كافكا يرتاد السينما
تأليف: هانز زيشلر

عرض ومناقشة: رشا المالح*
"من براغ إلى ميونيخ فباريس، سنوات من البحث
الشاق تكشف أسرار عشق كافكا للسينما
"
ذلك هو ما أورده فرانز كافكا في مذكراته، مما يعطينا لمحة عن القليل الذي
عرف عن حب كافكا للسينما. وفي كتاب «يرتاد كافكا السينما» الذي نناقشه هنا يكشف
المؤلف، هانز زيشلر، عن ملامح هذا الحب، وعن الأفلام التي كان لها تأثير قوي
على حياة كافكا وكتاباته. وقد تطلب هذا الكشف من المؤلف بحوثا ودراسات طويلة
أنجزها على مدى سنوات.
ونظرا لأن معظم مشاهدات كافكا للسينما كانت خلال رحلاته وسفره مع صديقه ماكس
برود قبل زواجه، فقد اضطر مؤلف كتابنا إلى السفر إلى موطن كافكا براغ، وإلى قسم
أرشيف الأفلام في ميونيخ ومن ثم إلى باريس، بحثاً عن الأفلام والملصقات
والأرشيف الخاص بالأفلام التي ذكرها كافكا في مذكراته. وقد نجح المؤلف في
العثور على مجموعة من الأفلام النادرة في أوروبا. كما نجح المؤلف، مدفوعاً بحبه
لكافكا وحرفته كمخرج وممثل، في تقديم كتاب حافل بالاكتشافات لعدد من الأفلام
الرائدة وأيضا للعديد من الأفلام السينمائية بالإضافة إلى وثائق من المقابلات
والمقالات التي نشرت عن تلك الأفلام في حينها.
يفتح كتاب زيشلر أمامنا نافذة نطل منها على الأفلام التي كاد يطويها النسيان
وكان يعتقد بأنها قد فقدت منذ زمن طويل. غير أن الأمر الأكثر تشويقا في الكتاب،
هو كافكا بحد ذاته، والذي اعتبر من الشخصيات التي تميزت على صعيد الإبداع
الأدبي. يظهر لنا هذا الكتاب الجانب الإنساني من كافكا، فهو شخصية مرحة، عاطفي
ويتحلى بفضول وعمق تفكير الكاتب. واكتشف كافكا في السينما مكاناً يخلد إليه
بحثاً عن المتعة والهروب من إيقاع الحياة الحديثة ووجد فيها أيضا فلتراً لتغيير
العالم من حوله.
كان مؤلف الكتاب، وهو ألماني الجنسية، ممثلاً ومخرجاً تلفزيونياً ومسرحياً يعمل
على فيلم وثائقي للتلفزيون عن حياة فرانز كافكا، حينما عثر بالمصادفة على بعض
رسائل الأديب التشيكي الأولية ومذكراته، وقد دون فيها انطباعاته وملاحظاته عن
الأفلام التي شاهدها.
وقد ألهم هذا الاكتشاف المؤلف في عام 1978 المبادرة إلى تأليف هذا الكتاب الشيق
الصادر عن مطبعة جامعة شيكاغو في عام 2003 ويضم 144 صفحة من القطع المتوسط.
والجدير بالذكر أن المؤلف لم يتمكن من العثور على الدليل الأول للأفلام التي
شاهدها كافكا وكتب عنها إلا في عام 1987 كما وجد صعوبة أيضا في العثور على نسخة
من الفيلم الفرنسي «محطم القلوب» والذي يتحدث عن الغريزة الحيوانية للإنسان
وتغلب عاطفة الإنسان عليها في النهاية. وقد أثار هذا الفيلم الذي عرض في عام
1913اهتماماً كبيراً في مختلف بلدان أوروبا، ولم يتبق منه سوى بضعة مشاهد مسجلة
على أشرطة كانت محفوظة في مخزن مختبر «السينماتيك فرانسيز» في باريس.
كافكا والسينما الصامتة
استدل المؤلف على فيلم «محطم القلوب» الذي أفرد له في كتابه فصلاً كاملا، من
خلال إحدى رسائل كافكا الموجهة إلى خطيبته فيلسيا، حيث يذكر لها أنه خلال
كتابته هذه الرسالة عادت أخته «أوتلا» من السينما، ودخلت غرفته لتحدثه عن قصة
ومشاهد فيلم «محطم القلوب» الذي استأثر باهتمام كافكا على الرغم أنه لم يروِ
فيليسيا أحداث الفيلم.
هذا التنويه المقتضب عن الفيلم في رسالة كافكا، كان بمثابة لحظة تنوير وإضافة
مهمة لسجل تاريخ السينما الصامتة. ومع وفاة كافكا في عام 1924، قبل ثلاثة أعوام
من ظهور السينما الناطقة، كانت نجومية وشهرة كبار الممثلين قد بدأت تخبو
باستثناء شارلي شابلن.
فالممثلة الشهيرة ليونتين مارد التي لعبت دور «أيدا بيانكا» راقصة الإيقاع في
فيلم «محطم القلوب»، أصبحت منسية تماما. وكذلك الممثل الألماني الشهير «البرت
باسرمان» الذي عرفه التاريخ كممثل مسرحي أبدع في دور شخصية «هاملت»، على الرغم
من أنه كان من أهم ممثلي السينما الصامتة، ولا سيما دوره في فيلم «الآخر» في
عام 1913 حيث جسد شخصية «شيزويد».
كما عثر المؤلف على مقال ورد في إحدى رسائل كافكا ونشره الممثل في مجلة بوهيميا.
ويبين الممثل في المقال الصعوبات التي يواجهها الممثلون خلال تعاملهم مع
السينما، إذ على الممثل السينمائي اتباع نسق آخر مختلف تماما عن أجواء التمثيل
على خشبة المسرح. فحركة الممثل في الفيلم تكون محكومة باللقطة السينمائية
ومحصورة بكادر عدسة الكاميرا، لذا فإن الحركة تكون محدودة مع الاعتماد على حركة
وتعابير العينين وتبسيط حركة الشفاه.
ويوضح باسرمان أن «سينما الدراما» تعتمد بصورة أساسية على الحركة وذلك يبدو
جلياً في الأفلام المتوفرة للسينما الصامتة.
وقد أثارت الملصقات والإعلانات الخاصة بالأفلام اهتمام كافكا الذي وصل إلى درجة
الشغف، فكانت عيناه تبحثان عنها في الطرقات والمحلات ويتابعها بناظريه خلال
ركوبه في الترام الذي يمر عبر محطات عديدة. وكافكا الذي لم يذهب إلى أميركا في
حياته، عرف عن ناطحات السحاب من خلال الأفلام وكانت مجرد رؤيتها تثير مخيلته.
وحينما عزم على كتابة روايته «أميركا» كانت في ذهنه صورة واضحة لمدينة نيويورك.
ويضم الكتاب العديد من الصور التي توثق تلك المرحلة التاريخية، مثل صورة مدخل
سينما باثيه في باريس وسينما بيو لوسيرنا في براغ بمدخلها الذي يتميز بمدرج
يضفي الكثير من الجمالية المعمارية والأكشاك الخاصة بالإعلانات في شوارع باريس،
وصورة البرت باسرمان في فيلم الآخر، وكافكا بقبعته المستديرة والتي التقطت له
في عام 1906 وشبه ابتسامة تعلو وجهه. وأيضا صور لبطاقات بريد تضم لقطات لمشاهد
من الأفلام الشهيرة، مثل صورة الممثلة روسكا في أدائها لشخصية «ديليا جيل» في
فيلم «الملكة» ولأسباب لا يعرفها سوى زيشلر، فإن الصورة الأخيرة في الكتاب
والتي تنتمي إلى ما بعد مرحلة السينما الصامتة وهي من فيلم مثله شارلي شابلن مع
بوليت جودات، وتصورهما وهما يسيران في اتجاه طريق المستقبل وقد أخذت بتاريخ
1936، والسر الذي يربطها بكتاب كافكا يبقى غامضا علينا.
وبحث المؤلف المعتمد على الصور أيضا وتتبعه لها في مراسلاته، رصد البدايات
الأولية لفن البانوراما والعروض المتألقة والعادية وغيرها مما ساعده على
توثيقها وتقديمها بصورة مدهشة من خلال ذكر كافكا لها.
ومما يسترعي الانتباه في هذا الكتاب الربط بين حياة الكاتب وأدبه وتاريخ
السينما الصامتة وتأثيرها عليه. وبغض النظر عن التأثير النفسي للسينما عليه،
فإن الأثر الجلي يكمن في استعارته للقطات أو أحداث من أفلام شاهدها أو من صور
للمطبوعات الإعلانية للأفلام أو مما روي له عنها، للمقاربة وترجمة أفكاره.
ويبدو تأثير السينما الصامتة عليه جلياً من خلال مقاربته الدائمة لعلاقته
بخطيبته فيليسيا بمشاهد من أفلام حضرها، وكذلك فيما يتعلق بأحداث واقعية كان
يمر بها والتي كانت إما تذكره بمشاهد من فيلم شاهده، أو تدفع تفكيره إلى حالة
التأمل واختلاط الواقع بالخيال.
أفلام استوقفت كافكا
يبدو تأثير السينما في المقاربة والمقارنة والمزج بين الواقع والسينما والخيال
في فكر كافكا واضحاً، في ذكره لفيلم «فتاة الرق الأبيض»س واستشهاده به في مواقف
تجسد هذا التداخل.
والفيلم يحكي قصة فتاة شابة بلا أي موارد مالية، اختطفت بمؤامرة خططت لها عجوز
تتاجر بالرقيق الأبيض، وساعدها في تنفيذها رجلان. وقد اختطفت الفتاة بعيداً عن
بلدها لتجبر على ممارسة البغاء في بلد غريب. وبعد بحث طويل ينجح خطيبها في
العثور عليها ويحررها منهم.
وقد هيمنت شخصية العجوز ذات النزعة السادية على فكر كافكا لمدة طويلة لتحل
محلها صورة الفتاة البريئة.
ويتجلى هذا التأثير من خلال رسائله إلى خطيبته فيليسيا، حيث يروي فيها قصة سفره
مع صديقه الحميم ماكس برود في أواخر شهر أغسطس 1911، واستمرت رحلتهما ما يقارب
الشهر، حيث بدأت من براغ ومن ثم ميونيخ، وبعدها زيوريخ، ليتجها إلى لوغانو ثم
وصولهما إلى ميلانو في 4 سبتمبر ومن ثم إلى لوزان وبعدها باريس، التي بقيا فيها
حتى 13 سبتمبر، ليعودا إلى بلدهما كل على حدة.
وفيما يلي وصف لتجربة مرا بها في ألمانيا كما دونها ماكس برود الذي كان بصحبة
كافكا: في بيلسن، تدخل فتاة شابة عربة الترام، وهي الآنسة أنجيلا ريبرجر، ابنة
أحد الضباط العسكريين. وتم التعارف بيننا نحن الثلاثة، بفضل علبة قبعتها الضخمة
والتي كانت تتأرجح وتلامس رأسي كل حين. وتحب تلك الشابة تجميع أوراق الشيكولاته
وماركات السيجار. وقد ركبت الترام متجهة إلى بلدة تراينت حيث يعيش والداها.
كانت أنجيلا تعمل طيلة النهار في مكتب فني، سعيدة وراضية عن حياتها، وتأخذ حبوب
الحديد منذ مرضها. وفي ميونيخ، ونحن نتجول في طرقات المدينة ليلاً والمطر ينهمر
بغزارة، كنا نشاهد ما يحيط بنا بارتفاع طابق واحد فقط، إذ أن هيكل السيارة كان
يحجب عنا بقية الرؤية كانت فرصة رائعة لتخيل العلو الشاهق للقصور والكنائس.
كأننا نطل عليها من سرداب أحد البيوت، كما يقول كافكا.
وخلال قيادة كافكا للسيارة وتخيله أنه يشاهد المدينة من عمق السرداب، وبتأثير
وقع المطر ودمدمة محرك السيارة، تأخذه مخيلته وأفكاره إلى المقاربة ما بين فتاة
المكتب وشخصية بطلة الفيلم «افتاة الرق الأبيض» التي تمثل الطهر والبراءة.
وتغني مذكراته هذا الجانب من خلال رسالة كافكا التي ورد فيها التالي: «المطر
يهمي ، ونحن نجوب الطرقات في السيارة منذ عشرين دقيقة، ومن نافذة السرداب يذكر
السائق أسماء مواقع نصف مرئية، ومع صرير العجلات على الاسفلت، تبدأ بكرات شريط
الفيلم السينمائي بالدوران، والشيء الأكثر تميزا هو نوافذ الفصول الأربعة
المكشوفة. وانعكاس إضاءة الشارع على الإسفلت المبلل لتوحي بأننا نعبر أحد
الأنهار».
بين الأدب والسينما
مقاربة أخرى من هذا القبيل تبدو في مسودة الجزء الأول لرواية «ريتشارد وصاموئيل»،
والتي بدأ كافكا وصديقه ماكس بتأليفها خلال رحلتهما تلك، وإن توقف المشروع عند
هذا الجزء. والعنوان الجزئي المقترح للرواية التي لم تكتمل «رحلة عبر مراكز
أوروبا». والقصة تمزج الواقع بالخيال، وكافكا الذي يمثل في الرواية شخصية
ريتشارد الطيب والتي تمثل الضمير الواعي والإحساس بالذنب، في حين يمثل ماكس
برود شخصية صاموئيل، الرجل الواثق من نفسه والذي يغوي النساء والذي ينتهي بأن
تنعكس الآية به ليصبح من يتعرض للغواية. ويذكر ماكس برود في ملاحظاته: «في
الواقع، إن الزي العسكري لا يستحوذ على إعجابها مطلقاً، والضباط بمختلف رتبهم
لا يعنون لها شيئا. وقد بدا ذلك من خلال سيرنا على ناصية محطة الترام، بعد
عودتنا من نزهتنا في السيارة حيث كانت تشعر بالانتعاش والحبور».
وبطلة قصتهما، التي أطلقا عليها اسم دورا، يصفها كافكا بما يلي، «تمتلك دورا ل.
وجنتان مستديرتان، مع شعر أشقر يحيط بهما. غير أن وجنتيها خاليتان من أي لون،
حتى أن عليك أن تضغط على إحدى الوجنتين ولمدة طويلة حتى تتلون ويشوبها شيء من
الحمرة. الجسد ضعيف، وقميصها يتجمع حول نفسه لدى محيط الصدر، مما يدعو إلى
تجاهل وجوده. وعلى الرغم من ذلك أطريتها ببعض كلمات المجاملة، فهي موسيقية وذلك
بحد ذاته يثير الإعجاب.
يبتسم صاموئيل ابتسامة عريضة، حينما تغني له دورا بصوت هامس وعلى الرغم من أن
غناءها لم يكن جيدا، إلا أنها تستحق الإعجاب لكونها فتاة عادية تعيش في مدينة
كبيرة وتحب الموسيقى من أعماقها.
يدرك صاموئيل الآن فقط، أن حالتها الصحية ليست على ما يرام، بل كانت مريضة جدا
لدرجة أنها رقدت في السرير لمدة طويلة، وذلك بسبب معاناتها من مرض فقر الدم،
والذي كان جليا بالنسبة لي منذ البداية. وتأخذ هذه الفتاة طبيعة حياتها في
المكتب مثل أي أمر آخر بخفة ومرح - وفي الحقيقة هذه الفتاة تأخذ الأمور بعفوية
وبساطة، تدفعانك إلى تكوين انطباع أولي مختلف عن حقيقتها.
لكنني بعد معرفتها، ، أدرك في أي وضع محزن هي. فأنا على سبيل المثال، مجبور على
تصورها في المكتب، بتنورة واسعة وطويلة لا تساعدها على الحركة، فعليها دوما لدى
جلوسها على الكرسي الخشبي أن تلملم مساحات القماش من حولها كي لا تعيق حركتها
طيلة ساعات عملها. وكيف لمؤخرتها المستديرة أن تلتصق طيلة هذا الزمن بخشب
الكرسي، وصدرها مضغوط دوما على حافة المكتب. ترى هل أبالغ في وصفي؟ لا أدرى سوى
أنني أرى عمل الفتاة في المكتب على هذه الصورة، وهو مشهد محزن بالنسبة لي.
وتتوالى أحداث قصة «ريتشارد وصاموئيل»، ليختار المؤلف هذا المقطع منها: «ويقنع
أو يفرض صاموئيل على دورا على الرغم من معارضتها الشديدة التي دعمتها بغزارة
المطر، باغتنام فرصة التوقف لمدة نصف ساعة في محطة ميونيخ للذهاب بنزهة حول
المدينة في السيارة.
وحينما يذهب صاموئيل لإحضار السيارة، تقول لي دورا وهي تمسك بذراعي، (أرجوك أن
تمنع هذه النزهة، لا أستطيع الذهاب معكما هذا أمر غير وارد، وأنا أقول لك ذلك
لأنني أثق بك يا ريتشارد، فمن المستحيل التحدث مع صديقك، إنه مجنون).
ركبنا السيارة، وكان الأمر بمجمله محرجاً بالنسبة لي، وقد ذكرني بمشهد من
الفيلم السينمائي (فتاة الرق الأبيض)، فنحن نمثل مشهد الفيلم في محطة الترام،
حينما تجبر الفتاة في ظلمة الليل على دخول سيارة مدفوعة من قبل رجال غرباء
لتؤخذ بعيدا وفيما كنت أشعر بتأنيب الضمير، كان صاموئيل يتمتع بمزاج رائق.
وهنا يبدو واضحا تأثر كافكا بهذا الفيلم ومقاربته له مع واقع الحياة من جهة
والرواية التي كان يشارك في كتابتها من جهة أخرى.
ويتابع كافكا سرد الرواية كمشاهد من فيلم سينمائي، «وبينما كانت تجوب السيارة
الطرقات، فإن الصمت الثقيل الذي التزمت به دورا الجالسة في الخلف هيمن علينا
جميعاً، أشعرني بخوف من حدوث انفجار ما في أية لحظة. وأخيرا سألها صاموئيل
بحيرة ولطف، (هل أنت غاضبة مني أيتها الآنسة؟ هل بدر مني ما أثار استياءك؟)،
فتجيبه دورا، (نظراً لكوني معكما الآن، فأنا لن أفسد عليكما متعة النزهة، غير
أنه لم يكن من اللائق أن تجبرني على الركوب. عندما أقول «لا» فأنا لا أقولها
بدون سبب، وهذا يعني أنني لم أكن أرغب في الذهاب».
ويسألها صاموئيل، (ولماذا ؟) فتجيبه، (لا أستطيع أن أقول لك ذلك، عليك أن تفهم
من نفسك، فليس من اللائق أن تذهب فتاة بصحبة رجلين لا تكاد تعرفهما في نزهة
ليلية بالسيارة كما أن للأمر جانباً آخر، لنفترض أنني كنت مرتبطة).
وهنا خمن كل منا باحترام صامت بأن هذا الأمر ربما مرتبط برجل ما ولم يكن في
وسعي في هذه الحالة، سوى أن أرفع من معنوياتها، فأنا في النهاية لا أسعى إلى أي
أمر شخصي. وهكذا فإن صاموئيل الذي عاملها منذ البداية بأسلوب الإغواء أحس
بالندم وباتت غايته الآن فقط التحدث عن معالم الأماكن المحيطة بهم.
ويتابع كافكا السرد ويعود إلى المقاربة مع السينما، حينما يصف مشهد عودتهم من
النزهة، «وتصل دورا إلى محطتها، حيث كانت في انتظارها امرأة متقدمة في السن،
مما أعاد إلى ذاكرة ريتشارد مشهد المرأة التي حاكت مؤامرة خطف الفتاة في الفيلم
السينمائي. أحس كافكا بأنه وصديقه كان يحميان تلك الشابة حتى لحظة تسليمها لتلك
المرأة».
ويتابع ماكس برود سرد نهاية القصة، «كانت العلاقة مع دورا فاشلة تماما، فمنذ
البداية كانت الأمور تزداد سوءا. كان هدفي هو التوقف في ميونيخ والبقاء فيها
حتى المساء، وكنت بصورة ما واثقا من نجاحي. حاولت التواصل مع ريتشارد من خلال
كلمات معدودة دونتها على قصاصة ورق، مررتها له بصورة لم تلحظها دورا. غير أن
ريتشارد لم يهتم بقراءتها، كان جل اهتمامه أن يبعد القصاصة عن ناظريه، وكانت
المحصلة لا شيء. فأنا لم تكن لدي تلك الرغبة التي شعرت بها قبل مصارحة الفتاة
لنا بأفكارها. كان ريتشارد وحده من أثار حولها تلك الأهمية، بحواراته المسهبة
والسارة معها. مما شجعها على التواصل معنا بألفة سخيفة، مما جعل الوضع في
السيارة لا يطاق. حين افترقنا ودعتنا دورا بصورة عاطفية محرجة، وكذلك ريتشاد
الذي حمل أمتعتها وتبعها. كان يتصرف وكأنها منحته دفقا من السعادة. كل ذلك
أشعرني بالإحراج والارتباك».
وفي إطار علاقة كافكا بمحبوبته وخطيبته فيليس ومراسلاتهما التي دامت ما يقارب
سبعة أعوام وأكثر، وفي عام 1913 بالتحديد، خلال الفترة التي كان يبثها حبه
وعاطفته اتجاهها، ووصفه لحالته بأنه كان ينتشل نفسه من غمرة انهماكه في الكتابة
ليخط لها بضعة كلمات ويضمها إلى صدره في مخيلته.
وأخيراً وبعد تردد طويل، يقرر كافكا بتاريخ 16 يوليو 1913 أن يعرض عليها الزواج.
وحينما يستلم ردها المختصر بكلمة «نعم»، يشعر بالنفور في داخله فيبعث إليها
برسالة يقول فيها، «أطلب الزواج، وأنا أشعر بوهن شديد، حتى أن ركبتاي ترتعشان
لدى قراءتي كلمة نعم في بطاقتك البريدية».
ويسعى كافكا بدافع رغبته غير الواعية للتمسك بالوحدة إلى تكليف أحد التحريين
للتجسس عليها وتقصي أخبارها كما اقترحت عليه والدته.
السينما ووحدة كافكا
وبدافع هذه الرغبة غير الواعية أيضا، كان انجذاب كافكا إلى السينما. ففي قاعة
السينما المظلمة كان ينفرد بنفسه في استغراق تام مع الفيلم. ويرد في مذكراته
قبل عام من عرضه الزواج على خطيبته، بأنه اقتلع نفسه من غمرة الكتابة ليذهب
لمشاهدة الفيلم السينمائي «ثيودور كونر»، وقد كرر ذلك عدة مرات خلال ذلك العام
سعيا لإغراق نفسه في اللامعنى فهو يذهب إلى السينما للنسيان، وليس هناك مكان
أكثر متعة من السينما.
وعودة إلى مرحلة كافكا ورفضه فكرة الزواج ومحاولاته المستمرة لجعل فيليسا ترفضه،
يرسل لها بطاقة بريدية تحمل مشهدا من فيلم «شهر العسل» يصور زوجين لحظة خروجهما
من أحد الفنادق والأصدقاء يحيطون بهما. وخلف الصورة يصارحها بما فعله بشأن
تكليف أحد التحريين للتجسس على حياتها عملا بمشورة والدته.
وبعد مضي أسبوع من مشاهدة كافكا لكل من فيلم «عبيد الذهب»، والذي يجسد دور
البطولة فيه رجل ثري ينفر من المجتمع ويفضل الحياة وحيدا مع مجموعة من زملائه
والنوم في خيمة في أحضان الطبيعة، وكذلك فيلم «كولييه فيفان» حيث تحاصر
الثعابين البطلة التي تشعر بالفزع ودنو الموت حينما يلتف أحد الثعابين حول
عنقها، وفي اللحظة الأخيرة تنجح مدربة الثعابين في إنقاذها من موت محقق، يرسل
كافكا رسالة إلى خطيبته يشرح فيها ما يعتمل في داخله تجاهها ويبدو جليا شعوره
القوي بالذنب:
«ها أنذا أتحول إلى أحد ثعابين فيلم «كولييه فيفان» التي تهدد حياة البطلة. أرى
نفسي مثل هذا الثعبان في المستقبل الذي لن يحمل أية سعادة لنا ألست مثالا على
ذلك؟ فرسائلي إليك خلال الأشهر الماضية كانت زاخرة بالسموم. ألا تشعرين
بالغثيان مني؟ أنا لست هنا ولست هناك. أما زلت غير قانعة يا فيليس ، بأنني يجب
أن أبقى أسير نفسي، إن كنت لا أحمل سوى التعاسة لك ولحياتك؟ ذلك كل ما يمكنني
أن أقدمه لك. أنا لست إنسانا، أنا قادر فقط على تعذيبك، وأنت حبي الأكبر..
الأحب إلى قلبي من كافة البشر لا أدري كيف أقول ذلك بقلب قاس وببرود مجحف أسألك
أن تسامحيني على تعذيبي لك.
مع كلمة «نعم» من فيليسيا، يتفاقم خوف كافكا من الزواج. وكان قبل عرضه عليها
الزواج بثلاثة أيام، قد بعث إليها برسالة يذكر فيها ما يلي، «هل تدركين ذلك يا
فيليس، ولو عن بعد؟ لدي شعور أكيد بأنني سأدمر زواجنا بذلك الرابط ، بتحويل
حبنا إلى شيء لا معنى له والذي سيجعلني».
ويتحاشى لقاء فيليس في شهر أغسطس وسبتمبر، ثم تسافر فيليس في إجازتها وكذلك هو.
ويذكر في إحدى رسائله إليها خلال سفره، «أتحرك بصعوبة بسبب اشتداد مرضي، أنا
حزين جدا ولكن من الجيد أن أكون وحيدا».
ولدى رؤيته لإحد ملصقات الأفلام التي تمثل مشهدا لعريسين، يعبر عن تأثير الصورة
على مشاعره في رسالة إلى صديقه ماكس برود، «أتوق لأن أكون وحيدا، إن فكرة شهر
العسل تصيبني بالرعب. مجرد فكرة انفراد الزوجين في شهر العسل، سواء كنت أنا أو
غيري تثير في داخلي الاشمئزاز. وإذا أردت أن أشعر بالغثيان يكفي أن أحمل نفسي
على إحاطة خصر امرأة بذراعي».
بعد مضي ستة أسابيع وصراع داخلي مرير، يقرر كافكا فسخ الخطوبة والتضحية بحبه
الكبير لفيليس حرصا على وحدته. غير أن التناقض يبدو واضحا حينما يمضي العام
الأخير من حياته في برلين بصحبة امرأة تدعى دورا ديامانت، حيث عاشا حياة مغرقة
في التواضع حتى وفاته.
يختم المؤلف كتابه بما ذكره فرانك بوكلمان «الذهاب إلى السينما، هو الاقتراب من
المألوف، بدافع الأمل في التحول. لا أحد يذهب إلى السينما ليصبح أكثر عاطفة، أو
أغنى تجربة وأوسع ثقافة، حتى وإن اعتقد ذلك. كل منا يرغب في حدوث معجزة له
ترفعه من أرض الواقع إننا ندخل مساحة عتمة السينما كدخولنا بعدا آخر يحقق لنا
رؤية إضافية موثوقة».
المحطة الأخيرة
في جميع الحالات تبقى العلاقة الأكثر ثباتا في حياة
«كافكا» هي تلك التي أقامها مع «دورا» الجميلة .. وكانت هي التي رافقته خلال
الأيام الأخيرة من حياته بعد أن كان مرض السل قد أنهكه.. وكان قد فقد قدرته على
التسلط .. وهو القائل: «ينبغي عدم السخرية من البطل وهو يترنح على خشبة المسرح
بعد أن أصيب بجرح قاتل إننا نمضي سنوات من حياتنا ونحن نرقص من الألم».
والتساؤل الذي يثيره الكتاب فينا بصورة غير مباشرة، ترى هل حقا أحب كافكا فيليس،
أم أنها كانت مجرد رمز أدبي في حياته؟ أم أن تأثره بالأفلام التي شاهدها انعكس
على علاقته بها؟ أم أنه كان مخلصا لوحدته إلا أن اشتداد وطأة المرض عليه وحاجته
لمن يعتني به دفعاه لخيانة وحدته والعيش مع دورا في آخر أيامه! سؤال يبقى
مفتوحا، كما هي الصورة الحديثة لشارلي شابلن في نهاية الكتاب.
===============
رشا المالح
rmaleh57@hotmail.com