

      يقول إدوارد سعيد : من واجب المثقف أن يعكّر صفو السلطة. .. وأعتقدُ بأن ذلك ينطبق إلى حدٍ بعيد على ما يقوم به البروفيسور نعوم تشومسكي، عالم اللسانيات والناشط السياسي الأميركي، الذي ما برح «يعكّر» صفو السلطة الأميركية، ويفضح زيف دعاياتها، وانحيازها لمصالحها، وتناقضها مع كل المبادئ التي تطالب بها، وفصامها الأخلاقي.
قرأتُ لنعوم تشومسكي كتابه (What we sa
y goes) ولا أجد ترجمة ملائمة لعنوان كهذا، إلا العبارة الشعبية: (كلامنا هو إللي ماشي).. العبارة التي يستخدمها الرجل الشرقي الذي يخنق القطة أمام زوجته في ليلة الدخلة لكي يبرهن على.. ذكوريته! العبارة التي تكرّس منطق المصادرة، والانتصار للقوة على حساب العدل، والفصام القيمي والأخلاقي الذي يبرر ويشرعن كل ما فيه مصلحة، أو تكريس لمصلحة فئة على حساب فئة.

عبارة بوش.. منطق أميركا
عنوان الكتاب، كما يتبين في الفصل الأخير منه، هو مقتبس مأخوذ من الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، وهو يعكس إلى حد بعيد المنطق الذي تدير به الولايات المتحدة الأميركية سياساتها، منطق الدولة العظمى، منطق البطش، منطق الدكتاتور، منطق العنف، منطق مصلحتي أولاً.. وهو الذي يثبته البروفيسور تشومسكي -بجدارة- في اللقاء الطويل الذي أجري معه ونشر في الكتاب في 7 فصول متمحورة حول قضايا عالمية عديدة، تفترق في بعض المناطق وتلتقي في طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع تلك القضايا، المنطق إياه: منطق العنف والدكتاتورية والفصام الأخلاقي الذي ما فتئ يقوّض دعائم سلام العالم، على كافة الأصعدة.
يقدّم تشومسكي في كتابه هذا صورة شاملة ومختصرة عما يحدث في العالم، في تشيلي وفنزويلا وفلسطين والعراق وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، إنه يرسم ذلك البورتيه الدقيق والمؤلم للوجه الأميركي، ولحجم الضرر الذي تلحقه الولايات المتحدة بالعالم من خلال سياساتها التعسفية، ويكشف تشومسكي كيف أن الولايات المتحدة، تتعامل مع نفسها باستثنائية، بحيث لا تكون ملزمة بتطبيق أي من قرارات المنظمات الدولية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة، أو محكمة العدل الدولية، ومع هذا لا يبدو أن أحداً يستطيع الاعتراض على ذلك.

أبعد مكان للعالم
معظم الحروب المصيرية التي خاضتها الولايات المتحدة، منذ فيتنام وحتى العراق، صنفت من قبل المنظمات الدولية على أنها غزوات، وأنها «غير قانونية»، ولكن هذا هو أبعد مكان يمكن أن يخطو إليه العالم، الذي قد يبدو لنا -ظاهرياً- كعالم متحضر تحكمه قوانين ولوائح المنظمات المختلفة، ولكنه في حقيقته مجرد مدع، لأن الاستثناءات الممنوحة للولايات المتحدة، وإسرائيل من بعدها، تنفي كل تلك المزاعم الوردية التي نتمنى تصديقها.
يتطرق تشومسكي إلى قصة أوردها القديس أوغسطين عن الإمبراطور ألكسندر الأكبر، عندما ألقى القبض على قرصان بتهمة الاعتداء على السفن وسأله: كيف تجرؤ على الاستيلاء على السفن؟ فأجابه القرصان: أنا لديّ سفينة صغيرة، أغزو بها السفن، ولكن أنت.. أنت لديك أسطول كبير، تغزو به العالم.
الولايات المتحدة، بحسب تشومسكي، هي ذلك الإمبراطور الذي يشرعن ويجيز لنفسه كافة الممارسات الوحشية، والاعتداءات، وأعمال اللصوصية، والانتهاكات الصريحة لحقوق الآخر، لماذا؟ لأنه يستطيع، لأنه هو، لأنه <<غير>>..
ومن هذا المنطلق، فإن مشكلة العالم الحالية ليست عصيان السلطة، بل طاعة السلطة، لأننا نحتاج إلى اهتزازات عنيفة تنفض عنا الخوف والجهل والمخدرات الذهنية الأخرى التي تملكت عقولنا، من أجل أن نرفض ونحارب هذا المنطق الأعوج الذي تسير به الأمور، يقول تشومسكي إننا نحتاج إلى العصيان والرفض من أجل إعادة خلق ديمقراطية حقيقية وفعالة.

روايات مليئة بالثقوب
يقوم تشومسكي، بجرأة وذكاء شديدين، بفضح التزييف الذي تنضح به وسائل الإعلام الغربية، يقول إن الروايات الرسمية مليئة بالثقوب، ولأجل إثبات مزاعمه يتطرق إلى العديد من الأخبار التي نشرتها وسائل الإعلام عن حرب لبنان 2006 ومجزرة غزة في 2008 مثلاً، ويكشف كم التلاعب والتدليس والتغاضي عن الحقائق الذي تزخر به الصحف والقنوات الفضائية في سبيل تكريس خطاب السلطة، أو البروباغاندا (الدعاية الإعلامية الأمريكية- الإسرائيلية)، الأسطوانة المشروخة إياها التي لا تنطلي إلا على الخراف، والنعام، ونحوه.

المصلحة أولا و أخيرا
كما يقوم بكشف حقائق كانت مفاجأة لي شخصياً، عن المنظمات الاقتصادية العالمية مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ويبرهن بأن الدول التي تمتثل لقوانين تلك المنظمات قد تعرضت اقتصادياتها للركود والانهيار مثل تشيلي والأرجنتين، على خلاف الدول المخالفة لقوانين تلك المنظمات، مثل الصين وكوريا والولايات المتحدة، تشومسكي يلقي الضوء على حقيقة تلك القوانين، وعن مدى فاعليتها في تحقيق الرخاء الاقتصادي العالمي، وأنها تصب في النهاية في مصلحة نخب اقتصادية معينة تملك معظم ثروات العالم، وهو ما يعيدنا إلى ما يقوله تشومسكي، بأن السياسات الأميركية الداخلية والخارجية لا تخدم الشعب الأميركي، بقدر ما تخدم مصالح الشركات الأميركية.
ويدلل تشومسكي على وجود فراغ ديمقراطي حقيقي في الولايات المتحدة، وأن هناك فجوة لا يمكن إنكارها بين ما يريده الشعب الأميركي، وما تمارسه السلطة أو الحكومة الأميركية.
قد يكون تجرّع الوقائع والأرقام والإحصائيات الواردة في الكتاب عملية عسيرة ومرّة، ولكنها -شئنا أم أبينا- خطوة لا بدّ منها نحو مزيد من الفهم والوعي، الذي ربما كان بداية التغيير. للراغبين بقراءة الكتاب باللغة العربية، تجدونه تحت عنوان (أميركا.. ما نقوله نحن يمشي)، وهو صادر عن دار الكتاب العربي، ترجمة وتحقيق سامي الكعكي – 2010، ودمتم بوعي.

       * ثينة العيسى - الكويت

  Bothayna@hotmail.com