مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

  كل أحمر طربوش

حكاية بقلم : نسرين طرابلسي
القصة السورية

http://www.syrianstory.com

syrianstory@yahoo.fr

 


       
ولجت باب الدار، خلعت حذائي العسكري الأسود وجواربي وندت عني صيحة راحة ما أن لامست قدماي بلاط أرض الديار الباردة النظيفة.
إنها دائماً كذلك لأن شطفها من اختصاصي وإخوتي السبعة. هكذا عودتنا أمي، نشبعها بماء البحرة التي تتوسط الدار كأخت تاسعة لنا، فتبقى باردة رغم حر تموز، وكأن تحتها ألف نبعة على وشك الانفجار.
ظلال النارنجة والجارنكة والمشمشة متشابكة على الأرض، تتبارى مع فيء العريشة الخضراء، وتتسلل أصابع شمس العصرية لترسم آخر إمضاءات النهار. وبين خطوة باردة وخطوة دافئة تنسدل علي قشعريرة العودة إلى المنزل كوشاح من الأورغانزا. وتكتمل معزوفة الراحة الكاملة بعد أن أخلع عني بذلتي المدرسية العسكرية الشاحبة من كثرة الغسيل، الحارة صيفاً، الباردة شتاءاً، و أنزع النطاق العسكري الثقيل عن خصري. أرتمي على سريري ذي الرفاصات وأستوي في إغفاءة هي العمر كله، لا أقطعها إلا عندما يتهادى صوت أمي من نافذتي مع رائحة الطبخ اللذيذ، فأهرع إلى مائدة الغداء على أمل النوم مع معدة ممتلئة، فهو لاشك أكثر رفاهية.
توالت الفصول على بيتنا الدمشقي كما في كتب القصص المصورة، شفافة، ملونة، مثالية. طُبعت في ذاكرتي صفحة صفحة، واحدةٌ للحدث والمقابلة للصورة، وأنا الأميرة والفقيرة والجنية والعصفورة المسحورة.
أتغير حسب تغير الحالة، وأبقى الحفيدة رقم ثمانية للحاج عبد الغني الورع، حقيقة لا تقبل أي تغيير.
للحاج عبد الغني الورع طقوس حياتية، وهوايات فذة، ومواهب عظيمة، ومغامرات خيالية. كلها محشوة داخل الطربوش الأحمر الذي يلتصق برأسه ساتراً الصلعة اللامعة، شاهداً على أن جدي من الناس الذين لا يتخلون عن عاداتهم وتراثهم بسهولة، كما يشهد عرف الديك على أن هذا الذي يصيح ديك.
كان الكل يردد من أمي وحتى أبعد جارة في الحارة: "يا أميمة طباعك مثل طباع جدو عبدو إن شاء الله تعيشي قدو".
وبقدر ما كان هذا يفرحني نظراً لانفراد "جدو عبدو" بطباع وأخلاقيات ومبادئ لا مثيل لها في الغرابة، بقدر ما كان هذا الأمر يزعجني لأنه كان أكثر الناس مهارة في الإزعاج على الإطلاق.
جدي والطربوش، علاقة حميمة بدأت ولم تنته بموته. مازال الطربوش على الشماعة يذكرني بيوم من أيام مؤونه رب البندورة، وهذا اليوم طبعاً يشبه أيام مؤونه الزيتون والمكدوس والملوخية والبامية، تتشابه الطقوس الخارجية مع اختلاف المواد والوصفات والأساليب.
ولكن ليوم مؤونه البندورة مذاق خاص يشبه مذاق عصيرها ولونه وطعمه الكثيف، عدا عن أن للطماطم شكلاً أنثوياً ولوناً قانياً وملمساً شفافاً، بينما لرُّبها قوام الدم الخاثر.
عدت يومها من المدرسة أمنّي نفسي بخطوات الدلال، حافية على البلاط النظيف مروراً بالظلال المتعانقة والارتعاشات المتتالية لأرتمي على سريري ذي الرفاصات وأغيب في إغفاءة أو إغماءة هي العمر كله، ريثما تناديني رائحة الغداء. أريح رأسي من حصص يوم المدرسة الستة التي اختُتمت اليوم بدرس (الفلسفة)، والذي استهله الأستاذ المتفلسف من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه بنظرية (سقراط) الإنسانية لتحقيق السواسية بين الناس ابتداء من أبعد حد، من الموت، مستشهداً بالفلسفة السقراطية "كل إنسان فان، سقراط إنسان، سقراط فان".
الأستاذ المتفلسف علق أهمية كبيرة على مايقول، والأربعون طالبة الموجودات في الصف أجمعن على أن ما سمعن هو أسخف ما قيل في تاريخ الفلسفة، وأن باستطاعتهن اختراع نظريات فلسفية مبنية على السخافة السقراطية لو أتى سقراط شخصياً لن يفهمها وانهالت التعليقات:
"كل حرب خدعة، الحب حرب الحب خدعة".
واعتبرت هذه النظرية خيالية وحقيقية وتحدٍ لسقراط من جيل السبعينات بذكائه منقطع النظير.
وعلى وزن نظرية سقراط تم تأليف العديد من النظريات التافهة التي لم يقطع جرس الانصراف تدفقها، بل استمرت إلى أن ودّعْتُ آخر صديقة على باب منزلي.
هرج ومرج يأتيان من أرض الديار وصوت قدر يغلي فوق (البابور) طرق سمعي بوضوح. وها هي العائلة مجتمعة من أجل مؤونة البندورة.
رميت حقيبة الكتب تحت شجرة الكباد وصفقت بيدي سعيدة مطالبة أمي على الفور بكأس من عصير الطماطم:
"بدي يحمروا خدودي وشفافي".
وتلقفت الكأس وبدأت أرشف السائل الكثيف المالح وأصدر أصوات تلذذ مزعجة. جدي الذي كان يساعد في عملية العصر اليدوية نصحني بالتوقف فسارعت لأسال بخبث:
- كيف حال بدلة أسنانك؟
أختي رقم أربعة همست لأختي رقم سبعة بأن ردّي كان وقحاً، وتساءلت: لماذا يشارك جدو عبدو في العمل رغم تواجد التسعة واصطحاب رقم واحد واثنين لأولادهما؟
إحداهن كانت ترعد بصيحات تحذير للأولاد الذين يركضون بطيش أهوج، وهي تحمل صينية رب البندورة من الوجبة الأولى وتصعد الدرج لتنشرها على السطح في المرحلة قبل النهائية.
أمي وأختاي رقم خمسة وستة كن يتعهدن عملية تقطيع البندورة، أما الثرثرة المتواصلة فكانت مهمة الجميع.
شربت عصيري وهممت متسللة، محاولةً التهرب من الدخول في المعمعة وكنت قد وصلت لباب غرفتي حين جاء صوت أختي رقم ثمانية:
- إلى أين يا ست الحسن؟ تعالي لتمسكي عن جدك العصارة.
- بعدين، أغير ثيابي وأغسل يدي وأكون معكم.
أمي انتهزت الفرصة:
- بعدين .. بعدين كلما طلبت منها شيئا كان جوابها بعدين، عمرها ما لبت من أول نداء.
رميت سترتي على غصن شجرة .. طارت العصافير. زفرت أجفف يدي وأوجه الكلام لجدي:
- أما يا جدو شو درس فلسفة اليوم .. بياخد العقل.
أمي لا تدع العبارة تمر دون تهكم:
- أصحي شي يوم يتاخد عقلك ويبطل يرجع.
لم يكن بنيّة جدي تسليمي العصارة ويظهر انه كان في غاية الاستمتاع.
- احكيلي ياجدو شوية فلسفة.
- هذا سقراط يا جدو قال كل إنسان فان سقراط إنسان، سقراط فان.
- ايه شو الجديد بهالحكي.
- الجديد مو بحكي سقراط الجديد بحكيي أنا ورفيقاتي اسمع .. هذه مثلاً: "كل أحمر طربوش .. بندورة أحمر .. بندورة طربوش".
لا أدري ما الذي حدث بالضبط. هل انقلبت العصارة من تلقاء نفسها أم أن جدي هو الذي قلبها؟ ولماذا قام من مجلسه على كرسي الحمام الخشبي الصغير؟ تغير لون وجهه، وانتفخت تجاعيده، وتوجه لغرفته وهو ينثر الهواء بيديه ويقذف بالقبقاب الذي يرتديه إلى الوراء. ويتابع سيره حافياً.. ويتمتم .. ولا أدري ما يقول..
أمي عقبت:
- بابا شبك ؟؟.. الله يعطيك العافية مليت؟؟ معك حق.
وتهمس لي:
- يا كتارة الحكي .. شو قلتي عكّر مزاجو ..
صفع جدي باب غرفته وأسدل الستارة.
كنت شبه مقتنعة بأنه لا علاقة لعبارتي السقراطية بانتفاضته الفجائية، لولا أن أختي رقم واحد العائدة من فوق السطح هابطة الدرج وقبقابها يصدر ريتماً رتيباً ومزعجاً، والملعقة الخشبية في يدها تنقط مربى البندورة، قالت:
- يعني ما حليلك تتفلسفي غير عالطربوش؟
صفعت جبهتي بكفي، يالغبائي!!
تلال البندورة القانية تنقص شيئاً فشيئاً وهدير البابور كالطنين في أذني. عدد الصواني المنقولة إلى السطح يزداد.. وجدي زعلان. حاولت أن أزرع في عينيه فرحة، ضحكة، فاقلتعت من قلبه شتلة ابتسامة، وهدمت بيني وبينه بيت السرّ وجسر البوح. مسست الطربوش بمزاحي فتلوثت هيبته بمربى البندورة.
- قومى والحقي جدو وراضيه. قالت أمي.

عندما تسدل الستائر في غرفة جدي يصبح للظلال رائحة رطبة. رائحة تنبعث من التاريخ، من أوراق الكتب المصفرة، من خزانة خشب الزان العالية، من مرآة الموزاييك الضخمة التي أصبحت جزءاً من الحائط، من نظارته القديمة سميكة العدسات المغبرّة مهما قمت بمسحها، ومن قلم الرصاص المبري بالسكين.
في غرفة جدي يمكنك السفر إلى الوراء. يمكنك أن تقف في زاوية وتغمض عينيك فيتراءى لك منظر شاب على الحمارة في عملية تهريب السلاح للثوار ضد الفرنساويين في الجبل. ويمكن أن تقف في زاوية أخرى وتنصت إلى طفل صغير "عم ياكل ضرب" ليتعلم جدول الضرب بالتركي (الشبكة).
جدي وذاكرة تتضاءل يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة، وتجود من آوانة لأخرى بدفقة ذكريات دفعة واحدة. ثم تتوقف لترتاح من عناء الحنين.
- "أنا وحيد".
هكذا بادرني بعد أن تقدمت ببطء وخجل وأصبحت في وسط الغرفة. كان يجلس على حافة السرير الخشبي الكبير ذي الفرش العالي. قدماه بالكاد تصلان إلى الأرض. يده اليمنى تتمسك بعمود السرير، ولأول مرة أشعر كم هي جافة ويابسة وعارية، كغصن ميت في شتاء لا أمل له بحلم البرعمة. ظهره المحدب بشده جعلني يؤكد أن لا أمل لجدي بحلم البرعمة وصادقَ ما يجول في خاطري حين قال:
- الماضي وذكرياته فلسفتي الوحيدة للاستمرار في أيام ليست لي. أنا دخيل على أيامكم.
- جدول يطول عمرك ويخليك.. أنا آسفة والله ما كان قصدي ضايقك.. امسحها بدقني.
كان الطربوش الأحمر معلقاً على المشجب الخشبي الكبير، فمنذ أن أعادوا جدي ذات جمعة محمولاً من الجامع إلى البيت لم يغادره، حتى الحلاق صار يزور الحاج عبد الغني في البيت.
دس جدي قدميه المتآكلتين من الأكزيما في (البانطوفلة) الكاروهات وهرع إلى خزانته بسرعة سلحفاة قبل خط النهاية، وتناول صندوق الصور الصدفي.
أخرج صوراً صفراء وأخرى بالأبيض والأسود. بعضها ينقصه قطعة عند الزاوية والبعض الآخر متآكل من المنتصف والبعض ممزق بلا رأس أو جذع..
مدحت باشا.. نوري باشا.. عبد الحميد باشا.. أبو عزت بك.. أبو أنور خادم الأربعين.. ويسرد أسماء مهيبة لأصحاب الطرابيش. ذكريات ومغامرات وشقاوات. أحسست بدفء ينبعث في الغصن الجاف وتخيلت براعم مضيئة في العينين. جدي يتكلم ويكح .. ويكح .. ويضحك.
أمي تناديني:
- لاتحلّي هضامتك على جدك.
وهو يضغط على يدي أن ابقي معي..
- جدو والله ما كان قصدي هين طربوشك.. و..
توهج الطربوش الجوخي الأحمر وتراقصت شباشيله السوداء وجدي يمسحه بكم البيجامة ويضعه على رأسي.
أمسكت عصاه الأبنوسية وقلدته، فضحك كثيراً، وبرعمت العصا. قال جدي إن كفيَّ وردتان جوريتان، وإنه يحب رائحة ماء الزهر، وبياض الياسمين الدمشقي كله كان مزروعاً في بياض بشرة جدتي، وإنه رآها أول مرة في بيتهم تجلس على حافة البحرة، كانت في زيارة مع أمها وفي المرة الثانية غنت له من وراء الشيش "ومن الشباك لارميلك حالي" .. فخطبها.. الله يرحمها..
قلت مازحة:
- جدو .. شو رأيك أمشي بالشارع وعلى رأسي الطربوش؟
كانت صورتي معكوسة على المرآة ذات الإطار الموازييك طويلة وحلوة.
- الحكي بسرّك ياحبيبة جدو؛ الطربوش زمان كان للحريم ببلاط السلطان التركي، بس حتى مايشيعوا أنو السلطان لبس الطربوش من على رأس المغنيّة. فزالصبح وأصدرفرمان أنوالطربوش ملبوس الرجال. وهيك يا جدو صار شرف الطربوش من شرف صاحبه ويلي بيوقعلو طربوش بخناقة يا طول ما بينخزا.
صارت نكتة جدي المفضلة، "كل أحمر طربوش بندورة أحمر بندورة طربوش.
وصار يقول:"جيبي ها لبندورة لنلبسها"..
أمي كانت تقرأ له القرآن يوم نزعه الأخير. قطفت فل أرض الديار كله وملأت الطربوش فلاً أبيض..
ورثتُ همومَه وذكرياته وطباعه، إلا لون عينيه الأخضر.
رحمه الله.