
ميسون الأسدي*
قام
المختار بتعيينه حارسا لديوانه، وهي مهنة لم تكن قائمة أساسا، تم ارتجالها
خدمة لمنير ولما يقدمه لأهل بلدته.
لا أعرف كيف أنجو من تعليقات زوجي الساخرة، فكلما أنجزت عملا وكان الفشل
نصيبه، على الفور يطلق سخرية ما، وفي أغلب الأحيان كانت تأتي هذه السخرية
على شكل مثل أو قصة أو طرفة.
لا أنكر، أنني كنت استمتع في تحليله الساخر، لدرجة أحيانا أنسى الفشل الذي
ارتكبته. جملة واحدة كان يرددها دائما "الله يرحمك يا منير" ولا أستطيع
سؤاله عنها. فأنا أتميز بقلة الصبر والتعجل في الأمور، وافتقر إلى سكينة
النفس، ودائما مضطربة، ابتغي النهاية دون الدخول للتفاصيل الصغيرة والمملة
مما يؤدي إلى فشل العديد من الأمور، ويبرز ذلك جليا في المأكولات التي
أعدها، وعلى سبيل المثال عندما أصنع طبقا من سلطة الخضروات تخرج معي القطع
كبيرة وغير متناسقة، وينقص السلطة عنصر مهم: الملح مرة، والليمون أو زيت
الزيتون مرة أخرى، وما إلى ذلك. أو عندما أطبخ الأرز، دائما تشعر بحباته
صلبة بين أسنانك، على عكس ما هو مطلوب منها، أن تكون لزجة وطرية تأكلها دون
أن تشعر بها، وفي كل مرة عندما يتناول طعامي هذا، كان يبتسم ساخرا ويقول:
"الله يرحمك يا منير" وكنت أقرأ في عينيه امتعاضه ولا أحاول تفسير ذلك.
مرة، أعددت وجبة فاخرة وكنت فخورة بما صنعت يداي، فوضبت المائدة بشكل جميل،
وفرشت عليها ملاءة - لا أستعملها إلا في المناسبات الخاصة - وأنزلت الأطباق
الجميلة من الخزانة وكؤوس الكريستال المعدّة لضيوف مميزين، ونثرت الشموع
هنا وهناك وأشعلت بعض العيدان البخارية، احتفالا بمرور عام على زواجنا، فما
زلنا نلعق من عسل الزوجية. وأوشكت العبرات أن تطفر من عيني لرومانسية ما
أعددت.
عاد زوجي متأخرا، وفي الجو نسمات ليلية منعشة، والسماء صافية والقمر يطل
بمسائه على طاولة الطعام لتشع لمعانا، وكان الجوع قد أخذ منه مأربا، دخل
إلى البيت قبلني وقال لي: ما هذه الرائحة الطيبة؟
فقلت له: إنه عطر فرنسي تطيّبت به من أجلك؟
فابتسم وقال: أقصد رائحة الطعام؟
ابتسمت بدوري وقلت له: يبدو أنك جائع. هيا إلى المائدة. هاك طعامي تذوقه،
إبدأ بالأكل قبلي، ريثما أسكب لك النبيذ الأحمر المعتق من زجاجة أحضرها
شقيقك بمناسبة حفلة زواجنا قبل عام.
وبمجرد تناوله للقمة الأولى، لاح عليه القلق فجأة، وقال ساخرا وهو يبتسم:
"الله يرحمك يا منير". واستمر بالأكل. بادلته البسمة وجلست لآكل معه وعندما
أدخلت اللقمة الأولى إلى فمي وبدأت بمضغها شعرت بطعمها السيئ، وأسرعت إلى
سلة المهملات وبصقتها، وعرفت أنني أفسدت الأكل بشكل ما، فقلت له متأسفة
وخجلة: "آه، يا ربي، يبدو أنني أخطأت مرة أخرى في المقادير. أنا آسفة. فقال
لي: ألم أقل لك "الله يرحمك يا منير!" وأضاف ليخفف عني: دعك من الطعام وهذه
الأطايب التي صنعتيها وتعالي نستمتع بشرب النبيذ الروسي.
ارتشفنا قليلا من النبيذ وقلت له: ما هي قصة "منير" هذا الذي تترحم عليه
دائما؟
فقال: هذه قصة رواها لي أبي. حدثت في زمن الانتداب الإنجليزي. كان لأبي،
ابن عم يدعى منير وكان منير هذا معروفا في بلدتهم الصغيرة، بأنه يحب فعل
الخير ومساعدة الآخرين، لكنه اشتهر أكثر بكسله، وبقلة خواصه فهو لم يحب
العمل الجسماني وكان دائما يبتعد عن العمل الشاق، لدرجة أنه استطاع أن يقنع
إمام المسجد بأنه مصاب بمرض ما يمنعه من السجود والركوع أثناء الصلاة،
فاقترح عليه الإمام أن يؤدي الصلاة وهو جالس على كرسي في الجامع معللا ذلك:
"إنما الأعمال بالنيات. ونيتك يا بني صافية، فأنت تريد الصلاة ولكنك لا
تستطيع"..
ضحك جميع المصلين في سرهم، فهم يعرفون "منير" وقلة خواصه والإمام الكهل
الذي جاء إلى القرية حديثا، لا يعرفه البتة. العمل الوحيد الذي تفرّد به
منير وكان ينجزه حتى نهايته بمتعة كبيرة، هو غسل الموتى، الأمر الذي هرب
وابتعد عنه الجميع وكان منير ملجأ للعائلات الثكلى، يقصدونه لغسل موتاهم
وهكذا تحولت هوايته إلى مهنة.
تميز "منير" بهدوئه، فهو صديق الجلوس والانبطاح والنوم، يجلس على فرشة
يمدها أمام مدخل بيته حتى ساعات الصباح. فهذا الرجل يصرف على كل ما يوفر له
الكسل والاسترخاء، وهو ليس بخيلا، بل على العكس، وأيضا ليس كسّيبا، والسبب
هو تدليله لذاته. يأخذ الحياة بسهولة، وقد أتعب أهله عندما كان طفلا، من
شدة كسله. ينظر إلى الحياة نظرة هادئة، يستغرب ممن يركض وراء رزقه، ويبتسم
دائما ساخرا من الجميع، ومبدأه في الحياة: "الحياة لا تستحق اللهاث".
عندما قرر منير الزواج، أخذ يبحث عن مهنة حقيقية يعتاش منها ويعيل بها نفسه
وبيته، ولكن ماذا يفعل وجميع المهن تحتاج إلى الجهد. سعى أهل البلدة معه
لإيجاد عملا يناسبه، وفي نهاية المطاف، قام المختار بتعيينه حارسا لديوانه،
وهي مهنة لم تكن قائمة أساسا، تم ارتجالها خدمة لمنير ولما يقدمه لأهل
بلدته. كان عليه أن يجلس على باب الديوان، ليمنع الأطفال والأشخاص غير
المرغوب بهم، من الدخول إثناء انعقاده، مرّة أو مرتين في الشهر، وباقي
الأيام كان يقضيها في الثرثرة والتحدث مع الجيران.
تزوج منير وولد له الابن البكر، فأخذ أهل البلدة يتندرون ويسخرون منه،
فبعضهم قال: كيف استطاع إنجاب الطفل وهو المعروف بقلة خواصه؟ فأجابه آخر:
يبدو أنه تزوج من امرأة حامل. لكن منير استطاع فيما بعد، إثبات أنه في هذا
الأمر لا يتوانى وأنجب طفلتين آخريين.
في أحد الأيام، وعندما كان يجلس أمام باب الديوان، جاءته امرأة على عجلة من
أمرها وقالت له: ساعدنا يا منير. شقيقتي أنجبت طفلها وهي في شهرها السادس
من الحمل، وخرج المولود ميتا ونريدك أن تدفن المولود دون "طنه ورنه"، لا
نريد إقامة جنازة، فالأمر لا يستأهل ذلك.
وعلى الفور، ذهب منير معها، فأخذ جثة الطفل ودفنها في المقبرة، ومن قلة
خواصه وكسله، لم يحفر القبر عميقا كما يجب، وأهال عليها التراب، وعاد إلى
بيته. وفي المساء، مرّ قطيع من الكلاب الشاردة في المقبرة، فنبشت القبر
ونهشت الجثة، وفي اليوم التالي انتشر الخبر وعرف الجميع ما حصل للجثة، ولم
ينج منير من التعليقات الساخرة، رغم نيته الصادقة لفعل الخير. ومن يومها
أصبح الجميع يقولون عند مشاهدتهم لعمل ما، لم ينجز كما يجب: "اللي دفنه
منير، أكله الكلب" وأصبح هذا المثل رائجا في البلدة وانتقل إلى البلدات
المجاورة، وتوارثته الأجيال دون أن يعرفوا حتى مصدره.
بعدما أنهى زوجي حكايته، وكنت ما أزال منبهرة بقصته، وأنا ما أنفك أقضم
أظافري، قلت له بصوت حزين يشابه البكاء: ليغمده الله برحمته. ثم سألته: هل
لابن عم والدك منير أبناء، وأين يقيمون؟
فأجاب زوجي وهو يبتسم: الحقيقة.. لا يوجد لأبي ابن عم؟
تفرست في عيون زوجي وقلت له بحيرة: كيف ذلك!؟
- جدي كان وحيدا بين خمسة إناث ولا يوجد لأبي أعمام أصلا!!
- إذا من أين جئت بهذه القصة، ومن هو هذا منير!؟
- ضحك زوجي وقال: أنا اخترعت هذه القصة من أجلك، لكي أسليك، فأنا أعرف أنك
تحبين القصص ولكن بالفعل هناك شخص حقيقي يدعى منير، ومنذ أن تزوجت وأنا
أترحم عليه، فقد مات وقال لي وهو على فراش الموت: "احذر من بنات المدارس
ولا تتزوج واحدة منهن"، ولكنني لم أسمع قوله وتزوجتك؟
- ماذا؟
- قلت بعبوس: أنت تعرفين أن الحب بيننا كان أقوى من منير ووصيته هذه!!
أخذ زوجي بالضحك وخصلات شعره تهتز من فوق جبينه متدلية باسترخاء ورمقته
بنظرات شزر وأنفي مرفوع بتحد وتركت المائدة ودخلت إلى غرفتي.
***
تكدر مزاجي من الحكاية وقمت بإشغال نفسي بمزاولة بعض الأعمال المنزلية، حتى
أبعد عن نفسي الهم، ونظرت من شرفة بيتي المطلة على غابة من أشجار الصنوبر،
والمطر الجميل يتساقط بأبهة، يعانق ورقات الورد الجوري في حديقتي، والجو
الغائم أربكني وحرك مشاعري الدافئة، تذكرت فجأة شيئا، أزال عني الهم وجعلني
أضحك! وأضحك، وأضحك.. فأنا أصلا لست متزوجة. وكنت قد قررت بأن لا أتزوج إلا
بعد إنهاء الدراسة بسنوات عدة!!!
===================
*ميسون أسدي -
قاصة فلسطينية
maisoonassadi@yahoo.com