مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 كتكات

قصة قصيرة بقلم : رنده مغربي

المرايا
*****

       رفضت أن تذيقني طعم تلك الأصابع الثلاثة المغلفة بالشوكولاته مقابل أن أذيقها من رغيف الخبز الذي كانت أمي تفرده كل صباح على طاولة المطبخ وتصب زيت الزيتون من فوقه وتفرد السائل بالتساوي فوق لب الرغيف الأبيض المترمل ثم ترش الزعتر من فوقه وتعيد الجزء العلوي من الرغيف لمكانه وتلفه بإتقان وتضعه بكيس صغير ثم بحقيبتي المدرسية المعلقة فوق ظهري ..
صديقتي تفضل أن تأكل أصابع "الكتكات" وحدها بينما أنا اتأملها وبيدي ساندويش الزيت والزعتر .. كانت ترفض أن ألمس أي شيء يخصها [ مسطرة ، ممسحة ، أقلام رصاص ملونة وطويلة ومزينة ، صور لرسوم متحركة تزين دفاترها.. و أصابع الشوكولاة ! ..]
طلبت من أمي أن تُعطني مصروف يومي كصديقتي فرفضت!
أمي تقول بأن والدي لا يريد أن يعودنا على حب النقود ما دمنا نمتلك طعاماً في المنزل ، فلم يعطني مصروف يومي وهي تجهز لي كل يوم أفطاري المدرسي ؟ ثم أن والدي لا يملك نقود كثيرة كوالد صديقتي .
أمي شرحت لي لم ترفض أن تعطني ريال كباقي صديقاتي فلم لا توضح لي صديقتي لم ترفض أن أذوق معها أصابع الشوكلاتة ؟
السر يكمن في الريال وأنا لا أملك هذا الريال كصديقتي! والمقصف المدرسي الذي تبتاع منه صديقتي كل يوم في الفسحة المدرسية " الكتكات" يشكل لي قلعة محصنة ونافذتها التي تطل منها عاملة المقصف حلم عالي لا أستطيع الوصول له ولو حصلت على الدرجة الكاملة في الحساب وثلاث نجمات في دفتر المطالعة !
أجمض ريقي وأنا أرقبها تفك الغلاف الأحمر وتكسر أصبع الشوكلاة وتمصه بشفتيها حتى تظهر رقائق البسكويت ثم تقوم بقضمها أمامي على مهل .. هي تقول بأن طعمها رائع جداً ، أنا أرى مذاقه بعينيها وأتصنع اللامبالاة وأنا أعض بأسناني على ساندوش الزيت والزعتر أو العروس كما كانت تسميها أمي ..
رفعت بيدي بحماس حين طلبت عاملة المقصف معاونات لها في مقصف المدرسة .. لقد اختارتني أنا وفتاتين لنعاونها في المقصف في وقت الفسحة .
أدخل هذا الحصن المنيع وألمس قطع الشوكولاة وقناني العصير أرتب كراتين الشوكولاة بأنواعها الكثيرة على طاولة تطل على نافذة يتجمع أماها التلميذات رافعات أيديهن بريالات كثيرة .
وبنشاط و حيوية أبيع وأبيع الشوكولاة بأسمائها الكثيرة للتلميذات "كتكات ـأعرفه جيداً ولكن بيد صديقتي ـ ، مارس ، تويكس ، .." والقائمة تطول .
أقف أمام عاملة المقصف ، انتظر وانتظر بفرح المكافأة ..
عاملة المقصف مشغولة بعد الريالات الكثيرة .. تجمعها تعدها ثم تضعها في صندوق معدني وتقفله ، تربت على كتفي وتشكرني على اجتهادي وأمانتي .. أنا انتظر أمام باب المقصف أرقب شيئاً هي لا تعرفه!
تنظر لي متسائلة إن نسيت شيئاً ..
أجيبها بـ لا وأولي راكضة لألتحق بصديقتي التي بعتها للتو أصابع" الكتكات" الثلاث!
مساءاً بكيت بحرقة في فراشي لأن أصابع الكتكات بدت لي أبعد بكثير من شهادة النجاح!
لم يبق الكثير وينتهي العام الدراسي وأصابع الكتكات تتضخم وتطول و أرى نفسي في المنام أجري على جسر مصنوع من الشوكلاة أحاول أن أقضم طرفه فأهوي لعمق سحيق وأستيقظ مذعورة أصرخ .. أمي تضع يدها على رأسي وتقرأ المعوذات و تقول لوالدي بأنها رهبة الامتحانات تقلق منامي !
هذا اليوم لم يكن عادي ، عملت كالعادة بمقصف المدرسة وبعت الكثير من الشوكلاتة والعصائر ، أسمع عاملة المقصف تمدح أمانتي و نشاطي في العمل أمام معلماتي اللواتي أتين بدورهن لشراء الحلويات ، أغافل الجميع وأمسك بالريال الذي مدته يد صغيرة نحوي أعطيها قنينة العصير وأدس الريال بجيب مريولي الكُحلي .. الدماء تصعد لوجهي أشعر بحرارة شديدة بوجنتي ، يداي وشفتاي ترتجف ، أستجمع قوتي محاولة استعادة هدوئي ، اختلس نظرات سريعة صوب عاملة المقصف أتخيلها تمسك بي وتصفعني على وجهي وتطالبني بإخراج الريال الذي سرقته .. دمعة لاهبة تكاد تكرج من عيني
يمر الوقت ببطء وأنا أراوح بين الخوف و الرغبة بالبكاء وأرقب آخر قطعة ظلت في علبة الكتكات فأجمع قواي من جديد !كالعادة تشكرني عاملة المقصف على أمانتي ونشاطي تجمع الريالات وتعدها وتضعها في الصندوق المعدني أخرج معها من المقصف تستدير لتقفل الباب ارفع رأسي وانظر لها بعينين زائغتين وأهتف بصوت مخنوق : ـ أريد أن أشتري كتكات .
تحدق بي بنظرات ثاقبة ثم تسألني : ـ هل معكِ ريال؟
أجمض ريقي بصعوبة وأهتف بثقة متصنعة : ـ نعم .
أخرجه بقوة من جيبي وأطوح به بالهواء ، تأخذه مني وتدخل المقصف وأنا انتظر أمام باب المقصف ، وخال لي بأنها دخلت ولن تخرج من باب المقصف!
أشعر برغبة بإسلام قدمي للريح ، هاتفاً يصرخ بي بأن عاملة المقصف اكتشفت سرقتي للريال! أدير ظهري لأجري بعيداً فأسمعها تُناديني ...
ألتفت صوبها وقلبي يكاد يخرج من صدري ، أراها تمد لي يداً بالغلاف الأحمر !
أتلقفه من يدها وأنطلق قابضة عليه بشدة على صدري أجاري الريح و أتدارى من الدنيا كلها تحت أدراج المدرسة القديمة أحل الغلاف ولعابي يملأ فمي أقضم أصبع الشوكلاة وأغمض عيني انتظر ذلك الطعم الذي رأيته بعيني صديقتي ، انتظر طويلاً بعينين مغلقتين
لكن ذلك الطعم لا يأتي !
وبثانية يرتعد جسدي من الطعم الذي حل على لساني!
لم يكن طعم الكتكات الذي حدثتني عنه صديقتي كان طعم غريب ، طعم وخز..
طعم مر
طعم ترفضه ذائقتي .
..