في
إحدى القرى الصغيرة كان يعيش زهران ، و كان يعرف ببخله وشدة حبه وحرصه
على المال .
و في أحد الأيام طلب منه ابنه الأكبر بعض المال ، ليشتري به نعلا بدل
نعله المهترئ و الممزق الذي اشترته له امه منذ زمن طويل ، لكن زهران
رفض ذلك وادعى بأنه لايملك نقودا ، و انه مدين لأحد تجار القرية
و لايملك ما يسد الدين.
و ذات يوم ، و بينما كانت قافلة من التجار قادمة للقرية غزا اللصوص
القافلة ونهبوا كل ما فيها من بضائع وقتلوا ماقتلوا من حراس و تجار
القافلة .
سمع الناس في القرية بما حصل لتلك القافلة ، ثم وصل الخبر إلى زهران ؛
خاف زهران على ماله و ظل طوال اليوم يفكر ويدبر كيف يخفي ماله . لو ان
اللصوص قاموا بالهجوم على القرية ونهبوا أموال أصحابها .
حتى اهتدى إلى فكرة ، و هي أن يخفي ماله في بئر مهجور خلف منزله .
قرر زهران أن ينفذ فكرته ليؤمن على ماله فحتى لو غزا اللصوص القرية ،
لن يجدوا عنده شيئا وسيتركونه بحال سبيله.
في صباح اليوم التالي وهو اليوم الذي قرر فيه إخفاء ماله في تلك البئر
، قدم احد أعيان القرية و طلبمن زهران تبرعا لتعويض من تتضرر من تجار
القافلة ، لكن زهران و كعادته ادعى بأنه لايملك مالا وانه مدين ، و
عاجز عن تدبير الدين الذي عليه .
عندما أتى المساء ، قرر زهران تنفيذ فكرته ؛ انتظر حتى نام أهل بيته
فجمع ماله الذي كان يخفيه ، و لكن زوجته لاحظت ان هناك أمرا يخفيه
زوجها.
خرج زهران من المنزل متخفيا في الظلام حتى لايراه احد من أهل القرية
فيسأله إلى أين هو ذاهب وما يفعل.
عندما كان زهران متوجها للبئر المهجور أيقظت زوجة زهران ابنها الأكبر
وطلبت منه أن يتتبع أباه ويعرف سبب خروجه من المنزل ليلا ، فعلا خرج
الغلام خلف أبيه متتبعا خطواته حتى وصل إلى البئر ونزل بداخلها ليخفي
ثروته .
عرف ابن زهران كل القصة وعاد مسرعا قبل وصول أبيه فاخبر أمه بالقصة .
قررت زوجة زهران تدبير خطة مع ابنها الأكبر ليحصلا على ذلك المال الذي
أخفاه زهران عن الأسرة و حرمهم من التمتع به و قضاء حتى ابسط أمورهم
وحاجياتهم .
عاد زهران للمنزل بعد ان اطمأن على ماله الذي أخفاه بتلك البئر .
في صباح اليوم التالي استيقظت زوجة زهران وابنها و قررا تنفيذ
ما اتفقا عليه.
كان زهران معتادا أن يستيقظ صباحا في وقت مبكر ,الا انه اليوم نام لوقت
أطول بعد تعبه ليلة البارحة ‘انتظرا طويلا الا انه لم يستيقظ فقررا
تنفيذ خطتهما .
ذهب ابن زهران إلى البئر المهجور وفتش عن المال إلى أن وجده.ثم عاد
مسرعا إلى البيت حيث كان والده لايزال يغط في نومه العميق.
أعطى الولد أمه صرة النقود.
سال الولد أمه " ماذا سنفعل بكل هذه النقود ؟
قالت الام : " تريث يا ابني ، بقي أمامنا الكثير لنفعله ، و ما هذه إلا
بداية لنغير حياتنا وحياة أبيك أيضا.
طلبت الأم من ابنها ان يذهب للسوق ويشيع خبرا مفاده ان ه شخصا شوهد
هاربا صباح اليوم ومعه صرة من النقود ، خرج بها من تلك البئر
المهجورة قرب منزلنا .
تناقل كل من في القرية الخبر وأضافوا عليه الكثير من الأحداث التي لم
تقل ، حتى أصبحت الإشاعة حكاية تناقلها أهل القرية والقرى المجاورة.
بعد فترة من الوقت استيقظ زهران من نومه متعبا طالب من زوجته ان تحضر
له الطعام قالت الزوجة : " ليس لدينا ما نأكله منذ ليله
البارحة " أجابها زهران : " أرسلي احد أبنائك للسوق ليشتري ما نأكله
"
أجابته : " لا أملك أية نقود " لنشترى الطعام ، قال :" حسنا خذي هذه
النقود التي ليس لدي غيرها وكنت ادخرها لوقت الحاجة وليس للتبذير .
قالت : " يارجل ، لم نأكل منذ يوم أمس و أنت تقدم لنا نصائح عن
الادخار."
سكت زهران ولم يجبها فانصرفت عنه و أرسلت ابنها الأخر ليشتري طعاما.
سال ابن زهران الأكبر امه :"هل نبدأ بتنفيذ الذي اتفقنا عليه ؟"
قالت الأم : "لنبدأ"
تساءلت الزوجة بصوت عال :" هل ما سمعته اليوم با بنيَّ حقيقي ؟ "
أجابها الابن : " نعم يا أمي ، سمعت الناس يقولون ان رجلا وجد صرة من
النقود في البئر المهجورة القريبة من منزلنا
قالت الأم :" وهل هي نقود كثيرة ؟ "
أجابها الابن : " نعم انها كثيرة ويقول الناس بالقرية انها للصوص الذين
سرقوا القافلة و أن هذه البئر مستودع لسرقاتهم الكثيرة .
سمع زهران الحديث فجن جنونه و صرخ متألما : " ياحسرتي لقد سرق مالي "
.
قالت زوجته متخابثة : "مالك ؟! أي مال تتحدث عنه و تتحسر من اجله ؟ "
هنا اخبر زهران زوجته وابنه الأكبر ماذا فعل بالمال الذي كان يدخره و
الذي أخفاه في البئر.
قالت له زوجته :" اذهب وتقصى الامر بالقرية ".
ذهب زهران الى ساحة القرية
قال له احدهم هل سمعت ماذا حصل ليلة البارحة؟ يقول الناس ان اللصوص
الذين نهبوا القافلة الاخيرة يخبئون االاموال التي سرقوها في ذلك البئر
المهجور الذي بقرب منزلك
قال زهران : لقد سمعت بذلك ,سال هذا وهذا لكن دون جدوى ,كل يروي له قصة
ورواية غير الاخرى حتى احتار من صدق.
عاد زهران لمنزله والحسرة والندم عل وجهه فقد ضيع ماله بنفسه و بغباء
منه .
لم يكلم احدا من أبنائه او حتى زوجته ، بل دخل غرفته واغلق الباب على
نفسه .
اتى المساء وظل زهران على حاله
حتى أنه رفض أن يتناول حتى الطعام.
في صباح اليوم التالي اصابت زهران حمى شديدة لازمته لأيام طويلة .
احضروا له الطبيب وسهروا الليل والنهار لجانبه دون تحسن ظاهر عليه ،و
أخذت حالته تتطور إلى الاسوأ .
حينها ادركت زوجة زهران انه ان بقي على هذه الحال سيفقد حياته وان هذا
المرض قد يسبب ضياع المال
طلبت الزوجة من ابنها ان يحضر المال المخبا
و ثم اخبرت زوجها بالقصة كلها ، حينها فرح زهران فرحا شديدا بذلك الخبر
.
بعد ذلك بايام بدأ يظهر تحسن واضح على صحته .
عندما شعر زهران أنه في حال أفضل طلب زهران من ابنائه و زوجته ان
يجلسوا لجانبه
قال زهران : " والله لقد علمت – بعد هذه المحنة - ان المال لايساوي
شيئا عندما يكون الانسان حريصا عليه اكثر من نفسه ، و ما اصابني إن هو
إل بسبب قله تدبيري و بخلي عليكم فسامحوني .
بعد ذلك تغيرت حياة زهران وعائلته فاصبح يوفر لأفراد عائلته كل ما
يحتاجونه ، و يساعد أهل القرية جميعا ، و فتح بيته للضيف والفقير و أخذ
يتصدق من ماله لمساعدة من يحتاج اليه ، حتى اصبح بكرمه القاصي والداني
.