قول على قول
مقال :

محمد باقي محمد*

بين
الآونة والآخرى يُطرح سؤال إشكاليّ على صيغة تسليم ، أنّ تفصيل -
مثلاً - الناقد هو كذا وكذا ، وذلك بدلالة ما جاء عليه القاضي عبد
القاهر الجرجاني أو ابن قدامة ، تساؤل كهذا يطرح أسئلة أسئلة
مُقلقة ذات شجون ، أقلّها أنّه يتجاوز التاريخيّ ، الذي يذهب جهات
الإقرار الممضّ بأنّنا لم نعد مركز الحضارة العالمية ، الذي مثلناه
خير تمثيل في العصر الوسيط ، وهو يشهد تشكّل الدولة الإسلاميّة في
مراحلها المختلفة ، في هذه المرحلة تأسّس إنجاز العرب المسلمين في
النقد على يد غير ناقد كابن قدامة وابن جعفر وعبد القاهر الجرجاني
والآمدي ، وتسرّب إلى غير موضع ، في تفصيل علاقة القويّ بالضعيف ،
المُعبّر عنها بالتماهي ، كما جاء عليه ابن خلدون ، عالم الاجتماع
المعروف ، ولا نظنّ بأن ثمّة حاجة للإشارة إلى أنّنا كنّا ذلك
القويّ في تصديره للمصطلح أو ما ينبثق عنه من متون إلى الآخر ،
إلاّ أنّ المعطيات تبدّلت ، ذلك أنّ المنطقة عندما أفاقت - بوساطة
الاحتكاك بالأوروبيّ - على أعتاب العصر الحديث ، عبر حملة نابليون
على مصر وسورية ربّما ، أو عبر الحملات التبشيريّة ، فالدور الذي
لعبه رواد النهضة من أمثال بطرس البستاني أو ناصيف اليازجي ، ثمّ
استقلال المشرق العربي غبّّ ثورة الشريف حسين بن عليّ ، تفاجأت
بحجم الفوات المُذهل الذي يفصلها عن مركز الحضارة الذي كان قد
انتقل نحو الغرب الأوروبيّ !
هي لم تعد مُنتجة للفلسفة - إذن- أو للعلوم والصنائع ،
وبالتالي فنحن اليوم نشتغل بدلالة نظرية أدب غربية ، كتلك التي
أنجزها رينيه ويليك مثلاً ، ولا نبعد في اشتغالنا النقديّ عن
منظومة النقد الغربية ، تلك التي تنضوي على أسماء عديدة ككلود ليفي
شتراوس أو جورج لوكاتش أو تزفتان تودوروف أو جاك دريدا أو رولان
بارت أو نورثروب فراي أو جيرار جينيت أو - حتى - ادوارد سعيد ذي
الانتماء الإشكاليّ !
وقد تحيلنا أسئلة كهذه إلى المُشكل في علاقتنا بالتراث ، إذْ
سيتبادر إلى الذهن سياقان في هذا الاتجاه ، الأوّل يُعيدنا إلى ابن
خلدون في تفصيله لعلاقة القويّ بالضعيف ، وهذا يفسّر اشتغالنا
الأدبيّ عموماً ، والنقديّ على وجه التخصيص بدلالة المُنجز الغربيّ
، في عودة إلى مفهوم التماهيّ ، التماهي بالقويّ ، بعد أن انقلبت
الآية ، ذلك أنّنا اليوم لم نعد ذلك القويّ المُقلّد ، بل أضحينا
الضعيف الذي يتماهى بالآخر ! والثاني يطرح أسئلته المقلقات حول
علاقتنا - كأمة لا تقرأ - بالتراث ، إذْ أنّ القول بقطع معرفيّ -
على هذا المستوى - قد لا يكون دقيقاً تماماً ، إلاّ أنّه - ومن كلّ
بدّ - وارد ، وعليه قد نتساءل أن هل نحن أبناء شرعيون أو غير
شرعيّين للغربي في نظرياته الفلسفيّة أو الأدبيّة ، ناهيك عن
تطبيقاته في مجالات العلوم والصنائع ، أم أنّنا أبناء شرعيّون أو
غير شرعيّين لنثر الجاحظ في بيانه وتبيينه ونقد الجرجاني وفلسفة
الفارابي أو ابن سينا !؟ وهل لنا أن نجمع هذا إلى ذاك بعيداً عن
التلفيق المُصطنع ، أو التوفيق بين قديم كان له ظروفه المُنتجة ،
وحديث اختلفت مناخاته عن ذاك أيّما اختلاف !؟ ذلك أنّه لا يمكننا -
في هذا الجانب - أن ننسى حجم التبدّل الذي طال السلسلة الثقافية
العربية التقليدية ، التي كانت تنهض على الشعر كعمود فقريّ لها ،
ليجتمع إلى فنّ السير - سيرة سيف بن ذي يزن أو عنترة بن شداد أو
الزير سالم أو سيرة بني هلال أو تغريبتهم جهات تونس - والخطابة
وفنّ التراسل - كما عند الوزير عبد الحميد الكاتب - والنثر الفني
في نماذجه الرفيعة ، التي ألفناها عند الجاحظ والتوحيدي وابن
المقفع أوفي درة النثر العربي " ألف ليلة وليلة " ، وأدب الرحلات
الجغرافية - ابن بطوطة - والمقامة كما جاءت عند الهمذاني أو
الحريري ! ذلك أنّ المنطقة في استيقاظها بعد عصور من الانحطاط ،
التي انتهت بالاحتلال العثماني ، تفاجأت بكسر تلك السلسلة ، لتغيب
عنها جلّ حلقاتها ، فلم يتبق لها إلاّ الشعر ، وانضافت إليه أجناس
أدبيّة جديدة تمثلت بالقصة القصيرة الفنيّة والرواية والمسرح
مُستجلبة من الغرب على عجل ، ما يطرح أسئلة أخرى ، أن هل للأدوات
التي اشتغل عليها القدامى كالجرجاني أن تلبّي احتياجاتنا النقديّة
!؟ وكيف لها أن تتصدّى بالتفكيك والتحليل فالاستنتاج لأجناس لم يكن
إذاك لها وجود !؟ وكيف لنا بالمُقابل أن ننجو من فخّ التغريب !؟
أيُمكننا - على سبيل التمثيل - أن نصوغ تلك الأدوات مع المُنجز
الغربيّ في توليف أصيل ، بعيداً عن التلفيق وأوهام المغايرة أو
المُماثلة مع هذا الغربيّ ، أو حتى أوهام الزمنيّة مثلاً !؟
إذن هي أسئلة مُشرعة على الشكّ والفضول المعرفيَيْن ، لا
لافتعال معارك أدبيّة أو فكريّة افتقدناها زماناً ، ولكن للتأسيس
لاشتغال نقديّ مُبتكر ، هذا كله بعيداً عن أيّ ادعاء بامتلاك أجوبة
جاهزة لمسئل إشكاليّة أساساً ، ما اقتضى التنويه !
==============
*محمد باقي محمد
- سورية