الأدب  1/ك

.

أبواب المجلة

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

كرمى لله حارة الأمان

مقال : دلع المفتي 

        يقول  الشاعر:

       «لا تشكو للناس جرحاً أنت صاحبه

                 لا يعرف الجرح إلا من به ألم».
لطالما كتبت وكتب غيري من الزملاء عن حارة الأمان في الطرقات السريعة، لشدة أهميتها، كونها المنفذ الوحيد في حال وقوع حادث سير، واضطرار سيارات الإسعاف والشرطة للوصول إلى المصابين، ولطالما نبهنا إدارة المرور إلى عدم التهاون مع التجاوزات الخطرة التي تحصل على يد الكثير من السائقين، حين يستخدمون - في حال الزحام الشديد - حارة الأمان لاختصار الوقت عليهم، وتجاوز طابور السيارات الواقفة، لكن، وكما هي العادة في بلادنا، لا حياة لمن تنادي.

في الدول المتقدمة، تعتبر حارة الأمان «مقدسة» ومن يجرؤ ويدوس «على طرفها» يتعرض إلى أشد العقوبات، تصل إلى الغرامة والحبس وسحب شهادة القيادة من السائق، لكن في بلدنا حيث لا قانون ينفذ، ولا عقوبات تتعقب المخطئين والمتجاوزين، كل شيء يحصل تحت أعين رجال الشرطة وبصرهم ورضاهم.

في يوم من الأيام كنت أمارس هوياتي اليومية في «إخراج بوز سيارتي» لمنع أي سائق من التجرؤ والقيادة في حارة الأمان، توقفت بجانبي سيارة وكانت بها سيدة وأطفالها. أشارت إلي كي أبتعد عن طريقها لتستطيع المرور، فامتنعت، ألحت في الطلب، ففتحت نافذة سيارتي وتوجهت إليها بالسؤال قائلة: ماذا لو كان هناك حادث، وسيارة الإسعاف تحتاج إلى هذا الطريق لتصل إلى المصابين؟ فقالت: «لا إن شاء الله ما في إلا الخير»، فعدت وسألتها: وماذا لو كان أحد من أولادك هؤلاء «لا سمح الله» هو من تعرض إلى الحادث، ويحتاج إلى مساعدة طبية عاجلة أو نقل إلى المستشفى، هل سترضين أن يتم إقفال الطريق هكذا؟ سكتت ولم ترد، وأكملت طريقها.

لم أتوقع يوماً ما، أن أكون في موقع المثل الذي وضعته للسيدة، ولم أتخيل أن أجلس في سيارتي أتحرق ألماً وأنا أنتظر أن تفتح حارة الأمان كي يسعني الوصول إلى ابني الذي تعرض لحادث مروع ، نجاه الله تعالى منه بأعجوبة. دقائق مرت علي كساعات طوال، قساة، طوابير من السيارات تقف في حاراتها الأساسية بصبر أحياناً، وبتململ حيناً آخر ، وطابور آخر ينفذ إلى حارة الأمان بكل صفاقة، لاستعجاله كي «يلحق» على مسلسل تلفزيوني، أو موعد على فنجان قهوة، بينما ابني في الشارع لا أستطيع الوصول إليه. الألم يعتصر قلبي والعشرات من الصور المؤلمة والخيالات الفظيعة تمر ببالي، وأنا انتظر فجوة بين الزحام، كي أنفذ منها لأطمئن على ابني. رحت أدعو من قلب الأم الذي في داخلي على كل من أعاق حارة الأمان، بأن يذوق ما تذوقت في تلك اللحظات.
حارة الأمان.. للأمان. كرمى لله ، كرمى لأرواح البشر ، كرمى لأولادكم وأولادنا. دعوها تبقى للأمان.

 

   دلع المفتي - سوريه/الكويت
  
dalaa@fasttelco.com