قصة بقلم : نجلاء محمود محرم

استيقظ..
ففوجئ بها واقفة
إلى جواره تبتسم مدعية الحنان.. لما رأت الفزع في عينيه مسحت بيدها الثلجية على
رأسه وسألته..
"هل يفزع أحد من
أمه؟"
نزل من فراشه.. عيناه مثبتتان على أمه الجديدة.. ذات الطراز البراق.. انتعل
نعليه.. هرول خارج حجرته باحثا عن أمه ذات الثوب المهترئ الباهت..
البيت الكبير امتلأ بالناس.. ألوانهم كثيرة.. أطوالهم متفاوتة عيونهم فزعة..
يهرولون هنا وهناك بحثا عن أمهاتهم الطيبات.. فلا يجدون إلا الأخرى ذات الطراز
البراق..
يوم جاءت الكاذبة.. ضاعت الأمهات.. ترى أين ذهبت بهن؟
لما اكتشفوا أن أمهاتهم تحولن إلى خادمات لدى الكاذبة.. ثاروا.. وتوعدوا.. لكن
بصوت خفيض.. فلو سمعتهم الكاذبة ستغضب.. ولو غضبت فلا خبز ولا ماء ولا دواء..
"سننتقم.. لكن
دون أن نغضب الكاذبة"
وتسمعهم الكاذبة فتبتسم في استخفاف وتحدث نفسها "قولوا ما شئتم مادامت أمهاتكم
مازلن خادماتى"
الخادمات لم يعدن يُثرن عواطف الأبناء الذين اعتادوا أن يروا أمهاتهم خادمات..
ومثلما تشرق الشمس.. وتلسع النار.. ويزقزق العصفور.. فهؤلاء خادمات!
لكن ذا الشارب.. لم يعتد الأمر.. ظل حنينه إلى الماضى ودفء البيت القديم.. يؤجج
مشاعره.. أخفى أعواد الثقاب تحت سريره.. وإلى جوارها عيدان الحطب.. وأمل الحرية
يجعله أكثر حماسا في عصر الزيتون ليجلب قطرات الزيت 0 ولما اكتملت الخطة.. ولم
يبق إلا إشعال النار فى حزمة الحطب الملطخة بالزيت وقذفها في وجه الكاذبة..
فوجئ بالنيران تشتعل تحت فراشه 0
وبالكاذبة تصرخ في سكان الدار.. أن يبتهجوا.. فقد أنجتهم من الخائن الذى خطط
لهلاكهم.. صفعوه وركلوه.. ومع كل صفعة أو ركلة ينظرون للأم مستطلعين مدى رضاها
عنهم..
تسلسلت الأعناق فى قيد الأم.. أصبحت تسحب كل سكان الدار أينما ذهبت.. وهم
يهرولون خلفها على أيديهم وأرجلهم.. وإذا تباطأ أحدهم تلقيه بشعاع حارق من
عينها الحمراء يحرقه ويحرق من حوله.. الجميع يدفع الجميع وراءها.. وإذا حكمت
على أحدهم بالموت جوعا أو ذبحا.. لا أحد يسأل.. ما عادوا يتحدثون.. لم تعد
تهمهم الأسباب.. الكل يفر إليها من الموت!
يقفون كَقِطَعِ الشطرنج.. تمد يدها.. تحركهم.. تقدمهم.. تؤخرهم.. أو تقتلهم..
هى تلهو؟ ربما! وهم ينتحرون؟ ربما!! لماذا لايهربون من رقعة الشطرنج؟! هل أصبحت
حقا بلا نهاية؟
الأم صارت بلا
أبعاد..
ممتدة من أقصى اليمين الذى لم يعرف بعد.. الى أقصى اليسار الذى لم يعرف بعد
أيضا.. طولها لا نهائى.. الأم صارت فى كل الأنحاء..
ماذا تفعل
قِطَعُ الشطرنج.. غير أن تنام على مربعاتها السوداء أو البيضاء.. وتحلم كل يوم
أنها تقتل الأم؟

نجلاء محمود محرم
- مصر
naglaamehrem@naglaamehrem.net
naglaamehrem@yahoo.com