الأدب 1/ح

ضيوف "العربي الحر"

   كاتب و كتاب

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

بثينة العيسى في  قيس وليلى والذئب

شجرةٌ أخرى للحكاية

قراءة و عرض : فهد توفيق الهندال


    «هناك (وجدان) وهناك (عقل باطن). فالوجدان هو (ما نجد)، و(العقل الباطن) هو الباقي في روحنا من آثار الغاب والوحشية (فرويد) ».

    غالبا ما يكون طرف المعادلة بين الواقع والحلم مواز لمفتتح المقال، فالعالم يرزح تحت وطأة الألم وحدود القهر، والحلم يرسم لقاطنيه الأمل وفضاء النظر. فالأحلام تصنف على أنها الجانب المكبوت من رغبات الواقع في العقل الباطن، وأنها ــ اي الأحلام ــ تحقيق الرغبة كما يرى فرويد الذي خصص كتابا ضخما عن الأحلام وتفسيرها سيكولوجيا. ولأن الأحلام فضاؤها العقل الباطن، لماذا يرى فرويد هذا الفضاء مرتبطا بما خلفه الواقع من آثار ماض كئيب كما الغاب والوحشية؟ هل مرد ذلك لأن الأحلام خزانة ألم الواقع التي تخزن أسمال التجارب السابقة وتخبئ ملابس الغد المنتظر؟!

بمجرد أن يقع كتابها «قيس وليلى والذئب»، تفكر طويلا بهذا السؤال.

ثلاثة كائنات

هل جاء غلاف النصوص الخارجي والمكون من ثلاثة كائنات «ذئب وفتاة ذات رداء أحمر وثالث تماهت ملامحه» محض صدفة من قبل الكاتبة بثينة العيسى؟ الذئب جاء أبيض الشكل محايد الدلالة، والفتاة تتدثر برداء أحمر يشي المحظور أو التوقف القسري مرارا، والثالث جاءت ملامحه رمادية غير ناطقة صراحة بما يتضمنه كائنها. اللافت، أن عيون الثلاثة، جاءت مفارقة شكلا وايحاء، فالذئب عيونه يقظة، والثالث مبهمة، والفتاة وحدها فضلت غلقهما من دون أن يعني ذلك نعاسا، أو حتى بالضرورة خوفا أو حلما!

لنربط عيون الكائنات الثلاثة بعين الجدة في أول مفتتح النص:

«عادت الجدة إلى السرير، وغادر الصياد حاملا جثة الذئب على ظهره، وجلست ليلى على طرف السرير تحتضن يدي الجدة وتتملى في وجهها.. لاحظت ليلى أن عين جدتها ذابلة ونظرها واهن، وأن يدها متعرقة وضعيفة، بالكاد تقوى على احتضانها، وأن فمها خاو ومجعّد مثل مغارة باردة، وأن أذنها عاجزة عن سماعها إلا بالصراخ، وأن وجهها الطيب شاحب ومجعد وموجوع. فتمنت ليلى ــ سرا ــ لو أن جدتها تستطيع سماعها، ورؤيتها، واحتضانها، وتقبيلها و..
تمنت ليلى سرا لو أن جدتها كانت ذئبا!».

هذه الملامح الدقيقة للجدة، ما كانت إلا لتُخرج ليلى من سرد وحكايا الجدة قبل النوم، وقد أثقلها الزمن بكل تفاصيله، فبات المكان بحاجة لرؤية جديدة تخرج فيه عن نص حكاياتنا الشعبية وموروثنا المحفوظ عن ظهر قلب لا عقل. وما تمنت ليلى أن يأكل الذئب جدتها الحنون، إلا رغبة في أن تكتب هي الآن تفاصيل حكاية أخرى، برواية لسان حاضرها، وإن استدعى من الماضي لغته وشخوصه ولكن بخطاب مختلف جدا. لا يتحمل ضعفا في سارده أو صاحب روايته، بل جرأة في تغيير إرث سابق بلحظة حدث لاحق.

تسأل ليلى جدتها في نص عنوانه «جدوى»:
• «لماذا يدك ضعيفة وهزيلة يا جدتي ؟
ـــ لأنني عجوز.
• ولماذا عينك ضعيفة وصغيرة يا جدتي؟
ـــ لأنني عجوز.
• ولماذا فمك بلا أسنان يا جدتي؟
ـــ لأنني عجوز»

مخيلتنا الصغيرة

الأسئلة ذاتها في مخيلتنا الصغيرة عن حكاية ليلى وجدتها، إلا أن الأجوبة مغايرة عن زمنها ذاك والمتوقع بحسب سيرتها الأولى، واكتفـت الجدة بتبرير واحد عن ضعف حواسها وحدسها، وهو: لأنني عجوز!
فما كان من ليلى أن تستشعر بأسى «عدم جدوى» جدتها في عالم الغابة: «ما نفع الحياة لشخص عجوز، ألم يكن أفضل .. لو أن الذئب أكل الجدة ؟!».

ولكن هل فعلا لا جدوى من ذلك؟ تخطى ليلى أولى معابر الحلم في طريقها نحو الغابة الأخرى مصنع العجائز وقد علق في ذهنها خبرُ مبتدأ حديثها مع جدتها: «ألا يخيفك شيء، لا التجاعيد ولا الذئاب .. تلك هي الشيخوخة!».
وتمضي بثينة العيسى مع ليلاها تستعيد من الطفولة أحلامها الموحشة في هذه الغابة، فتتداعى من وعي الذات حكاية «سنو وايت» والأقزام المتخوفون من عالم لا يحفل اليوم بالقبح ولا الجمال، ثم تبدّل بين مواقع الذكورة والأنوثة في قصة الأميرة والضفدع، وأن القبلة السحرية لها أيضا مضاعفاتها العكسية سلبا، وأن سحر العلاقة بين الجميلة والوحش هي سر بقائها جميلة في كتب الأطفال فقط، وأن الشر ليس بالضرورة سبب الخطئية مع العنزات والذئب، وقد يحمل سام في كيانه ماردا طماعا، جشعا هائلا أكبر من عالم العمالقة البشع أعلى شجرة الفاصوليا. ليختم الحلم الأول بسندريلا، وقد توحش عليها الزمن الجديد للحكاية. وما كان لهذه التحولات في خطاب هذه النصوص، إلا انعكاسا لما أشارت إليه الكاتبة قبل سرد أحلام الحكاية الأولى «حروف مخلوعة من جسد الحكاية»:
«.. ربما سيكون للحكاية وقتها وقعٌ آخر».

وربما أرادت فعلا بثينة العيسى أن تكتب الماضي برواية اليوم، حكاية أخرى للغد.

 فهد توفيق الهندال - الكويت