قراءة أدبية أجراها :

·
انه كاتب يكتب للأطفال بطريقة نسميها في علم النفس ( الترابط الحر)
·
ان جدلية الكاتب متشابكة لكن جميع خيوطها تهدف الى هدف وهو تعزيز حب الوطن
والعروبة والانتماء للتاريخ والثقافة
·
مجموعة قصصه بقدر ما هي حاضرة الا أنها مستقبلية , حيث يغرس في الطفل ما يسمى
(دوافع الانجاز)
·
ان سيكولوجية الطفل متهيئة ومتقبلة لكل ما كتب وهو يستشهد بأبطال العراق ومن
ضحوا في سبيله بقوة الشخصية والقدرات الذاتية والدافع الوطني .
·
ان الكاتب يسعى دوما الى خلق مجموعة من الأهداف والقيم الشخصية من اجل حث
الطفل على التمسك بالهوية الوطنية والقومية
·
ان الكاتب جاسم محمد صالح ينتمي الى فلسفة الوجود الذاتي والغور في اللا
متناهي والتمسك في ملامح الذات الوطنية
·
إن الكاتب يتحلى بثقافة الرسالة ورسالة الثقافة في بعد علمي وسياسي ووطني مفهوم
·
لقد استطاع الكاتب ان يوج لثقافة الحب والسلام بين الأطفال والعمل على إيصالهم
إلى الدرجة القصوى من المحبة والتعاون من خلال كل الرموز التي استخدمت في
كتاباته
***************
الكاتب والقاص جاسم محمد صالح لم يكن وحده الذي انفرد في الكتابة في أدب
الطفل ,فهناك الكثيرون غيره إلا أن حزمة من الأمور ميزته عن غيره من الكتاب
جعلتني أقف عندها وأنا اقرأ له كتاباته الغزيرة والمتنوعة في أدب الطفل وان
أهم ما امتازت به :
أولا: إنها تفجرت مع الاحتلال الغاصب للعراق ؟
ثانيا
: إدراكه للأهمية القصوى في بناء الذات في عالم الطفل وان حجرها الأساس يوضع في
فترة الطفولة وتستمر حتى مرحلة الشباب .
ولو ان العلماء اختلفوا في تقدير الفترة الزمنية لبناء ( الأنا ) وهذا ليس
موضوعنا ولا يهمنا بقدر ما يهمنا ان الجميع متفقون على المرحلة العمرية التي
كتب عنها الكاتب وهو يرسم في قصصه ألف باء حب الوطن وبناء الإنسان والارتقاء
به الى المستوى الإنساني الوطني المرموق .
إذا كان (جولان) الفرنسي قد ترجم كتاب (ألف ليلة وليلة ) الى الفرنسية ثم
تُرجم الكتاب بعد ذلك الى لغات كثيرة لروعة سحر الشرق وما في هذا الكتاب من
مغامرات , فعلى المؤسسات الوطنية لا وزارة الثقافة ان تترجم كتابات هذا الكاتب
الى عدة لغات ليعلم العالم بشاعة الاحتلال الأمريكي الصهيوني ومعاناة الشعب
العراقي وبلاء ما بعده بلاء ابتلى به الأمر الذي شدني إذا ما قرأت انه يكتب
للأطفال بطريقة نسميها في علم النفس ( الترابط الحر) وهو يربط عقول جميع
الأطفال بفكرته وهو يتحدث عن الطفل او عن الحيوان او عن الطير, ان جدلية
الأستاذ جاسم محمد صالح متشابكة لكن جميع خيوطها تهدف الى هدف وهو تعزيز مفاهيم
حب الوطن والعروبة والدين لدى الأطفال ولا تفرز أي نوع من أيدلوجية بعيدة عن
فهم الأطفال وقدراتهم , حيث لا تقاطع يذكر في هذه الأيدلوجية لا في المضمون ولا
في الشكل , وجاسم محمد صالح يخاطب الجميع ويستشهد بمشاهد خيالية وأخرى واقعية
انه يكتب بما يسمى (الحس العفوي) الذي يستطيع الطفل التقاطه بسرعة نتيجة النسيج
القصصي المبسط الجميل ويعلم ان هناك قدرات تمكنه من الاطلاع والاستكشاف المنظم
فيعمل على صياغة قدرات الوصول الى درجة من المهارات الفكرية والاجتماعية
والإنسانية لينقل الطفل والإنسان الى حالة تصالح مع الضمير وينتهي بشعور الطفل
الى حالة من الارتياح عندما يكون إنسانا او بطلا او شهيدا يقدم أي شيء لوطنه
ويدفع الآخرين الى الشعور بالطمأنينة وزرع الثقة بكل المحيطين بأبطال قصصه
وإيمانهم ان لابد لخنازير الظلام ان تغادر وان شمس الحرية وقمرها لا بد وان
يرسما صورة العراق الجديد ...عراق العزة والكرامة .
الغريب ان مجموعة قصصه بقدر ما هي حاضرة الا انها مستقبلية , حيث يغرس في
الطفل ما يسمى (دوافع الانجاز ) من اجل تحرير العراق من الصهاينة ومن لف لفهم
من الدخلاء الفاسدين , فالإنسان عندما يقرا لكاتب معروف مثله يشعر بالارتياح
حتى الكبار فهم يحبون ان يقرؤوا قصص الأطفال , السبب كما نطلق عليه هو الرغبة
في التقمص او التعويض , فهو يشعر بالارتياح لأنه وجد وطنيته وإنسانيته في هذه
الكتابات التي يقرأها لهذا الكاتب.
الكاتب جاسم محمد صالح ليس ضد الأمريكان او ضد أي إنسان وإنما هو ضد
المحتل الذي تجلت أفعاله بأبشع الصور الدراماتيكية والسادية في العراق وفلسطين
, لذلك يسعى دوما الى خلق مجموعة من الأهداف والقيم الشخصية من اجل حث الطفل
على التمسك بالهوية الوطنية , الحمامة لها عش كذلك النسر , كذلك السمكة , لكن
العراقي قُتل واُخرج من بيته ومن وطنه, ومع هذا فانه شجاع شجاعة فكرية ومتصالح
مع ضميره , لذلك يقدم ما يريد بكل ما يملك من قدرات لأطفالنا من اجل الحرية
والاستقلال والكرامة .
يؤكد الكاتب على التعاون وكيف ان الأطفال هزموا الغزاة بتعاونهم وكيف ان
التفاحة فجرت الدبابة , انه يعمل على دمج هوية الفرد الذاتية او صهرها في هذه
الظروف القاسية التي يمر بها عراقنا الحبيب الذي سلخوه وباعوه فهو الهوية
الثابتة بهويه شخص وطني آخر او مجموعة أشخاص او مجتمع مصغر يُطلق عليه ( مقاومة
) التي فرضت نفسه علينا .
لقد خلد هذا الكاتب أدب الطفل ولا أريد التقليل من شأن قلمه او سرده الأدبي
لكن كما قلت فقد استطاع ان يربط الطفل بكل كلمة كتبها , أنها وكما ذكرت طريقة
(الترابط الحر) او (نظرية الأعماق) .
ان سيكولوجية الطفل متهيئة ومتقبلة لكل ما كتب وهو يستشهد بأبطال العراق
ورموزه الوطنية ومن ضحوا في سبيله بقوة الشخصية والقدرات الذاتية والدافع
الوطني .
ان جاسم محمد صالح تجاوز التركيز من الاهتمام بالذات الى الاهتمام بالشعب
والوطن وأكد على تفضيل قدرة السيطرة والدوافع الوطنية للفرد على الملذات وعلى
الجسم , وان الجسد حسب مفهومه ورؤيته لا يمثل الا الحركة وهذا هو نزيف دم
الطفل الذي أوصل الرسالة الى أطفال آخرين ليوصلوها إلى مجاميع المقاومة كما
رأيت ذلك في قصصه الوطنية .
ان الكاتب أدرك القدرة على اختيار وممارسة الإرادة وفي المشهد الوطني وان
هذه المواقف يسجلها التاريخ ولا ينساها لهم كما هو الشيخ ضاري المحمود و حميد
البلام وأبطال قصصه الأخرى, ولهذا يقول لنا جاسم محمد صالح كما قال توماس
جفرسون : ((ان المجتمع الحر هو مجموعة من الأحرار)) , فإذا أصبح كل فرد منا حرا
يملك إرادته استطعنا ولو بالعصا ان نطرد المحتل الذي اغتصب كل شيء , الأرض
والإنسان والتراث والقيم والمبادئ , انه محتل مخبول مهووس ذاق منه العراقيون
الأمرين وهو يعيش الآن بأمراض نفسية مختلفة , أما مجتمعنا فانه ليس بحاجة الى
العقاقير والى ضمادات السياسيين , انه بحاجة الى الحرية والعدالة والاستقلال
والكرامة , وهذا كله نجده في تناسق الشعور في سيمفونية جاسم محمد صالح التي
قدمها للطفل العراق , سيمفونية متطابقة النغمات تطابق نغماتها بمشتركات بينها
وبين الهدف المنشود الذي نعيش من اجله وهو حرية واستقلال العراق من الاحتلال
والتسلط الأجنبي .
لا أريد ان أكون تقليديا , فارمي التعليق هنا وهناك على مجموعة قصصه
الوطنية التي ألفها للأطفال لأنني اعرف تماما ان كل ما اكتب سيعطي للكاتب
تعريفا واحدا في التأكيد على المفاهيم الوطنية والكرامة والإنسانية والحرية ,
ولكن دعنا نذكر ( العصفور) هذا المخلوق الضعيف الذي يقاتل,و( الفدائي الصغير) ,
خذ الطفل الذي يحمل العراق مشروعا وطنيا جريحا في (أماه أين وطني ؟ ) حيث يصور
لنا الكاتب الجوع والفقر وهما يتزامنان مع الغنى والثراء , وهذا يعني وجود
الفوقية والتحتية وخطر ذلك على وحدة المجتمع , وفي (القمر الفضي) يرسم جاسم
محمد صالح حروف العراق للأطفال , وفي ( الأفعى وشجرة التفاح) نرى كيف تتحول
التفاحة الى قنبلة قاتلة للأعداء المحتلين, وهنا يستخدم الكاتب قوى أخرى غير
السلاح للتخلص من المحتل اللعين , خذ البعد الوطني في رواية (الليرات العشر)
وخذ بقية الشخوص في رواياته المختلفة مثل حميد البلام وضاري المحمود وجاسر
الجسور وصالح الخراشي ونجم البقال وشعلان ابو الجون وغيرهم , كلها شخوص تنمي
وتغرس البعد الوطني في ذهنية الطفل ,وما ذكرته نزر من فيض غير ان قلمي معني
بالوصول الى عقلية الكاتب ومجمل أفكاره وكيف يكتب؟ ولماذا يكتب؟ .
مما لاشك فيه ان الكاتب جاسم محمد صالح رجل مثقف وذو قاعدة علمية رصينة
وينتمي إلى فلسفة الوجود الذاتي و يسعى للغور في اللا متناهي والتمسك في الذات
الوطنية والتعلق بالهوية الوطنية , وقد وجد نفسه في قصصه هذه وهو يدافع ويقاوم
بالقلم ويقول لنا : ليس بالسلاح وحده القادر على التحرير , وان أسمى ما لديه هو
حرية الفرد وحرية المجتمع التي يعمل من اجلها بأحاسيس كثيرة وبنفس سريالي ,
ويؤكد لنا الكاتب بأن لديه قدرات متنوعة وانه من المثقفين المتميزين الذين قال
عنهم الكاتب الفيلسوف (فوكو): ( معرفة لا تعرف نهاية ) , لذا نراه معطاء في
فنون الثقافة ومساراتها حيث يقول لنا الكاتب: إن روح المعارضة هي التي تعطي
المثقف القدرة على التحدي , فلندوّر عجلة قيمه من اجل الدفاع عن الوطن
والمجموعات المحرومة والمسحوقة والضعيفة , وهو بهذا يصبح مؤلف لغة يقول
الحقيقة للجميع دون وجل ان لا ديمقراطية ولا حرية في الأوطان المحتلة وان
النظام العالمي الجديد ( العولمة) من الأمور المنمية للعقل وان الوطن العربي
يجمع بين الثقافتين المعرفية والدينية وانه لا يؤمن بصراع الحضارات , كما ان
الكاتب يتحلى بثقافة الرسالة ورسالة الثقافة في بعد علمي وسياسي ووطني حيث اخذ
يصنع منه وفي نفس ثوري مقبول قصصا للأطفال من اجل الحرية وهو يعي والجميع يعلم
أهمية هذه المرحلة في بناء الإنسان , لذلك أكد انه لابد من وجود دوافع الانجاز
المحدد بالهوية الوطنية والقومية وان اختلفت الأنماط السلوكية , حيث ان لكل
سلوك أداء وهذا ما يؤكده علم الاجتماع وعلم النفس وهو يترقب اثر قلمه ومتابعته
من اجل خلق عوالم المعرفة ذات الأثر السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتي تركت
أثرها على العقل والنفس , لذلك فهو في كثير من قصصه يعتمد على صياغة وبناء
الأنماط الشخصية و يتابع أفعالها ورسم أدائها ويصبها في البودقة الوطنية وهذا
التصنيف يؤكده عالم الاجتماع (يونغ) ...وأخيرا استطاع الكاتب جاسم محمد صالح ان
يثبت لنا من خلال قصصه ورواياته الموجهة للأطفال بان الثقافات العالمية
متداخلة رغم اختلاف مصادرها وان الجميع يؤمن بالحرية والاستقلال وهذا ما يحمله
قلم الكاتب كمسؤولية تاريخية وأخلاقية ولكن بمعايير حقيقية وعلميه أن يستمر في
النضال ضد الاحتلال والبؤس الإنساني حيث ان تداخل هذا التحليل مع شخصية الكاتب
,و لهذا كله فإنني اقدر فيه البعد الوطني واشكره على منهجيته في وضع اللبنة
الوطنية الأولى للأجيال, فقد استطاع من خلال قصصه ورواياته المختلفة ان ينشر
ثقافة الحب والسلام والتآخي بين الأطفال وإيصالهم الى الدرجة القصوى من المحبة
والتعاون من خلال كل الرموز التي استخدمت في كتاباته واستطاع بمهارة وذكاء إن
يوفق بين أطياف المجتمع الآمن الذي يعيش حياته التي خصصها له الله سبحانه
وتعالى , وبين المجتمع الذي دُوهم في عقر داره واحتلت أرضه وانتهكت أعراضه
فيتحول إلى خلية نحل في التعاون من اجل الخلاص .
إذا كانت أقلامنا تكتب وهي تحفر في الصخر فان قلم جاسم محمد صالح وكأنه
يكتب على صحيفة أديم رقيقة جدا وان الكاتب في كتاباته لم يهز التكيف الوجداني
للصغار فقط وإنما تعداه الى الكبار, فعندما تقرأ له وأنت كبير وتحمل الحس
الوطن تدمع عيناك وهنا يكمن سر نجاحه وإبداعه.
أتمنى لهذا الكاتب القدير التوفيق والاستمرار والارتقاء كما أتمنى على
المؤسسات الوطنية والوطنيين ان يقفوا الى جانبه لطبع جميع ما يكتب عن الطفل
لتدخل هذه القصص والروايات الهادفة الى بيوتنا وستكون في متناول أطفالنا , حيث
يعمل الأعداء على سحب بساط المجموعة المعرفية والقيمية والأخلاقية من تحت
أقدامه , وجاسم محمد صالح هذا يرسخها فيهم ... إنها الثقافة التي يجب ان تعزز
وتنتشر بين فالذات أكبادنا في وقت نحن في أمس الحاجة إليها.
=============
*
جاسم محمد صالح
– العراق
*
كمال
الدين القاسم
– العراق