
قصة قصيرة
عوض قنديل*
جاءني
منزعجا يلومني على ضرب
ابني بتلك القسوة , فقلت له أن الإنسان يحتاج إلى ضرب مبرح مرة
واحدة في عمره كي
يفيق و ينتبه لمستقبله و إن لم يأكلها الآن سوف يأكلها و بما
أنها واقعة لا محالة
فلتقع مبكرا حتى يضحك في النهاية بدلا من أن يضحك الآن و يبكي
طول العُمر
.
قال
:
هل ضربك أبوك كهذا الضرب و تلك القسوة لأجل القراءة و الكتابة
؟
قلت : ضُربت
أكثر من هذا ولكن بعد فوات الأوان
.
قال : أصبحت فيلسوفا
!!
قلت : الحياة لهل
فلسفة , تأتيك شئت أم أبيت
.
قال : و كيف وقعت عليك فلسفة الحياة دون البشر
؟
قلت : و هل لك أن تستمع و لا تقاطع ؟
قال : لك هذا إن استطعت إقناعي بما
تقول
.
قلت : هل سمعت بالمثل الذي يقول "إلتم المتعوس على خايب الرجا
"
كنت
جالسا أنا و صديق لي في ظل أحد الجدران , ينعشنا الهواء الذي
يأتي من البحر مباشرة
و لم يكن أسعد منا في تلك اللحظة إلا من يجلس و رجليه في الماء
على شاطئ البحر
.
و حيث ما كنا ننعم بتلك النشوة و السعادة الغامرة , و إذا
بدورية من جيش
الاحتلال
توقف الجنود , نظروا إلينا ثم نظروا إلى الجدار ثم نظروا إلى
بعضهم
البعض
و تحدثوا بما لا نفهم
.
تقدَّم آمر الدورية و قال : أنتم , ماذا تفعلون
هنا ؟
قلنا : نجلس في ظل الجدار هربا من حَرِّ البيوت
.
قال : هل معكم بطاقات
هويَّة ؟
أنت ... أعطني هويتك , و أنت أيضا
.
و بعد أن وضع الهويات في جيب
قميصه الأمامي قال
:
هل تعرف ما المكتوب على الجدار ؟
قلت : لا أعرف
.
قال لزميلي : و أنت , هل تعرف ما المكتوب على الجدار ؟
قال زميلي : لا أعرف
.
رجع لي ثانية و قال : أنت , اقرأ المكتوب على الجدار
قلت : لا أعرف
القراءة
رجع لزميلي و قال : أنت , اقرأ المكتوب على الجدار
قال زميلي : و
أنا أيضا لا أعرف القراءة
أنت لا تريد أن تقرأ , و أنت كذلك لا تريد أن تقرأ
,
بسيطة
.
أشار إلى أفراد الدورية فانهالوا علينا ضربا عشوائيا و هو يقول
, اقرأ
,
و نحن نقول لا نعرف , و كلما نقول لا نعرف , يزداد الضرب و
يتواصل و نحن نواصل
الإصرار بأننا لا نعرف , إلى أن جاء رجل يعرفنا و لا نعرفه و
يبدو عليه أنه متعلم و
كان يجيد القراءة بالعربية و يتكلم العبرية بطلاقة , فأوقفه
آمر الدورية و أخذ منه
بطاقة الهوية ثم سأله هل تعرف المكتوب على الجدار , قال الرجل
نعم أعرف و لكن هل
تضربهم لأنهم لا يعرفون القراءة
.
قال الآمر : نضربهم لأنهم يرفضون القراءة
.
قال الرجل هؤلاء لا يعرفون القراءة , هؤلاء أميون
.
قال الآمر : و هل أنت
تعرف القراءة ؟
قال الرجل : نعم أعرف و سأقرأ لك بشرط أن تتركهم و حالهم و لا
تغضب مما تسمع
.
قال الآمر : إن قرأت لنا سأتركهم و لن أغضب
.
قال الرجل
:
إذا أعطهم بطاقات الهوية أولا و اتركهم لحال سبيلهم
.
بعد أن اتفقا و أخذنا
بطاقات الهوية , لم نذهب بل بقينا لنعرف ما المكتوب على الجدار
لأننا لن نُضرب أكثر
مما ضُربنا
.
قرأ الرجل : تسقط إسرائيل , يسقط الاحتلال , الموت لجنوده
الجبناء
.
====================
*عوض
قنديل - فلسطين/غزة
====================