الأدب1/ك

 صفحة الشاعر منير مزيد الخاصة 

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 


 


 

 

كأس التجلي 

    للشاعر الكوني الكبير منير مزيد

 

 

 

قراءة أدبية : غادة الأرنؤوط 

الحب و الشعر ايديولوجية و ابعاد

  

 

      كأس  التجلي  أروع و أهم القصائد الشعرية في تاريخ الشعر العالمي والإنساني قصيدة  للشاعر الكوني الكبير منير مزيد

 

القصيدة :

 

على هذهِ الأرضِ سماءٌ كاملةٌ ومنسيةْ

 أكبرُ من السماءِِ التي تحمِلُ بين كفَّيها الغسَقَ ..

في كلِّ صباحْ

تفتحُ شبابيكَ شهوَتِها لِطُيورِ الفِردَوسِ

كي تَمْلأَ الفراغَ بنَغماتِ الحُبِّ

 تَعْصرُ بُخورَ المُوسيقى من نهدِها المائِيِّ

 غيرَ آبهةٍ بِنزاعِ الحياةِ والموتِ .. .. 

في كلِّ مساءٍ

تسمَحُ لفراشةِ قلبي بأنْ تشرَبَ رحيقَها السماويَّ

 يفِرُّ شُعاعٌ غيرُ مرئيٍ مِن كلماتِيْ

يختَرِقُ الستارةَ السريَّةَ

حيثُ تؤدِّي لحَظاتُ الخَلقِ صلواتِها في معبَدِ الماءْ .. ..

آهٍ أيَّتُها السماءُ

لماذا يخافُ الأعمى مِن بُكاءِ الفِكرِ

و غِناءِ الجُرحْ ...؟

دعِيني أشرَبُ مِن كأسِ التجلِّي

نبيذَ الإلهامِ قطرةً قطرةْ .. ..

في ذاتي المُنتشِيةِ بالسِحرِ

رُوحٌ يُبلِّلُها دَمعُ التراتِيلِ

و حولي يطُوفُ الحُبُّ عارياً

يسعى بينَ النَهدِ و الزَهرةِ

 يُفتِّشُ عن ماءِ القَصيدة.. ..

على هذه الأرض سماء كاملة منسية

 

  من هنا انطلق في بحثي المتواضع هذا لسبر أغوار القصيدة و فك رموزها ، كما إنطلق الشاعر في قصيدته من هذه الرؤية الشعرية التي اختزلت كل القصيدة و شكلت المدخل الرئيسي الذي تدور في فلكه كل مقاطع القصيدة !

 

تقسم القصيدة إلى ستة أقسام :

 

 القسم الأول : الشعر (سماء الشاعر )

القسم الثاني : عالم السحر والخيال (الصباح )

القسم الثالث : الابداع وبدء التكوين ( المساء )

القسم الرابع : الواقع المرير (معاناة الشاعر )

القسم الخامس : الهروب من الواقع (كأس التجلي)

القسم السادس : الألوهية أو الخلق (ماء القصيدة )

 

تتجلى في النص رؤية شعرية خاصة أكبر من أن تستوعبها السماء التي تحمل الغسق ،فهي سماء اجتازت المكان والزمان لما فيها من دلالات وأبعاد معنوية ورمزية فمنها البداية والنهاية وإليها تحج الكلمات وتبتهل المعاني وترقى قدرة الشاعر على إبتكار الصور الشعرية وتسخير الرموز التي تضافرت جميعها لتشكل تناغماً لا مثيل له في القصيدة !

مسكينة هذه السماء المنسية !هذه السماء هي سماء الشعر والإبداع والسحر والخلق  وبدء عملية التكوين فهي سماءٌ لا حدود لها وكيف لا وأول التكوين كان منها وهي التي كانت خالية إلا من ذات الخالق و ذات الشاعر المتوحدة في سمائه "الشعر " المنسي ! وهنا تكمن المقابلة بين السماء التي تحمل الغسق "سماء الأرض " والسماء المنسية "الشاعر "التي بنى عليها فلسفته الشعرية في بدء التكوين والخلق والإبداع لما فيه من وجه الشبه بين السماءين ففي كلاهما تكمن الفردوس فسماء الشاعر تضم بين جناحيها عالماً من السحر والجمال حيث يسرح الخيال إلى ما وراء الحدود ،يفتح شبابيك شهوته لطيور الفردوس والحب والبخور والنغم كي تنبعث الحياة من نهدها نقية من كل شوائب الحياة ونزاعاتها الدنيوية والمادية في إستحضار رائع لقصة بدء التكوين ونزاع "هابيل وقابيل " حيث قضى كل منهما على الأخر بسبب الطمع والجشع ، هذا هو عالم الدنيا أما عالم الشاعر فهو مختلف تماما و مترفع و منزه من كل ما هو دنيوي فهو سماء "غير أبهة بنزاع الموت والحياة "  تسمو بذات الشاعر إلى مرحلة الإبداع وبدء التكوين والتي تتجلى معالمه في المساء وهنا توظيف للرموز في ما يتناسب مع عملية الإبداع والتكوين.

إختار الشاعر المساء لتتم فيه عملية الإبداع لما تطلبه من سكينة وهدوء كما يسكن كل شيء في الأرض ما عدا السماء ومكنوناتها التي تسبح الخالق في خشوع ،وما الفراشة إلا عصارة روح الشاعر الإبداعية وبنات أفكاره التي تغازله ليلاً فتكون له الإلهام والوحي وتمده بالطاقة الخيالية لخلق صوره الشعرية لتكون القصيدة فيقول :"يفر شعاع غير مرئي من كلماتي يخترق الستارة السرية " وهي ذات الشعر التي تؤدي "لحظات الخلق "الإبداع و بدء التكوين " "صلواتها في معبد الماء " الشعر .. تتجلى في هذه الصورة الشعرية مخزون الشاعر الثقافي حيث سخر رمز معبد الماء " ببراعة فائقة وذلك إشارة إلى طقوس ومعتقدات دينية عند شعوب عدة ( في الأساطير البابلية والفرعونية والأغريقية وفي ديانات الهندوسية والمسيحية والإسلامية ) فالماء بمدلوله الغاوي والرمزي وهو رمز النقاء والطهارة والصفاء والقداسة وهو أيضا عنصر من عناصر الحياة الأربعة ولهذا تم توظيفه في هذا المقطع ،مقطع عملية الخلق أو الإبداع وبدء التكوين فالماء رمز البعث والقداسة ..

ثم يأخذ النص ينحو منحاً آخر حيث تخفت وتيرته التصاعدية نتيجة صدمة الشاعر و ارتطامه بأرض الواقع المرير فتظهر معاناته النفسية و ذاته الإبداعية جراء الجهل والظلم ونكران هذه "السماء "الشعر وعالمه الإبداعي نجده يطلق تنهيدة متأوهة متسائلة تجلت فيها رؤية الشاعر ومفهومه للشعر ، هذا الشعر الذي يعاني من ظلم الجاهلين والحاقدين الذين ختم على أبصارهم وبصيرتهم فغدو لا يرون هذا العالم الساحر النابض بالحياة والحب والإبداع ..

مما دفع بالشاعر للهروب من هذا الواقع إلى سمائه "الإبداع والشعر " حباً و شغفاً فيها طالباً منها أن تسقيه من "كأس التجلي "ليرتقي بنفسه إلى قمة النشوة بفعل نبيذ الإلهام والوحي ويستمر النص في الإرتقاء التصاعدي حيث يحشد الشاعر كل طاقته الشعرية والإبداعية وإستجلاب الرموز والصور ذات دلالات فلسفية ولاهوتية ليرقى إلى مرحلة الألوهية فتندمج ذات الشاعر بذات الفادي فهي ذاتٌ نقية مسلوخة عن شوائب الحياة منتشية بعالم السحر وروحٌ مبللة بدمع التراتيل ..

مرةً ثانية هناك تناص ومقاربة بين روح الشعر ووظيفته "المحبة " وتفاني الشاعر فيها ورسالة المسيح التي دعت إلى المحبة وتفانى لأجلها . والمعاناة عينها جراء من كفروا بالديانة المسيح الجديدة و روح الشاعر تعاني من كفر الجاهلين بديانة الشعر و ابتهالاته ولجوء كل منهما الى سمائه التي يطمح اليها , سماء طاهرة تقية ونقية حيث الفردوس فيها...! 

 

أي سمو هذا وأي هالة قدسية للشعر هذه..؟!!

 

فقد ألبسه الشاعر عباءة النبؤة والقداسة فغدا إلها يطوف حوله الحب في طقوس دينية تستحضر طقوس الحج عند المسلمين وطوفان الحجاج حول الكعبة وسعيهم بين الصفا والمروة تقليداً لسعي السيدة هاجر زوجة أبي الأنبياء "إبراهيم " عليه السلام ..

 

  يقول الشاعر :

 

و حولي يطُوفُ الحُبُّ عارياً

يسعى بينَ النَهدِ و الزَهرةِ

 يُفتِّشُ عن ماءِ القَصيدة.. ..

 

     يكون في ذلك قد خرج الشاعر عن ما هو مألوف وتقليدي في مفهوم الشعر فقلب المعاير المتعارف عليها ثار على المقايس بطرح نظرية فلسفية جديدة تجلت في سعي الحب وبحثه عن الشعر وليس العكس وبذلك تكون القصيدة قد دارت في حلقة دائرية مقفلة حيث انتهت عند ماء القصيدة "الشعر " والشعر ليس إلا عالم الإبداع والخلق وهو سماء الشاعر الذي يتوق إليها هذه السماء المنسية التي إنطلق منها الشاعر وسخر كل رموزها في خدمة معانيها ودلالتها السماوية واللاهوتية فأتت المفردات المستخدمة في النص منسجمة متناغمة والمعنى حيث شعرنا ب تأوه الشاعر ب لفظة المنسية بتسكين التاء طائعة مبتهلة في سماء الشعر وفردوسه فهي سماء تفتح شبابيكها عند الصباح على الحب والجمال فكثرت المفردات اللغوية الدالة على الفردوس " طيور -بخور - موسيقى - نغمات - نهدها المائي -شهوة ، " كما أن توظيف وإختيار وقت الصباح له دلاته على الحركة والحياة وجمال الطبيعة في هذا الوقت وما يختزنه العقل في النهار يفرغه إبداعاً وخلقاً عند المساء بفعل قوة الخيال والسحر والحب " فراشة قلبي - شعاع - ستار سري - معبد ماء -رحيق سماوي

    كما أن تسكين التاء في لفظة "منسية " في المقطع الاول وفي لفظة الجرح " والبكاء في المطع الثالث " وفي لفظة قطرة والدمع "لدليل على لوعة الشاعر ومعاناته كما أتت لفظة "آه " تأكيدا على حزنه وتعبه وكنت قد أشرت سالفاً إلى صدمة الشاعر بالواقع المرير ونفوره منه ولجوئه

و تعطشه إلى عالمه الخاص علم الإبداع والنقاء  وما تضافر المفردات اللاهوتية والآفعال في المقطع الرابع الاّ توكيد لفلسفة الشاعر حول الحب وعلاقته بالشعر وقدسيته :"التراتيل _يطوف - عاريا - يسعى _يفتش _ماء "  ..

      أخيراً لا يسعني إلا القول بعد ما تبين نجاح القصيدة في ترابطها وتسلسل أفكارها وتماسكها مضموناً وأسلوباً وإيقاعاً وبراعة الشعر ( منير مزيد) في تسخير الرموز وإستجلاب الصور الشعرية التي أضفت على النص رونقاً وجمالاً إتقت فيها إلى حد السحر والقداسة  وحشد من الاستعارات و الانزيحات اللغوية / شبابيك شهوتها / بخور الموسيقى /  نهدها المائي / فراشة قلبي / شعاع غير مرئي /  معبد الماء / بكاء الفكر /  غناء الجرح / كأس التجلي / نبيذ الإلهام / دمع التراتيل كما أن طرح فلسفته الجديدة في مفهوم الشعر وارتباطه بالإنفعالات الشعورية "الحب" جعله أول شاعر يعرض على هذه المسألة ويناقشها بهذه الطريقة التي لم يسبقه عليها أحد من الشعراء مما جعل من هذه القصيدة واحدة من أروع وأهم القصائد الشعرية في تاريخ الشعر العالمي والإنساني...

غادة أرناؤوط – سوريه/كندا . منتريال

كاتبة وإعلامية